الإقامة الطويلة والحق في الجنسية
معالجة قانونية وإنسانية للاجئين المدنيين الكورد في إقليم كوردستان
في ضوء مشروع النائبة هەلات برواري وخطوة وزارة الداخلية
توضيح مهم (يُقرأ أولاً):
يقتصر هذا المقال على اللاجئين المدنيين الكورد المقيمين في إقليم كوردستان العراق لمدة عشر سنوات أو أكثر، ولا يشمل بأي حال من الأحوال المسلحين، ولا عناصر الأحزاب أو التنظيمات الكوردية المسلحة في تركيا أو إيران، ولا المطلوبين للقضاء أو الأجهزة الأمنية، ولا من تمنعهم القوانين النافذة من التجنيس. كما لا يتضمن المقال أي موقف سياسي من تلك الأحزاب أو التنظيمات، بل يتناول فقط الجانب الإنساني والقانوني للأفراد المدنيين المستوفين لشروط التجنيس.
مقدمة: قضية عالقة تحتاج حلاً قانونياً
يعيش في إقليم كوردستان العراق أعداد كبيرة من اللاجئين المدنيين الكورد، بينهم من لجأوا هرباً من الصراعات في سوريا وتركيا وإيران، ومنهم من وُلدوا ونشأوا على أرض الإقليم دون أن يحصلوا على أي وثيقة جنسية. هؤلاء يعيشون منذ سنوات طويلة في وضع قانوني هش: لا هم مواطنون في العراق، ولا هم قادرون على العودة إلى أوطانهم الأصلية. وجودهم في الإقليم ليس مؤقتاً، لكن القانون لا يزال يتعامل معهم كزائرين عابرين. هنا تبرز أهمية مشروع النائبة الكوردية هةلات برواري، الذي يهدف إلى معالجة هذا الفراغ القانوني وفتح مسار واضح لحصول اللاجئين المدنيين الكورد على الجنسية العراقية عبر إقليم كوردستان، خاصة بعد قرار وزارة الداخلية العراقية تشكيل لجنة مختصة لمتابعة الملف ميدانياً.
أولاً: حجم المشكلة وطبيعتها
وفق بيانات حكومة إقليم كوردستان، هناك مئات الآلاف من النازحين واللاجئين المسجلين لدى السلطات المحلية. غير أن اللاجئين المدنيين الكورد تحديداً يواجهون مشكلة مزدوجة: فمن ناحية، لا يعترف بهم القانون العراقي النافذ كمواطنين، ومن ناحية أخرى، لا تستطيع حكومة الإقليم منحهم الجنسية من تلقاء نفسها، لأن الجنسية مسألة اتحادية تختص بها الحكومة المركزية في بغداد.
القانون العراقي الحالي، وتحديداً قانون الجنسية رقم 26 لسنة 2006 (المعدل)، يسمح لوزير الداخلية بقبول تجنيس غير العراقي عند توافر شروط معينة، من بينها الإقامة القانونية والمستمرة في العراق لمدة عشر سنوات قبل تقديم الطلب، إضافة إلى حسن السيرة والسلوك، ووسيلة كسب مشروعة، وسجل جنائي نظيف. لكن هذا المسار لا يعمل عملياً مع اللاجئين المدنيين الكورد، لأن كثيرين منهم لا يحملون وثائق إقامة سليمة، أو لأن ملفاتهم عالقة في إجراءات بيروقراطية معقدة. والنتيجة أنهم يبقون في وضع “انعدام جنسية” فعلي: لا يستطيعون التوظيف بشكل قانوني، ولا تملك عقاراً، ولا يستخرجون وثائق رسمية لأنفسهم أو لأطفالهم.
ثانياً: تفاصيل المشروع وخطوة وزارة الداخلية
مشروع النائبة هةلات سلمان برواري، ممثلة محافظة دهوك في مجلس النواب العراقي، يستهدف فئة محددة وواضحة: اللاجئون المدنيون الكورد السوريون، واللاجئون المدنيون الكورد الإيرانيون، واللاجئون المدنيون الكورد الأتراك الذين يقيمون في إقليم كوردستان العراق لمدة عشر سنوات أو أكثر. هؤلاء ليسوا وافدين جدداً، بل هم جزء من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للإقليم، وقد استوفوا شرط الإقامة الطويلة الذي يشترطه القانون العراقي نفسه.
الأهم من ذلك، أن وزير الداخلية العراقي قرر تشكيل لجنة رسمية لمتابعة هذا الموضوع. هذه اللجنة ستتولى زيارة إقليم كوردستان، وإعداد دراسة شاملة عن أوضاع اللاجئين المشمولين، ورفع قائمة بأسمائهم إلى وزارة الداخلية في بغداد لغرض منحهم الجنسية العراقية. هذه الخطوة تنقل الملف من دائرة المطالبات النظرية إلى دائرة الإجراءات العملية، وتضع الحكومة الاتحادية أمام مسؤولياتها الدستورية والقانونية، مع التأكيد على أن عمل اللجنة يجب أن يلتزم بالضوابط القانونية التي تستثني المسلحين وعناصر الأحزاب المسلحة والمطلوبين أمنياً وقضائياً.
ثالثاً: الأساس القانوني والدولي لمطلب التجنيس
المطلب الذي تتبناه النائبة برواري ليس ابتداعاً تشريعياً، بل يستند إلى أساس قانوني صلب. قانون الجنسية العراقية النافذ رقم 26 لسنة 2006 (المعدل) ينص في مادته السادسة على أن لوزير الداخلية أن يقبل تجنيس غير العراقي عند توافر شروط معينة، من بينها الإقامة القانونية والمستمرة في العراق لمدة عشر سنوات قبل تقديم الطلب. اللاجئون المدنيون الكورد المشمولون بالمشروع يستوفون هذا الشرط موضوعياً، لكنهم ظلوا خارج التطبيق العملي بسبب تعقيدات إدارية وثغرات في تنظيم أوضاعهم القانونية.
