صادق سيريني
كاتب كوردي
"كوردستان 24" في ذكراها الحادية عشرة.. مسيرة الإنجاز ورهانات المستقبل من ريادة الحضور إلى صناعة التأثير العالمي
تجديد الرسالة الإعلامية ومسؤوليات المرحلة المقبلة
قبل أحد عشر عاما، وفي منعطف تاريخي بالغ الحساسية، كانت المنطقة تعيش على وقع تحولات عاصفة وتحديات مصيرية، أبصرت مؤسسة "كوردستان 24" النور، لتغدو منبرا إعلاميا كوردستانيا، وجسرا يصل الحقيقة بمجريات الأحداث، وينقل صوت كوردستان إلى فضاءات أوسع. وعلى امتداد مسيرتها الحافلة، استطاعت هذه المؤسسة، بما امتلكته من روح وطنية وثّابة وحضور ميداني فاعل، أن تنهض بدور إعلامي بارز في مواكبة الأحداث المفصلية، والدفاع عن الهوية القومية والفكرية، وإيصال الصوت الكوردستاني إلى الرأي العام، سيما في محطات تاريخية فارقة، من قبيل ملحمَتَي "پردێ" و"سحێلا".
وقد أتيحت لي، في عام 2022، فرصة زيارة مقر مؤسسة "كوردستان 24"، والاطلاع ميدانيا على بيئة عملها، والتجول بين أروقتها وقاعاتها وغرف أخبارها. وقد لمست عن قرب، منذ اللحظات الأولى، ملامح مؤسسة تمتلك مقومات العمل الإعلامي الاحترافي، وتضم طاقما متمرسا، رفيع الخُلُق، يتحلى بروح المسؤولية، ويعكس في أدائه وسلوكه مستوى متقدما من المهنية والالتزام. وكانت تلك الزيارة فرصة للوقوف على جانب من التجربة المؤسسية التي تقف وراء هذا الحضور الإعلامي، وتؤكد أن تميز المؤسسة لا يُختزل في منصاتها ومنجزاتها المرئية فحسب، بل يمتد إلى كفاءة كوادرها وثقافة العمل التي تسند رسالتها.
وإذا كانت السنوات الإحدى عشرة الماضية قد أرست للمؤسسة حضورا ومكانة في المشهد الإعلامي، فإن المرحلة المقبلة تضعها أمام استحقاق أكثر اتساعا وعمقا؛ استحقاق الانتقال من مجرد الحضور الإعلامي إلى صناعة التأثير، ومن نقل الأحداث إلى تفسيرها، ومن مخاطبة الجمهور المحلي إلى امتلاك خطاب قادر على الوصول إلى دوائر الرأي العام ومراكز التأثير وصناعة القرار على المستوى الدولي.
إن بلوغ هذه المرتبة لا يتحقق بمجرد اتساع الانتشار أو تعدد المنصات، بل يستلزم استدامة التجديد، وتطوير الأدوات، والتمسك بالمعايير المهنية والأخلاقية للعمل الإعلامي الحديث. ومن هذا المنطلق، نضع بين يدي هذه المؤسسة جملة من المرتكزات الاستراتيجية والفكرية التي نرى أنها جديرة بأن تشكل إطارا لتطوير أدائها، وتعزيز مكانتها، وفتح آفاق أرحب أمام رسالتها الإعلامية.
أولا: المصداقية وصون الحقيقة؛ رأس المال الأثمن والركيزة الأرسخ للريادة الإعلامية
في عالم إعلامي تتسارع فيه الأخبار، وتتعدد فيه مصادر المعلومات، وتتداخل فيه الحقائق بالشائعات والتأويلات، لم تعد قيمة المؤسسة الإعلامية تقاس بسرعة بثها أو اتساع انتشارها فحسب، بل بمدى ما تتمتع به من مصداقية، وما تكتسبه من ثقة جمهورها ومتابعيها.
فالمصداقية ليست شعارا مهنيا يُرفع، ولا التزاما شكليا بنقل الوقائع، وإنما هي منظومة متكاملة قوامها الصدق، والتحقق، ودقة المعلومات، ونزاهة التناول، والمسؤولية في نقل الخبر وتحليله. وهي، قبل كل شيء، رأس المال المعنوي الذي تتأسس عليه استمرارية المؤسسة، وتتحدد به مكانتها في الوعي العام.
