شيركو حبيب
كاتب
إلى متى تبقى الحقيقة غائبة؟
برلمان كوردستان والحكومة المؤجلة في زمن العولمة
نعيش اليوم في عصر العولمة والتكنولوجيا، حيث تنتقل المعلومات بسرعة، وأصبح المواطن أكثر قدرة على متابعة الأحداث ومعرفة ما يجري في الساحة السياسية. وفي كوردستان، يتابع الناس باهتمام تطورات المشهد السياسي، وينتظرون استكمال الاستحقاقات الدستورية، وتشكيل الحكومة الجديدة، وتفعيل برلمان كوردستان ليؤدي دوره التشريعي والرقابي، بما ينسجم مع تطلعات الشعب ونتائج الانتخابات.
إن تأخر تشكيل الحكومة وتعطّل الدور الفاعل للبرلمان يطرحان تساؤلات مشروعة حول أسباب استمرار الخلافات السياسية، ولا سيما في ظل التصريحات التي تشير إلى أن هذه الخلافات محدودة، وأن التوصل إلى اتفاق لا يحتاج إلى وقت طويل إذا توفرت الإرادة السياسية.
وهنا يحق للمواطن الكوردستاني أن يسأل: إذا كانت الخلافات قابلة للحل، والحكومة من الممكن تشكيلها في غصون 24 ساعة، فما الذي يؤخر الوصول إلى اتفاق نهائي؟ ولماذا تبقى المؤسسات والاستحقاقات الدستورية رهينة المفاوضات؟ وما الخطوات العملية التي يمكن اتخاذها لإنهاء حالة الانتظار؟
إن الخلاف السياسي أمر طبيعي في أي نظام ديمقراطي، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول إلى سبب لتعطيل المؤسسات وتأجيل الاستحقاقات. فالديمقراطية لا تكتمل بالانتخابات وحدها، بل باحترام نتائجها وترجمتها إلى مؤسسات فاعلة، وحكومة تتحمل مسؤولياتها، وبرلمان يمارس صلاحياته في التشريع والرقابة والمساءلة.
فالمواطن الذي يشارك في الانتخابات ينتظر أن يرى أثر صوته في إدارة شؤون الإقليم، وتحسين الخدمات، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لا أن يجد نفسه أمام تأجيل طويل لا يعرف موعد نهايته.
دور الحزب الديمقراطي الكوردستاني والرئيس مسعود بارزاني
في ظل هذه الظروف، تبرز أهمية دور الحزب الديمقراطي الكوردستاني، باعتباره أحد أبرز الأطراف السياسية في إقليم كوردستان، وكذلك الدور السياسي للرئيس مسعود بارزاني، بما يمتلكه من مكانة تاريخية وسياسية في المشهد الكوردستاني والعراقي والإقليمي.
إن المرحلة الراهنة تتطلب مواصلة الجهود الرامية إلى تقريب وجهات النظر، وتشجيع الحوار، وتوفير الظروف المناسبة للتوصل إلى تفاهمات تنهي حالة الجمود وتعيد المؤسسات إلى مسارها الطبيعي. فالمسؤولية الوطنية تقتضي من جميع القوى السياسية العمل بروح الشراكة، والابتعاد عن الحسابات الضيقة، وتقديم مصلحة الإقليم وشعبه على الخلافات المتعلقة بالمناصب والصلاحيات.
إن أهمية القوى السياسية لا تقتصر على حضورها في المعادلة السياسية، بل تشمل قدرتها على المساهمة في حل الأزمات، وحماية المؤسسات، والاستجابة لتطلعات المواطنين. ومن هنا، فإن مواصلة الحوار بين الأطراف الكوردستانية، وتغليب المصلحة العامة، يمثلان ضرورة لتجاوز الخلافات والوصول إلى اتفاق يحترم إرادة الناخبين.
مسرور بارزاني ودوره الإيجابي في دعم الاستقرار والعمل الحكومي
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى دور رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، وأهمية استمرار العمل الحكومي في ظل التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه الإقليم.
فإدارة شؤون كوردستان لا تتوقف عند المفاوضات السياسية، بل تشمل متابعة الملفات الاقتصادية والخدمية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الاستقرار، والعمل على تحسين حياة المواطنين. وهذه مسؤوليات تتطلب استمرار العمل وعدم السماح للخلافات السياسية بأن تتحول إلى عائق أمام مصالح الناس واحتياجاتهم اليومية.