على الصعيد الدولي، الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951 تؤكد على أهمية تسهيل اندماج اللاجئين ومنحهم حقوقاً متزايدة مع طول مدة إقامتهم، بما في ذلك إمكانية التجنيس. كما أن مبدأ منح الجنسية لمن أقام في بلد آخر مدة طويلة واستوفى شروط التجنيس هو مبدأ معترف به في التشريعات المقارنة. ومن ثم، فإن مطالبة العراق بمنح الجنسية لهذه الفئة المدنية ليست تفضلاً، بل واجب قانوني وأخلاقي تجاه أشخاص أصبحوا فعلياً جزءاً من المجتمع الكوردستاني والعراقي، دون أن يشمل ذلك أي جهة مسلحة أو حزبية.
رابعاً: لماذا يجب دعم هذه المبادرة الآن؟
هناك ثلاثة أسباب تجعل الدعم العاجل لهذا المسار ضرورة:
1. إنهاء حالة انعدام الجنسية الفعلية: استمرار حرمان هؤلاء اللاجئين المدنيين من الجنسية يعني استمرار حرمانهم من التعليم الجامعي، والعمل القانوني، وامتلاك العقار، واستخراج الوثائق الرسمية لأنفسهم ولأطفالهم. هذا وضع لا يمكن تبريره في بلد يسعى إلى بناء دولة مواطنة.
2. وجود إرادة تنفيذية لأول مرة: تشكيل وزارة الداخلية لجنة لزيارة الإقليم ورفع قوائم بالأسماء هو تطور غير مسبوق. إذا لم يُستثمر هذا التطور بدفع سياسي وقانوني من النواب الكورد ومن الحكومة الإقليمية، فقد يتحول إلى مجرد إجراء روتيني آخر. ومن الضروري أن تعمل اللجنة بشفافية وأن تستثني بوضوح كل من لا تنطبق عليه شروط التجنيس القانونية، وخاصة المسلحين وعناصر الأحزاب المسلحة.
3. الاستقرار الاجتماعي والعدالة التشريعية: دمج هذه الفئة المدنية قانونياً يعزز الاستقرار في الإقليم ويمنع تهميشها أو استغلالها. كما أن المشروع لا يخلق حقاً جديداً، بل ييسّر الوصول إلى حق موجود أصلاً في قانون الجنسية العراقي، ويوحّد الإجراءات بدلاً من تركها اجتهادات إدارية متفرقة.
خامساً: ما المطلوب لدعم المبادرة؟
دعم مشروع النائبة هةلات برواري وقرار وزارة الداخلية يتطلب:
· تفاعلاً إيجابياً من حكومة إقليم كوردستان مع اللجنة الوزارية، وتسهيل زيارتها، وتقديم البيانات الدقيقة عن أعداد اللاجئين المدنيين المشمولين ومدد إقامتهم، مع فرز دقيق يستثني المسلحين وعناصر الأحزاب المسلحة والمطلوبين أمنياً وقضائياً.
· متابعة برلمانية من قبل لجنة العلاقات الخارجية ولجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب، لضمان أن توصيات اللجنة تترجم إلى قرارات تجنيس فعلية، ولضمان عدم توسيع التفسير ليشمل فئات غير مدنية.
· ضغطاً سياسياً كوردياً موحداً في بغداد، لأن الجنسية اختصاص اتحادي، ولا يمكن حلها إلا بقرار مركزي. مشروع النائبة برواري يجب أن يتحول إلى موقف جماعي للنواب الكورد، مع تأكيد الطابع المدني والإنساني للمشروع.
· تواصلاً مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لدعم المسار قانونياً وتقنياً، خاصة في توثيق حالات الإقامة الطويلة لللاجئين المدنيين.
خاتمة: لحظة مفصلية لا تحتمل التأجيل
اللاجئ الكورد المدني في إقليم كوردستان الذي أمضى عشر سنوات أو أكثر على هذه الأرض ليس غريباً. هو جار، وصديق، وزميل عمل، وأب أو أم لأطفال لا يعرفون وطناً آخر. مشروع النائبة هةلات برواري، مدعوماً بقرار وزارة الداخلية بتشكيل اللجنة المختصة، يمثل أفضل فرصة عملية لتصحيح مسار قانوني ظالم منذ عقود، دون أن يكون ذلك غطاءً لأي جهة مسلحة أو حزبية.
دعم هذا المشروع هو دعم لكرامة الإنسان، وللأساس القانوني الذي وضعه العراق بنفسه، وللاستقرار الاجتماعي في إقليم كوردستان. وعلى جميع القوى السياسية والمؤسسات الحقوقية أن تقف إلى جانبه، لأن قضية هؤلاء اللاجئين المدنيين ليست قضية هامشية، بل اختبار حقيقي لجدية الدولة في حماية جميع المقيمين على أرضها، ومنحهم الحقوق التي تفرضها القوانين الوطنية والمواثيق الدولية.
توضيح ختامي (يُقرأ مع المقدمة):
يؤكد هذا المقال مرة أخرى أن الدعوة موجهة حصراً إلى اللاجئين المدنيين الكورد، ولا تشمل المسلحين، ولا عناصر الأحزاب أو التنظيمات الكوردية المسلحة في تركيا أو إيران، ولا المطلوبين للقضاء أو الأجهزة الأمنية، ولا من تمنعهم القوانين النافذة من التجنيس. وهو موقف إنساني وقانوني محض، لا يحمل أي تفسير سياسي أو حزبي.