یاسا مسعود چەلکي
باحث في مجال الأمن القومي
بغداد تعترف بالعجز المالي… و كوردستان دفعت الثمن
رفع مجلس الوزراء العراقي، في السادس من تشرين الأول 2026، سعر الصرف الرسمي للدولار من 1320 إلى 1520 ديناراً. وبعد ذلك، أوضح رئيس الوزراء علي الزيدي أمام البرلمان أن حكومته لم يكن أمامها سوى ثلاثة خيارات: الادخار الإجباري، أو صرف الرواتب مرة كل 45 يوماً، أو اللجوء إلى مزيد من الاقتراض.
يعني هذا التصريح، بوضوح، أن الخزينة العراقية تواجه عجزاً عن تغطية نفقاتها. وهي الحقيقة ذاتها التي ظلت حكومة إقليم كوردستان تؤكدها منذ سنوات، في حين ظلت بغداد تنفيها أو تتعامل معها بوصفها ذريعة سياسية.
يأتي هذا الاعتراف في وقت خفّض فيه مشروع قانون موازنة 2027 حصة الإقليم إلى 12.38 تريليون دينار، مقارنةً بـ 16.498 تريليون دينار في السنوات الثلاث الماضية. وفي المقابل، تفيد بيانات وزارة المالية في حكومة إقليم كوردستان بأن أكثر من 48 تريليون دينار من مستحقات الإقليم لم تُرسَل بين عامي 2019 و2025. وعليه، فإن ما يحدث اليوم ليس أزمة طارئة، بل امتداد لعجز مالي اتحادي مزمن دفع شعب كوردستان ثمنه لسنوات، قبل أن تعترف بغداد نفسها بحقيقة الأزمة.
على مدى أكثر من عشر سنوات، كلما تأخرت رواتب موظفي الإقليم أو انخفضت المبالغ المخصصة لها، حمّلت بغداد حكومة الإقليم المسؤولية. فتارةً كان السبب الخلاف النفطي، وتارةً الإيرادات المحلية، وأخرى قوائم أسماء الموظفين، فضلاً عن تبريرات إجرائية متكررة، من قبيل سفر وزير المالية أو انتهاء الدوام الرسمي قبل استكمال الإجراءات.
في المقابل، كانت الأطراف الكوردية تؤكد أن الخزينة العراقية تعاني شحاً في الأموال، وأن إقليم كوردستان كان أول من يتحمل تبعات هذا العجز. آنذاك، عُدّت هذه التصريحات ذرائع سياسية، أما اليوم، بعدما تحدث رئيس الوزراء العراقي عن الادخار الإجباري واحتمال صرف الرواتب مرة كل 45 يوماً، فقد بات واضحاً أن ما قيل لم يكن مجرد موقف سياسي، بل كان يستند إلى أزمة مالية حقيقية.
الأزمة المالية العراقية ليست جديدة، والأرقام تقدم مؤشرات واضحة على عمقها. ففي عام 2020، عجز العراق عن إقرار الموازنة في ظل انهيار أسعار النفط وتداعيات جائحة كورونا، واضطر البرلمان إلى إصدار قانون للاقتراض بهدف تأمين رواتب الشهرين الأخيرين من العام. وفي العام نفسه، رُفع سعر صرف الدولار من 1182 ديناراً إلى 1450 ديناراً.
أما موازنة عام 2021، فقد أُعدّت بعجز متوقع يقارب 71 تريليون دينار، في حين بلغت موازنة عام 2023، التي وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ العراق، 198.9 تريليون دينار، بعجز تجاوز 64 تريليون دينار. وخلال سبع سنوات، بلغ مجموع الموازنات العراقية 1155 تريليون دينار، ومع ذلك لم تمر سنة واحدة من دون تسجيل عجز.
وفي عام 2026، تفاقمت الأزمة بصورة لافتة. فخلال الأشهر الخمسة الأولى، تضاعف العجز المالي للدولة خمس عشرة مرة، ليصل إلى 12.95 تريليون دينار، فيما تجاوزت الفجوة بين الإيرادات والنفقات 29 تريليون دينار خلال سبعة أشهر. ويحتاج العراق شهرياً إلى نحو 8 تريليونات دينار لتغطية الرواتب، بينما تجاوز الدين العام، بحسب رئيس الوزراء نفسه، 208 تريليونات دينار.