ومن الجوانب التي يمكن الإشارة إليها في هذا السياق استمرار العمل في المشاريع الخدمية والاستراتيجية خلال المرحلة الماضية. فقد افتتح مسرور بارزاني في أيار 2026 مشروع جسر وطريق الأربعيني المزدوج في سوران، كما افتتح في تموز من العام نفسه مشروع مياه بالندا–بارزان الاستراتيجي، الذي يستهدف توفير مياه الشرب لنحو 53 قرية. وتمثل هذه المشاريع أمثلة ملموسة على أهمية استمرار العمل التنفيذي والخدمي في الإقليم.
إن الإشارة إلى هذه الجهود لا تعني أن جميع التحديات قد انتهت، أو أن الملفات السياسية العالقة قد حُسمت، بل تعني أن استمرار العمل الحكومي والاهتمام بمصالح المواطنين أمران ضروريان، حتى في ظل الظروف السياسية المعقدة.
ومن وجهة نظري، فإن الدور الإيجابي لمسرور بارزاني في مواصلة العمل الحكومي والتعامل مع التحديات ينبغي أن يتكامل مع جهود سياسية جادة لاستكمال الاستحقاقات الدستورية. فالمطلوب ليس الاكتفاء باستمرار العمل التنفيذي، بل البناء عليه من أجل الوصول إلى تفاهمات تضمن استقرار المؤسسات ووضوح المسؤوليات واستمرار تقديم الخدمات.
كما أن المرحلة الراهنة تحتاج إلى قيادة تنفيذية تواصل أداء واجباتها، وتعمل على معالجة التحديات الاقتصادية والإدارية، وتدعم الحوار بين القوى السياسية، بما يساعد على تهيئة الظروف المناسبة لتشكيل الحكومة الجديدة وتفعيل البرلمان.
إن الحفاظ على الاستقرار لا يتحقق بالتصريحات وحدها، بل باستمرار العمل، ومتابعة المشاريع، وتحسين الخدمات، وتحويل الخطط إلى نتائج يشعر بها المواطن. وفي الوقت نفسه، تبقى استكمال المؤسسات الدستورية ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، مهما كانت الجهود المبذولة في الملفات الأخرى.
تفعيل البرلمان وتشكيل الحكومة مسؤولية دستورية
إن برلمان كوردستان ليس مؤسسة ثانوية يمكن تأجيل دورها كلما تعقدت المفاوضات، بل هو إحدى الركائز الأساسية للنظام الديمقراطي. فمن خلاله تُناقش التشريعات، وتُراقب أعمال السلطة التنفيذية، وتُطرح قضايا المواطنين، وتُمارس المساءلة وفقاً للقانون.
ولذلك، فإن استمرار تعطيل دوره الفاعل يضعف إحدى أهم أدوات الرقابة الديمقراطية، ويزيد الحاجة إلى الإسراع في استكمال الاستحقاقات الدستورية. كما أن تشكيل الحكومة الجديدة يمثل خطوة ضرورية لضمان انتظام العمل التنفيذي، وتحديد المسؤوليات، ووضع البرامج والخطط التي تستجيب لأولويات الإقليم.
ولا ينبغي أن تتحول المفاوضات السياسية إلى غاية بحد ذاتها، بل يجب أن تكون وسيلة للوصول إلى اتفاق عملي يضمن الشراكة، ويحترم نتائج الانتخابات، ويحدد المسؤوليات والصلاحيات بصورة واضحة.
فالمواطن لا ينتظر اتفاقاً سياسياً على الورق فحسب، وإنما يريد مؤسسات تعمل، وقرارات تُنفذ، وحكومة تتحمل مسؤولياتها، وبرلماناً يمارس دوره في الرقابة والتشريع.
وحدة الصف الكوردستاني والحقوق الدستورية في بغداد
إن أهمية الإسراع في تشكيل الحكومة وتفعيل البرلمان لا تقتصر على الشأن الداخلي للإقليم، بل تمتد إلى العلاقة مع الحكومة الاتحادية في بغداد، حيث تحتاج كوردستان إلى موقف سياسي موحد للدفاع عن حقوق شعبها الدستورية وتعزيز مكانتها ضمن الدولة العراقية.
