الحكاية تعرفنا ولا نعرفنا (لا نعرف انفسنا) جيداً

الحكاية تعرفنا ولا نعرفنا (لا نعرف انفسنا) جيداً
الحكاية تعرفنا ولا نعرفنا (لا نعرف انفسنا) جيداً

يعبر رجل شارعًا في صباح مشمس، فيتذكر جملة قالها قبل عشرين عامًا لشخص لم يعد يستطيع الاعتذار إليه. لا شيء يتغير حوله؛ السيارات تواصل سيرها، وصاحب المخبز يخرج صوانيه، وامرأة تنادي طفلها عند الرصيف. وحده يشعر بأن الخطوة التالية أصبحت أثقل. كان قد ظن أن الحادثة انقضت، وأن ما عاشه بعدها يكفي لطيّها، فإذا بكلمة عابرة سمعها من غريب تعيد إليه وجهًا حاول طويلًا أن ينساه.

يمكننا أن نسمي ما يشعر به ندمًا، وأن نفسر صلته بالذاكرة والذنب والفقد. غير أن هذه المعرفة تترك شيئًا لا نلمسه إلا حين نرافقه: كيف يستمر يوم عادي في الخارج بينما يضطرب عمر كامل في الداخل؟ من هذه المسافة بين معرفة الشعور والإحساس بوطأته تبدأ إحدى مهمات الأدب.

قد نعرف أسباب حنيننا إلى شخص آذانا، ثم نجد أيدينا تمتد إلى الهاتف للاتصال به. نتراجع، ونضعه جانبًا، ونعود بعد دقائق إلى النظر في شاشته. ما الذي ننتظره ونحن نعرف أن المكالمة قد تعيد إلينا الألم نفسه؟ تمنح الحكاية هذا التردد مساحة نرى فيها ما لا يكشفه تفسيره وحده.

لعلنا نشتاق إلى أنفسنا يوم كنا معه، أو إلى وعد صدّقناه، أو إلى حياة ظننا أنها ستكتمل. وقد نفهم ذلك كله ونظل مشتاقين. فالوعي لا يجعل الإنسان سيدًا على مشاعره؛ أحيانًا يضاعف ألمه، لأنه يرى الطريق ولا يجد في نفسه القدرة على سلوكه. تستطيع الحكاية أن تبقى معه في هذه اللحظة، وأن تحتمل تردده دون أن تدفعه إلى خاتمة مريحة لم ينضج لها بعد.

ليست النفس خطًا مستقيمًا. يمكن أن نحب إنسانًا ونغضب منه، وأن نسعد بنجاحه ونشعر بوخزة الغيرة، وأن نختار الصواب ونحن نأسف لما فوّت علينا من منفعة. لا تبطل هذه المشاعر بعضها بعضًا، ولا تعفينا معرفتها من مسؤولية الاختيار. إنها تكشف مقدار المشقة التي قد تسبق فعلًا يبدو لمن يراه من الخارج سهلًا وبديهيًا. والأدب يعيد إلى الفعل تلك المشقة التي تختفي من صورته النهائية.

في الحكايات التي تبقى معنا، نعرف الإنسان من أشياء قد يهملها الحكم السريع: رسالة كتبها ولم يرسلها، ضحكة بالغ فيها ليخفي ارتباكه، يد ترددت قبل أن تطرق بابًا. تتجمع التفاصيل حتى تصبح للشخصية حياة تتجاوز الصفة التي ألصقناها بها أول الأمر. من حسبناه قاسيًا قد يخاف إظهار حاجته، ومن رأيناه كريمًا قد يطلب بكرمه اعترافًا لم ينله. تظل القسوة قسوة، ويبقى للعطاء أثره، لكننا نصبح أقل اطمئنانًا إلى قدرتنا على اختصار إنسان في صفة.

الرواية تخلع عنك رداء القاضي، وتلبسك رداء المتهم. تجعلك تسمع السؤال من الجهة التي يُوجَّه إليها، وتشعر بثقل الإجابة حين تكون حياتك كلها خلفها. وقد تجد في أعذار الشخصية شيئًا من أعذارك، وفي محاولتها إخفاء ضعفها حركة تعرفها جيدًا. ثم تعيدك إلى من وقع عليه الأذى، فتسمع رواية أخرى للحادثة نفسها. وربما كانت الجملة التي نسيها أحدهما سريعًا هي التي ظل الآخر يحملها سنوات.