وفي سياق الأزمة ذاتها، انخفض الاحتياطي النقدي من الدولار لدى البنك المركزي خلال صيف هذا العام، لفترة، إلى 84 مليون دولار. وعلى الرغم من تجاوز حجم العملة المتداولة في السوق 101 تريليون دينار، واجهت المصارف شحاً في السيولة النقدية. واليوم، يبلغ سعر 100 دولار في السوق الموازية نحو 164 ألف دينار، مقابل 152 ألف دينار بالسعر الرسمي.
هذه المؤشرات تعكس واقع اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية والاقتراض والاحتياطيات، بدلاً من تنويع مصادر الدخل وتعزيز الإيرادات المستدامة. وهي تتسق مع ما تطرحه نظرية الدولة الريعية بشأن المخاطر البنيوية والمالية التي تواجه البلدان المعتمدة بصورة مفرطة على عائدات النفط.
أما بالنسبة إلى إقليم كوردستان، فتعود جذور الأزمة إلى مطلع عام 2014، حين قُطعت حصة حكومة الإقليم من الموازنة الاتحادية. فقد بلغت مستحقات الإقليم في ذلك العام 18.28 تريليون دينار، لكن بغداد لم ترسل سوى أربع دفعات، بلغ مجموعها 2.28 تريليون دينار، ما يعني أن نحو 16 تريليون دينار من مستحقات ذلك العام لم تُرسَل.
وجاء ذلك في وقت كان فيه الإقليم يواجه تنظيم داعش على جبهة امتدت لنحو ألف كيلومتر، ويستضيف قرابة مليوني نازح، ما ضاعف الأعباء المالية والإنسانية الملقاة على عاتقه.
وفي عام 2015، لم يتغير المشهد كثيراً. ففي الأشهر الخمسة الأولى من ذلك العام، بلغت مستحقات الإقليم 6.173 تريليون دينار، لكن ما أُرسِل لم يتجاوز 2.265 تريليون دينار، فيما بقي نحو 3.9 تريليون دينار من المستحقات من دون تحويل.
وفي الفترة نفسها، أعلنت وزارة المالية في حكومة الإقليم أن مستحقات قوات البيشمركة منذ عام 2007 بلغت 11.5 تريليون دينار، وأن أياً من هذه المستحقات لم يُرسَل، رغم أن البيشمركة تمثل جزءاً من المنظومة الدفاعية العراقية وفق الإطار الدستوري. واستمر الوضع على حاله خلال السنوات التالية حتى عام 2018، حين بقي الإقليم من دون حصة منتظمة من الموازنة، واضطر إلى تأمين الرواتب من إيراداته الخاصة، إلى جانب اللجوء إلى الادخار الإجباري.
ومنذ عام 2019، تتوافر إحصاءات أكثر تحديداً بشأن الأموال المحوّلة إلى الإقليم. ففي ذلك العام، لم ترسل بغداد سوى 5.32 تريليون دينار. وفي عام 2020، انخفض المبلغ إلى 2.19 تريليون دينار، ولم يتمكن الإقليم من توزيع سوى ثمانية رواتب طوال العام. وفي عام 2021، تراجع المبلغ إلى 1.2 تريليون دينار، ثم انخفض في عام 2022 إلى 400 مليار دينار فقط.
ووفقاً لحسابات تستند إلى بيانات وزارة المالية في حكومة الإقليم، بلغ مجموع المستحقات التي لم تُرسَل خلال هذه السنوات الأربع نحو 14.7 تريليون دينار. ومن اللافت أيضاً أن بغداد سجّلت معظم المبالغ التي حوّلتها إلى الإقليم بين عامي 2019 و2023 بوصفها قروضاً، لا تسديداً للمستحقات المالية.
وقد أثار إقرار قانون الموازنة الثلاثية عام 2023 آمالاً في إنهاء هذه الأزمة. غير أن الأرقام اللاحقة أظهرت استمرار الفجوة المالية. ففي عام 2023، بلغت مستحقات الإقليم 16.498 تريليون دينار، لكن ما أُرسِل لم يتجاوز 4.7 تريليون دينار، أي إن نحو 11.8 تريليون دينار لم تُرسَل، فيما ظلت رواتب ثلاثة أشهر من ذلك العام غير مدفوعة حتى اليوم.
