د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
حكومة مسرور بارزاني ومقومات الاستقرار في إقليم كوردستان
في ظل المتغيرات الجيوسياسية المعقدة والبيئة الإقليمية المضطربة تقتضي المصلحة العليا لإقليم كوردستان اتباع استراتيجية أمنية متكاملة تقوم على حماية السيادة، وتحصين الاستقرار الداخلي، وتفعيل دبلوماسية عدم الانحياز المباشر.
إذ يمثل الإقليم، بموقعه الجغرافي الحساس، نسيجاً أمنياً وثقافياً يستلزم النأي بالنفس عن محاور الصراع الإقليمي والدولي، والحفاظ على موقع الحياد الناجع الذي يجعل منه بيئة آمنة ومركز استقطاب للاستقرار. وتواجه هذه الرؤية الاستراتيجية تحديات جسيمة فرزتها الهجمات الصاروخية وعمليات الطائرات المسيرة التي تستهدف بنية الإقليم وتحاول تقويض نموذجه التنموي بذرائع واهية، مما يجعل حماية الفضاء الجوي والأراضي الوطنية أولوية قصوى لا تقبل المساومة.
يظل الخطر العابر للحدود على الصعيد الميداني والمتمثل في بقايا تنظيم "داعش" الإرهابي أحد أبرز التهديدات الهيكلية للأمن القومي، حيث تظهر المعطيات الاستخبارية أن التنظيم لم ينته بشكل كامل، بل يستغل المنافذ والفراغات الأمنية الممتدة على طول خطوط التماس لإعادة تنظيم صفوفه وتنفيذ عمليات تستنزف الطاقات وتستهدف المقومات الحيوية.
ولردع هذا التهديد، تبرز ضرورة استراتيجية قصوى تتجاوز الحلول المؤقتة نحو بناء منظومة أمنية مشتركة ومستدامة بين القوات الاتحادية وقوات الإقليم، تقوم على زيادة عدد الألوية المشتركة وتغطية كل المناطق الهشة لمنع استغلالها استخبارياً أو لوجستياً.
وفي هذا الصدد، تنطلق رؤية الرئيس مسعود بارزاني في إدارة الملف الأمني والقومي من قواعد راسخة تؤكد على حرمة الأراضي الكوردستانية ورفض تحويل الإقليم إلى منطلق لتهديد أمن دول الجوار، مع التشديد المتواصل على حصر السلاح بيد الدولة واحتكار السلطة الشرعية تحت مظلة القانون.
وتركز هذه القيادة الاستراتيجية على أن قوات البيشمركة، بالتنسيق الكامل والوثيق مع القوات الاتحادية، تمتلك الجاهزية والجاهزية العالية لحفظ استقرار البلاد وصون مكتسبات الشعب الكوردستاني وتفادي القفز على حقوقه الدستورية، مع الاستناد المباشر إلى الاتفاقات الدستورية كضمانة حقيقية لحل الأزمات وتجنب الاقتتال والنزاعات.
ومن جانبه، يجسد السيد مسرور بارزاني، رئیس حكومة إقليم كوردستان هذه التوجهات من خلال منهجية مؤسسية قائمة على تحديث القطاعات الأمنية والعسكرية وتطوير آليات الحماية المجتمعية، بأسلوب يستوعب التحولات الناتجة عن إعادة هيكلة التواجد الدولي والاعتماد الذاتي المتزايد.
ویری السيد رئیس حكومة الإقليم أن الاستقرار الأمني لا ينفصل عن السلام الأهلي والترابط الاجتماعي وتأمين البنى التحتية الحيوية، مما يجعل التنسيق المستمر مع بغداد ورفع مستوى تبادل المعلومات العملياتية ركناً أساسياً في برنامجها الاستراتيجي الشامل لضمان أمن وطني متكامل ومستدام.
وفي إطار تعزيز الموقف التفاوضي الداخلي والمحافظة على الوحدة الوطنية، تعتمد المصلحة العليا للإقليم على بناء علاقات متينة ومتوازنة مع الحكومة الاتحادية في بغداد.
حيث تقتضي الحسابات السياسية والأمنية تعزيز أطر التعاون وتبادل المعلومات والعمليات الميدانية المشتركة، ولا سيما عقب التحولات الناتجة عن انسحاب قوات التحالف الدولي، مع جعل الدستور العراقي الدائم هو المرجعية القانونية والسياسية الحاكمة لحل التباينات وتثبيت الحقوق الدستورية.
ويأتي دعم التشكيلة الحكومية الاتحادية الجديدة وإسناد برنامجها الخدمي والأمني من منطق براغماتي يدرك أن قوة واستقرار بغداد تنعكس مباشرة على استقرار أربيل، وأن أي نجاح في العاصمة يسهم في بناء بيئة إقليمية أكثر أماناً وتكاملاً.
أما على مستوى السياسة الخارجية والروابط الإقليمية، فتنطلق الاستراتيجية العليا للإقليم من مبدأ الشفافية والمسؤولية المحددة في الاتفاقيات الإقليمية والتفاهمات الثنائية مع دول الجوار، حيث يحرص الإقليم على التمييز الواضح بين التفاهمات السياسية والسيادية التي يعاد رسمها على المستوى الاتحادي وتلك التي يشارك في صياغتها وتنفيذها بصورة مباشرة. ويؤكد هذا النهج الالتزام الكامل بالشرعية والقوانين الدولية، مع الامتناع عن أداء أي دور في مسارات تشاورية أو اتفاقات أمنية لم يكن طرفاً فاعلاً في هندستها، ضماناً لوضوح الموقف السيادي وصوناً للمنافع الاستراتيجية للإقليم على المدى البعيد.
في الختام، يتضح أن صمود إقليم كوردستان وحفظ مكتسباته الدستورية في ظل العواصف الجيوسياسية المتلاحقة لا يتأتيان إلا عبر معادلة متوازنة تجمع بين الحذر الإقليمي والتكامل الوطني.
فالتمسك بمبدأ الحياد وحماية الفضاء الجوي، بالتوازي مع بناء شراكة أمنية وسياسية وثيقة مع بغداد قائمة على المرجعية الدستورية، يمثل الجدار الواقي للنموذج التنموي للإقليم.
ويبقى استقرار كوردستان وقوة مؤسساته جزءاً لا يتجزأ من استقرار العراق ككل، مما يجعل من الالتزام بالدستور، وتوحيد الجهود لمواجهة التهديدات المشتركة كالإرهاب، السبيل الأمثل لضمان مستقبل آمن ومستدام للإقلیم والعراق والمنطقة برمتها.