إن الثقة لا تُبنى بكثرة الأخبار، بل بصحتها؛ ولا تصان بارتفاع الصوت، بل بسلامة المعلومة وقوة الدليل. وما من خسارة أشد وطأة على مؤسسة إعلامية من أن يتصدع جسر الثقة بينها وبين جمهورها؛ إذ تفقد عندئذ الشاشة بريقها، والصوت تأثيره، والرسالة قدرتها على الإقناع.
ومن هنا، فإن تحرّي الدقة في المصادر، والتحقق من المعلومات قبل نشرها، والتمييز بين الخبر والرأي، والابتعاد عن الأخبار المضللة والاستنتاجات المتعجلة، ينبغي أن تظل ثوابت راسخة في النهج التحريري للمؤسسة. فالمصداقية ليست مجرد شرط للنجاح، بل هي أساس البقاء، والضمانة الحقيقية لاستدامة الريادة الإعلامية محليا ودوليا.
ثانيا: سلامة العرض ورجاحة الرؤية؛ منطق الإقناع في تناول القضايا والأحداث
لا تكمن قوة الإعلام الوطني في امتلاك القضية وحدها، بل في قدرته على عرضها عرضا سليما، وتقديمها إلى الآخرين بلغة مفهومة، وحجج متماسكة، وأدلة موثوقة، ورؤية تستوعب أبعادها التاريخية والسياسية والقانونية.
فالعرض الإعلامي الرصين ليس مجرد سرد للوقائع أو استعراض للمواقف، وإنما هو بناء متكامل للقضية، يبدأ بتحديد حقائقها، ويمر بتفسير سياقاتها، وينتهي بإبراز أبعادها ومرتكزاتها المشروعة. وكلما كان هذا العرض أكثر دقة واتزانا، ازدادت قدرته على الإقناع، وتعززت فرص وصول القضية إلى دوائر التأثير الإقليمي والدولي.
إن الإعلام الوطني لا يكتسب ثقله في المعادلات الدولية بمجرد ارتفاع نبرة خطابه أو شدة انفعاله، وإنما بقدرته على الجمع بين وضوح الموقف، وقوة الحجة، وواقعية التحليل، واحترام المعايير المهنية. فالقضية العادلة تحتاج، إلى جانب مشروعيتها، إلى خطاب يحسن تقديمها، ويمتلك أدوات الدفاع عنها، ويخاطب العقول قبل العواطف.
ومن هذا المنظور، فإن سلامة عرض القضايا الكوردستانية، وإسنادها بالوثائق والوقائع والمعطيات التاريخية والقانونية، وتقديمها ضمن سياقاتها السياسية والإنسانية، من شأنها أن تعزز حضورها في الوعي الدولي، وأن ترفد الخطاب الإعلامي الكوردستاني بقدرة أكبر على الإقناع والتأثير، ومواجهة السرديات والأطروحات والتفسيرات المقابلة بالحجة والبرهان.
ثالثا: من السرد المحلي إلى صناعة الخطاب العالمي المؤثر
إن الانتقال إلى مصاف المؤسسات الإعلامية العالمية لا يتحقق بمجرد ترجمة الأخبار أو توسيع نطاق البث، بل يتطلب تحولا في فلسفة العمل الإعلامي ذاتها؛ من الاكتفاء بسرد الحدث إلى تفكيك أسبابه، واستشراف مآلاته، وقراءة انعكاساته، والمشاركة في تشكيل النقاش العام حوله.
وهذا التحول يستدعي تطويرا متكاملا للأدوات التحريرية والفنية، بما يشمل جودة الإنتاج، ومعايير التصوير والمونتاج، وعمق التحقيقات والتقارير، وكفاءة المراسلين، ومستوى التحليل السياسي والاستراتيجي، فضلا عن استقطاب الخبرات الأكاديمية والتخصصية القادرة على تقديم قراءات علمية رصينة للأحداث والتحولات.
كما أن تعدد اللغات الحية، وفي مقدمتها اللغات ذات الحضور الدولي الواسع، ينبغي أن يكون جزءا أصيلا من هذه الاستراتيجية؛ لأن مخاطبة العالم بلغاته، وفهم سياقاته الثقافية والسياسية، يفتحان أمام المؤسسة آفاقا أوسع للانتشار والتأثير.