وفي عام 2024، بلغت مستحقات الإقليم 20.91 تريليون دينار، أُرسِل منها 10.03 تريليون دينار، ما يعني أن نحو 10.9 تريليون دينار لم تُحوّل، ولم تكفِ المبالغ الواصلة إلا لتغطية رواتب عشرة أشهر. أما في عام 2025، فلم يُرسَل من المستحقات سوى 9.6 تريليون دينار، وبقي نحو 11.3 تريليون دينار من دون تحويل، ولم يتوافر التمويل إلا لعشرة رواتب من أصل اثني عشر.
وبذلك، بلغ مجموع مستحقات الإقليم خلال السنوات الثلاث 58.3 تريليون دينار، في حين لم يصل إليه سوى 24.3 تريليون دينار، أي ما يعادل نحو 41% من إجمالي المستحقات. أما مبلغ 12.5 تريليون دينار المخصص بموجب القانون للاستثمار في الإقليم، فلم يُرسَل منه، أي مبلغ.
وفي عام 2026، سلّم الإقليم خلال الأشهر الخمسة الأولى 443 مليار دينار من الإيرادات غير النفطية إلى الخزينة الاتحادية. وفي المقابل، اقتصرت التحويلات من بغداد على أموال الرواتب، مع احتجاز 100 مليار دينار من مستحقات المتقاعدين. وفي الوقت نفسه، أقرت وزارة المالية العراقية بوجود مشكلة في السيولة النقدية اللازمة لتأمين رواتب موظفي الإقليم.
وعند جمع الأرقام الموثقة للأعوام 2014 و2015، ثم الفترة الممتدة من 2019 إلى 2025، يتجاوز مجموع المستحقات التي لم تُرسَل، 68 تريليون دينار. ولا يشمل هذا المجموع مستحقات قوات البيشمركة والمتقاعدين، ولا المستحقات الخاصة بالسنوات من 2016 إلى 2018.
ولا يقتصر التفاوت المالي على الرواتب والموازنات، بل يمتد إلى برامج الحماية الاجتماعية. إذ تشمل شبكة الحماية الاجتماعية في العراق نحو 1.7 مليون أسرة. وكان رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، قد أشار في مقابلة على قناة الشرق بتاريخ 27 تموز (يوليو) 2025، إلى أن أكثر من 7 ملايين شخص يتقاضون رواتب الرعاية الاجتماعية من الحكومة الاتحادية، ليس بينهم من مواطني إقليم كوردستان سوى 72 ألف شخص، أي ما يعادل نحو 1% فقط، رغم أن سكان الإقليم يشكلون أكثر من 14% من مجموع سكان العراق.
والأكثر إثارة للتساؤل أن بغداد تقتطع المبالغ المخصصة لمواطني كوردستان ضمن شبكة الحماية الاجتماعية من حصة الإقليم في الموازنة، بدلاً من تمويلها من الموازنة الاتحادية، كما هو معمول به في بقية مناطق العراق.
ويظهر التفاوت ذاته في ملف الرواتب والاستحقاقات الوظيفية. فرواتب قوات البيشمركة، التي تمثل جزءاً من المنظومة الدفاعية العراقية وفق الإطار الدستوري، لا تتساوى مع رواتب أفراد الجيش العراقي. كما لا يحصل موظفو الإقليم ومتقاعدوه على الدرجات والمخصصات والزيادات نفسها التي يحصل عليها نظراؤهم في بقية العراق.
وفي عام 2025، أوقفت بغداد التحويلات والعلاوات والتعيينات الخاصة بالإقليم. وهكذا، يجد المواطن في كوردستان نفسه مطالباً بدفع الضرائب والرسوم الجمركية، شأنه شأن المواطن في البصرة أو بغداد، من دون أن يحصل بالضرورة على مستوى الاستحقاقات المالية والدعم الحكومي ذاته.