فالتحديات المتعلقة بالحقوق الدستورية والملفات المالية والاقتصادية والإدارية تتطلب تنسيقاً مستمراً بين القوى السياسية الكوردستانية، وتفاهمات تستند إلى الدستور والمصلحة العامة. ومن الصعب تحقيق تقدم مستدام في هذه الملفات إذا استمرت الخلافات الداخلية في استنزاف الوقت والجهد، أو إذا غابت المؤسسات القادرة على اتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها.
ولا تعني وحدة الصف إلغاء الاختلافات السياسية أو التخلي عن البرامج الحزبية، بل تعني الاتفاق على الثوابت الوطنية، واحترام التعددية، وإدارة الخلافات بروح المسؤولية، والتفاوض مع بغداد من موقع الشراكة والالتزام الدستوري.
ومن هنا، فإن جهود الحزب الديمقراطي الكوردستاني والرئيس مسعود بارزاني، إلى جانب الدور التنفيذي لمسرور بارزاني وسائر القوى السياسية، يمكن أن تتكامل في دعم الاستقرار الداخلي، وتشجيع التفاهم، وتعزيز القدرة على الدفاع عن حقوق الإقليم.
والمطلوب أن تتحول هذه الجهود إلى خطوات عملية تضمن انتظام عمل المؤسسات، وتوحيد المواقف بشأن الملفات المشتركة، وتقديم مصالح المواطنين على الاعتبارات الحزبية.
الشفافية والمصارحة حق للمواطن
في عصر المعلومات، لم يعد الاكتفاء بتصريحات عامة في المؤتمرات و المنتديات لغرض عرض العضلات حيث تتحدث عن قرب التوصل إلى اتفاق كافياً لإقناع المواطنين، خصوصاً عندما يستمر الانتظار من دون نتائج واضحة. فمن حق الشعب معرفة أسباب التأخير، وطبيعة العقبات التي تحول دون حسم الخلافات، والخطوات التي تتخذها القيادات السياسية لتجاوزها.
ولا يعني ذلك المطالبة بكشف جميع تفاصيل المفاوضات، فبعض الملفات تحتاج إلى مساحة من السرية والهدوء حتى تنضج التفاهمات. لكن هناك فرقاً بين سرية المفاوضات وغياب الشفافية، وبين منح الأطراف السياسية الوقت اللازم للحوار وترك المواطنين أمام أسئلة مفتوحة لا تجد إجابات مقنعة.
إن المصارحة مع الشعب تعزز الثقة، وتحد من انتشار الشائعات والتفسيرات المتضاربة، وتمنح المواطنين صورة أوضح عن طبيعة المرحلة السياسية. وإذا كانت هناك عقبات تتعلق بتوزيع المسؤوليات أو الصلاحيات أو البرامج أو الضمانات، فمن المهم توضيحها بالقدر الممكن، مع تحديد الخطوات العملية المتخذة لإنجاز الاستحقاقات.
فالثقة لا تُفرض على المواطنين، بل تُبنى من خلال الوضوح والالتزام والنتائج. والصبر لا يعني القبول بالتأجيل إلى أجل غير معلوم، كما أن احترام القيادات لا يلغي حق الشعب في السؤال والمساءلة.
ما يقلقني ليس وجود اختلافات بين القوى السياسية، فالاختلاف أمر طبيعي، بل أن يطول الانتظار من دون أن يعرف المواطن أسباب التأخير أو موعداً واضحاً لإنهائه. فالمواطن يريد أن يرى خلافات تُدار بالحوار، ومؤسسات تعمل وفق القانون، وقرارات تضع مصلحته في مقدمة الأولويات.
من التصريحات إلى القرارات
إن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من الحديث عن أهمية التوافق إلى اتخاذ خطوات عملية لتحقيقه. فالمطلوب حوار جاد بين القوى السياسية، وجدول واضح لاستكمال الاستحقاقات الدستورية، وتفاهمات قابلة للتنفيذ، وآليات لمتابعة الاتفاقات وضمان عدم تعطيلها.
كما أن المسؤولية لا تقع على طرف سياسي واحد، بل تتطلب تعاون جميع القوى المعنية، واستعدادها لتقديم التنازلات الضرورية التي تخدم المصلحة العامة، من دون المساس بالحقوق الدستورية أو إرادة الناخبين.