في «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي، نرافق راسكولنيكوف الذي يقتل المرابية وأختها، وندخل معه في اضطرابه بعد الجريمة. نقترب من أفكاره وعزلته وعذابه، حتى يصبح حضوره في وعينا أوسع من الخبر الذي يمكن أن يوجز جريمته. لكن هذا القرب يضعنا أمام امتحان: هل يشغلنا ألمه حتى ننسى من قتلهما؟ في قراءتي، تنبع قوة التجربة من صعوبة الفصل بين معرفتنا بفداحة الفعل واستجابتنا لإنسان يتعذب أمامنا. نواصل القراءة، ونحن لا نستطيع تبرئته ولا الاكتفاء بإدانته ثم إغلاق الكتاب.

فالفهم لا يوجب المسامحة، ومعرفة الجرح لا تمنح صاحبه حق جرح الآخرين. قد نتأثر بوحدة شخصية مؤذية، ونعرف ما لحق بها من ظلم، ثم نظل نرفض ما فعلته بغيرها. ولعل من أصعب ما تتعلمه النفس أن ترى ألم الإنسان بوضوح، دون أن يغيب عنها الألم الذي أحدثه.

وتزداد المسألة تعقيدًا حين يكون المؤذي قادرًا على رواية قصته ببلاغة، بينما لا يملك المتضرر كلمات تدافع عنه. قد يأسرنا صوت الشخصية حتى نتبنى أعذارها من غير أن نشعر. نتذكر طفولتها القاسية، ونردد عباراتها، ونمر سريعًا على شخص ظهر في صفحات قليلة ليتلقى نتيجة أفعالها. هنا يجدر بنا أن نتوقف ماذا لو رُويت الحكاية من غرفته هو؟ ماذا سنرى مما غاب عنا، وأي عذر سيظل مقنعًا حين نسمعه من جوار من دفع ثمنه؟

لهذا لا أرى أن كل قراءة تجعلنا بالضرورة أكثر رحمة. نستطيع أن نفتش في الكتب عما يؤكد أحكامنا، وأن نحب الشخصيات التي تشبهنا ونغلق قلوبنا أمام سواها. وربما أغلق قارئ رواية تأثر فيها بوحدة بطلها، ثم ضاق باتصال قريب وحيد وأجّل الرد عليه. لا تنتقل رقة الشعور من الصفحة إلى الحياة تلقائيًا؛ تحتاج إلى فعل صغير قد يكون أشق من التأثر بمشهد طويل.

وقد تكون مواجهة الذات أشق من فهم الآخرين. يحدث أن نضيق بشخصية لأننا تعرفنا فيها إلى حيلة نستعملها: نسمّي خوفنا حكمة، أو نغلف رغبتنا في السيطرة بالحرص على من نحب. نراها تفتح رسالة ليست لها، ثم تبرر فعلتها بالقلق على صاحبها، فنستعيد مرة فعلنا فيها شيئًا مشابهًا ومررنا عليه دون مساءلة. عندئذ تصبح قراءة المشهد محرجة؛ نعرف التبرير ونكاد نسبق الشخصية إليه، لكننا نرى هذه المرة ما تركه فعلها في نفس الآخر.

ومع ذلك، لا تقيم الحكاية في العتمة وحدها. فيها أيضًا ما يستحق المحبة في حياة ناقصة: شخص يصل متأخرًا لكنه يصل، واعتذار مرتبك لا يصلح الماضي كله لكنه يوقف أذى جديدًا، وضحكة تفلت من بيت أثقله الحزن. نصدق هذه اللحظات لأننا نعرف حدودها. لن يعود الغائب بسبب ضحكة، ولن يسترد المجروح سنواته باعتذار، ومع ذلك قد يصبح المساء أهون، وقد يجد اثنان كلامًا يتبادلانه بعد صمت طويل.

قد ننسى أسماء الشخصيات وترتيب الوقائع، وتبقى فينا نبرة صوت أو حركة يد. وبعد زمن، حين يبدأ أحدهم بالحديث ثم يسكت، قد نمهله بدل أن نكمل الجملة عنه. وربما نتراجع عن كلمة جاهزة، لأن وجهًا قرأناه ذات يوم جعلنا نشك في سهولة وصف الناس. لا تصبح الحياة سهلة بذلك، لكننا نتعلم أن نترك للآخر وقتًا يقول فيه ما عنده، وألا نعدّ ما فهمناه منه كل ما فيه.

نعود إلى الرجل الذي يعبر الشارع. لا نعرف إن كان سيجد سبيلًا إلى إصلاح شيء، أو سيحمل ندمه بقية يومه ويصمت. وربما لا تمنحنا الحكاية نهاية تطمئننا عليه. لكنها تجعلنا نرى في بطء خطوته ما لم نكن نراه من قبل. وحين نصادف بعد ذلك عابرًا شاردًا يتأخر عند الإشارة، قد نمهله لحظة قبل أن نتبرم. فلعل صباحه يحمل ما لا يظهر على وجهه، ولعلنا نحن أيضًا عبرنا يومًا شارعًا مشمسًا بمثل ذلك الثقل.