وخلاصة المشهد أن العراق يواجه أزمة سيولة نقدية، وأن هذه الأزمة تقف وراء قرار تغيير سعر صرف الدولار، كما تمثل عاملاً أساسياً في استمرار الأزمة المالية بين بغداد وأربيل. فعندما تعجز الدولة عن توفير الأموال اللازمة لتغطية نفقاتها، تلجأ إلى تقليص الإنفاق أو تأجيل الالتزامات، وكان إقليم كوردستان، في حالات عديدة، الطرف الذي تحمّل جانباً كبيراً من هذه التداعيات.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يكشف فيها سعر صرف الدولار جانباً من حقيقة الأزمة. فعندما رُفع سعر الصرف في نهاية عام 2020، لم يتمكن إقليم كوردستان، خلال العام نفسه، من توزيع سوى ثمانية رواتب. وفي شباط من عام 2026، قال مسؤول في البنك المركزي العراقي إن الربط بين تغيير سعر الصرف وعجز الموازنة خطأ، ومع ذلك جاء قرار رفع السعر في وقت تجاوز فيه العجز 29 تريليون دينار.
ولا يعني ذلك أن الحكومة العراقية الحالية هي التي صنعت الأزمة. فقد أشار رئيس الوزراء علي الزيدي إلى أن الاقتصاد العراقي يواجه ضغوطاً شديدة بسبب الصراع في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز. غير أن ما تفعله بغداد اليوم يكشف حجم أزمة مالية تراكمت على مدى سنوات، ويعيد طرح سؤال جوهري: إذا كان العجز يُعلَن اليوم بهذه الصراحة، فلماذا تحمّل موظفو كوردستان وحدهم جانباً كبيراً من كلفته طوال تلك السنوات؟
وإذا أُقرّ مشروع قانون موازنة 2027 بصيغته الحالية، فمن شأنه أن يزيد الضغوط المالية على الإقليم. فبحسب الأرقام الواردة في المشروع، تبلغ حصة الإقليم 12.67%، في حين تتجاوز نسبة سكانه 14% وفق آخر تعداد. ومن إجمالي موازنة يبلغ 217 تريليون دينار، خُصص للإقليم، مبلغ 12.38 تريليون دينار.
كذلك، لا تتضمن الدرجات الوظيفية المخصصة في المشروع، وعددها 100 ألف درجة على مستوى العراق، أي درجة للإقليم. كما رُفضت مطالب حكومة الإقليم بتثبيت 59 ألف موظف يعملون بعقود، واستحداث 24 ألف درجة وظيفية جديدة. ولا تزال رواتب البيشمركة وموظفي الإقليم دون مستوى التكافؤ مع رواتب نظرائهم في بقية العراق، فضلاً عن عدم تخصيص موازنة استثمارية للإقليم.
وفي مقابل هذا التقليص، يفرض مشروع الموازنة على الإقليم التزامات مالية كبيرة، من بينها تحويل جميع الإيرادات الجمركية إلى الحكومة الاتحادية، وتسليم الضرائب والإيرادات المحلية، وتسليم 400 ألف برميل من النفط يومياً إلى شركة تسويق النفط العراقية «سومو»، فضلاً عن سداد ديون المصرف العراقي للتجارة (TBI).
إن اعتراف رئيس الوزراء العراقي بشح السيولة النقدية يمثل إقراراً مهماً بحقيقة الأزمة المالية، لكن هذا الاعتراف لا يكتمل عند حدود سعر صرف الدولار. فإذا كانت بغداد تقر اليوم بأنها لا تملك ما يكفي من الأموال لتغطية التزاماتها، فعليها أيضاً أن تقر بأن حكومة إقليم كوردستان كانت تحذّر من المشكلة ذاتها منذ سنوات.
كما أن المستحقات المالية المتراكمة التي لم تُحوّل إلى الإقليم ليست مجرد أرقام في سجال سياسي، بل ترتبط برواتب المعلمين وأفراد البيشمركة والمتقاعدين، وبمساعدات الأسر الفقيرة، وبقدرة المؤسسات العامة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين.
فإذا كان العجز المالي حقيقة تعترف بها بغداد اليوم، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الأزمة موجودة، بل لماذا تحمّل إقليم كوردستان ومواطنوه نصيباً غير متكافئ من أعبائها، ولماذا لم تُعالج الخلافات المالية بين الطرفين على أساس واضح من الدستور والقانون والعدالة في توزيع الموارد والالتزامات.