والأهم من ذلك كله، أن تتحول المؤسسة من ناقل للخبر إلى منتج للمعرفة الإعلامية، ومن متابع للتحولات إلى قارئ لاتجاهاتها، ومن مجرد حاضر في المشهد إلى طرف فاعل في تشكيل النقاشات المتعلقة بالقضايا الكوردستانية والإقليمية والدولية.
فالتأثير في الرأي العام العالمي لا يتحقق بمجرد إيصال الرسالة الإعلامية، بل بمدى وضوح مضمونها، وقوة حجتها، وعمق تحليلها، وقدرتها على مخاطبة العقل العالمي بلغته وأدواته واهتماماته.
رابعا: التوازن بين المسؤولية الوطنية والمعايير المهنية؛ معادلة الهوية والاحتراف
تواجه المؤسسات الإعلامية الوطنية معادلة دقيقة، تتمثل في كيفية الحفاظ على هويتها ورسالتها الوطنية، مع الالتزام في الوقت ذاته بأعلى معايير المهنية والموضوعية والإنصاف.
ولا يعني هذا التوازن التخلي عن الانتماء الوطني أو الوقوف على مسافة واحدة من الحق والباطل، كما لا يعني أن تتحول المسؤولية الوطنية إلى مبرر للتجاوز على الحقيقة أو إغفال الوقائع. بل إن جوهر المعادلة يكمن في أن يكون الانتماء الوطني حافزا لمزيد من المسؤولية، وأن تكون المهنية ضمانة لسلامة التعبير عن هذا الانتماء.
فالإعلام الوطني الناضج هو الذي يعبر عن قضايا شعبه وهويته وتطلعاته، ويدافع عن حقوقه ومصالحه المشروعة، دون أن يتخلى عن الدقة والموضوعية، أو يقع في أسر الخطاب الانفعالي والأحكام المسبقة. وهو الذي يستطيع أن يخاطب جمهوره الوطني بصدق ووعي، وأن يخاطب الرأي العام العالمي بلغة مهنية رصينة، وحجج قابلة للفهم والتحقق والإقناع.
إن الجمع بين النبض الوطني الأصيل والمعايير العالمية للاحتراف لا يمثل تناقضا، بل يشكل أحد أهم مصادر القوة الناعمة للمؤسسة الإعلامية؛ إذ يمنحها القدرة على صون هويتها، وتوسيع دائرة تأثيرها، وتقديم خطاب وطني يحظى باحترام الآخرين بقدر ما يمتلك من وضوح في الرؤية والرسالة.
ختاما: من ذاكرة الإنجاز إلى أفق الريادة المتجددة
إن مؤسسة "كوردستان 24"، وهي تحتفي بذكراها الحادية عشرة، لا تستحضر مجرد سنوات مضت من العمل الإعلامي، بل تقف أمام حصيلة تجربة ومسؤولية ورسالة، وما تفرضه المرحلة المقبلة من استحقاقات وتحديات.
فالمؤسسات الإعلامية الكبرى لا تقاس بماضيها وحده، مهما كان حافلا بالإنجازات، وإنما بقدرتها على تجديد ذاتها، وتطوير أدواتها، ومواكبة التحولات، وصناعة حضور يتجاوز حدود المكان إلى فضاء التأثير العالمي.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي أمام "كوردستان 24" ليس الحفاظ على ما حققته فحسب، بل البناء عليه، والانتقال به إلى مرحلة أكثر نضجا واتساعا؛ مرحلة تتكامل فيها المصداقية مع المهنية، والهوية الوطنية مع الانفتاح العالمي، وقوة الحضور مع عمق التأثير.
وبهذه المناسبة، أتقدم بأحر التهاني وأصدق التبريكات إلى مؤسسة "كوردستان 24"، وإلى إدارتها وكوادرها الصحفية والفنية والإدارية، بمناسبة ذكراها الحادية عشرة، متمنيا لها دوام التوفيق والتألق، ومزيدا من التطور والريادة في ميادين الإعلام المسؤول والاحترافي.
فكل عام وكوردستان 24 أكثر رسوخا في خدمة الحقيقة، وأوسع حضورا في فضاء الإعلام العالمي، وأقدر على تحويل رسالتها الوطنية إلى خطاب مؤثر، يتجاوز حدود الجغرافيا ويبلغ آفاق التأثير والاعتراف.