وفي الوقت نفسه، ينبغي مواصلة العمل على الملفات الخدمية والاقتصادية، وتعزيز فرص العمل، وتحسين الإدارة العامة، وحماية الاستقرار. فالمواطن الذي ينتظر تشكيل الحكومة لا يفصل بين الأزمة السياسية وحياته اليومية، بل يتطلع إلى مؤسسات قادرة على معالجة مشكلاته وتوفير بيئة أكثر استقراراً لمستقبله ومستقبل أبنائه.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار العمل الحكومي والاهتمام بالملفات العامة، إلى جانب الجهود السياسية الرامية إلى تقريب وجهات النظر، يمثلان مسارين متكاملين. فلا ينبغي أن تتوقف الخدمات بانتظار التوافق السياسي، كما لا ينبغي أن يصبح استمرار العمل التنفيذي مبرراً لتأجيل استكمال المؤسسات الدستورية.
رسالة إلى القيادات والأحزاب الكوردستانية
إن رسالتي إلى القيادات والأحزاب الكوردستانية المعنية بتشكيل الحكومة وتفعيل البرلمان التي تتماطل بحج وهمية، هي أن احترام إرادة الناخبين يبدأ باستكمال الاستحقاقات الدستورية، وأن حماية مصالح الشعب تتطلب مؤسسات فاعلة وحواراً مسؤولاً وقرارات واضحة.
إن المرحلة الراهنة تتطلب مواصلة الجهود لتقريب المواقف، وتسريع تشكيل الحكومة، وتفعيل البرلمان، وتعزيز الاستقرار، وتوحيد الصف الكوردستاني في الدفاع عن الحقوق الدستورية في بغداد.
كما أن الدور الإيجابي الذي يؤديه مسرور بارزاني في مواصلة العمل الحكومي والتعامل مع التحديات ينبغي أن يتكامل مع مسار سياسي جاد يفضي إلى استكمال المؤسسات وتحويل التفاهمات إلى نتائج ملموسة تخدم المواطنين وتدعم مستقبل الإقليم.
إن مصلحة كوردستان أكبر من الخلافات الحزبية، وحقوق شعبها أسمى من الحسابات الضيقة، واحترام نتائج الانتخابات مسؤولية وطنية ودستورية لا ينبغي أن يبقى رهينة التأجيل المستمر.
فإذا كانت الخلافات قابلة للحل، فلتُحسم بالحوار والمسؤولية، وإذا كانت هناك عقبات حقيقية، فلتُشرح للمواطنين بوضوح. أما استمرار الانتظار من دون خطوات عملية أو نتائج ملموسة، فلن يؤدي إلا إلى زيادة التساؤلات وإضعاف الثقة بالمؤسسات.
لقد تغير العالم، وأصبح المواطن أكثر اطلاعاً وقدرة على المتابعة والمساءلة. لذلك، لم تعد التصريحات وحدها كافية، بل باتت الحاجة أكبر إلى أفعال واضحة ونتائج حقيقية.
كلمة أخيرة
إن شعب كوردستان لا يطالب بالمستحيل بل يطالب بحكومة تتحمل مسؤولياتها، وبرلمان يمارس دوره، وقيادات تعمل بروح الشراكة، وشفافية تحترم حقه في المعرفة، وموقف كوردستاني موحد يدافع عن حقوقه الدستورية.
وقد يتأخر تشكيل الحكومة، لكن حق الشعب في السؤال لا يتأخر، وقد تطول المفاوضات، لكن مسؤولية القيادات تجاه المواطنين تبقى قائمة.
إن المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، ولا زيادة حدة الخلافات، بل الوصول إلى تفاهمات واضحة تحترم إرادة الناخبين وتضمن استمرار عمل المؤسسات. فالمصلحة العامة يجب أن تكون المعيار الذي تُقاس به القرارات والمواقف، لا مجرد شعار يُرفع في الخطابات السياسية.
وفي النهاية، لا تُقاس قيمة العمل السياسي بطول التصريحات، بل بقدرته على تحقيق الاستقرار، وحماية المؤسسات، وصون إرادة الناخبين، وبناء مستقبل أفضل لكوردستان وأجيالها القادمة.
ففي زمن العولمة، قد تتأخر الحلول، لكن أسئلة الشعب لن تتوقف، وقد تُغلق أبواب الاجتماعات، لكن الحاجة إلى الحقيقة والمصارحة ستبقى قائمة.