برلمان كوردستان  انتصار المؤسسة بعد سنتين من التعطيل والمماطلة.

برلمان كوردستان  انتصار المؤسسة بعد سنتين من التعطيل والمماطلة.
برلمان كوردستان  انتصار المؤسسة بعد سنتين من التعطيل والمماطلة.

بعد أكثر من عامين من الشلل التشريعي والفراغ السياسي، استأنف برلمان كوردستان عمله بانتخاب هيئته الرئاسية في جلسة حضرها 52 نائباً، في خطوة لا تُقرأ كحدث بروتوكولي عابر، بل كتتويج لمسار سياسي معقّد، وكسرٍ لجمود فرضته حسابات حزبية وتأثيرات خارجية وأجندات إقليمية.

جلسة الـ52 نائباً: كسر النصاب واستعادة الشرعية

عقد البرلمان جلسته الافتتاحية للدورة السادسة بعد أن ظل معطلاً منذ أداء النواب اليمين الدستورية في كانون الأول (ديسمبر) 2024، وبعد فشل محاولة سابقة في كانون الثاني (يناير) 2025 بحضور 26 نائباً فقط. هذه المرة تحقق النصاب القانوني (51 نائباً) بحضور 52 نائباً، وتم انتخاب فالا فريد رئيسةً للبرلمان، ورامي نوري نائباً للرئيس، ومنى نبي قهوجي سكرتيرةً للهيئة الرئاسية، بحصول كل منصب على 52 صوتاً.

شكّل حضور 39 نائباً من الحزب الديمقراطي الكوردستاني، إلى جانب نواب الكوتا التركمانية والمسيحية وبعض المستقلين، الرقم الذي مكّن الجلسة من الانعقاد، في مقابل مقاطعة الاتحاد الوطني الكوردستاني وحركة الجيل الجديد وكتل أخرى. وبذلك انتقل البرلمان من مؤسسة معطّلة إلى منصة مفتوحة، وإن ظل السؤال السياسي الأكبر معلقاً: هل تكفي هذه الجلسة لإنهاء الأزمة، أم أنها مجرد خطوة أولى في طريق طويل؟

الاتحاد الوطني: مقاطعة تعمّق الانقسام

لم يكن تعطيل البرلمان وتشكيل الحكومة وليد اللحظة، بل نتيجة انسداد سياسي عميق. فرغم فوز الحزب الديمقراطي الكوردستاني في الانتخابات بـ39 مقعداً، مقابل 23 مقعداً للاتحاد الوطني، ظل تشكيل الحكومة الجديدة رهينة مطالب الاتحاد الوطني التي تحدثت مصادر سياسية عن وصولها إلى نحو 50% من المناصب الوزارية والرئاسات، وهو ما اعتُبر متعارضاً مع حجمه الانتخابي.

ومع أن رئيس الاتحاد الوطني بافل طالباني أعلن في تشرين الأول (أكتوبر) 2026 استعداده لتشكيل الحكومة خلال 24 ساعة، مؤكداً عدم رغبة حزبه في إدارة الإقليم من دون الديمقراطي الكوردستاني، فإن مقاطعة حزبه لجلسة البرلمان ووصفها بـ«غير القانونية» يعكس استمرار حالة الانقسام. وهذا الدور السلبي—سواء بالمقاطعة أو بتعليق تشكيل الحكومة على مطالب maximalية—أدى إلى إطالة الفراغ السياسي، وأضعف موقع الإقليم في مواجهة الضغوط الخارجية.

التأثيرات الخارجية: بين الضغط الأمريكي والحسابات الإقليمية

لعبت الأجندات الإقليمية والدولية دوراً محورياً في تعقيد المشهد. فقد كشفت مصادر سياسية أن مبعوث الرئيس الأمريكي توم باراك مارس ضغوطاً مباشرة على قادة الحزبين الكورديين خلال زيارته للإقليم في حزيران (يونيو) 2026، طالباً الإسراع بتشكيل الحكومة وتفعيل البرلمان، وعارضاً وساطة واشنطن لتقديم تنازلات. ويأتي هذا الضغط في إطار شروط أوسع تتعلق بالترتيبات السياسية في بغداد وتشكيل الحكومة الاتحادية.


دور بارزاني: ضغط داخلي لكسر الجمود

في سياق كسر الجمود، برز دور الرئيس مسعود بارزاني كعامل داخلي ضاغط نحو إنهاء المقاطعة، من خلال دعوته النواب إلى تحمّل مسؤولياتهم الدستورية وتفعيل البرلمان كخطوة أولى نحو حكومة ائتلافية وطنية عريضة. هذا الدور لم يكن بديلاً عن التسويات الحزبية، لكنه أسهم في منع استمرار تعطيل المؤسسة التشريعية وجعل استئناف الجلسة ممكناً، دون أن يلغي حقيقة أن الأزمة أعمق من مجرد عقد جلسة أو انتخاب هيئة رئاسية.

برلمان كوردستان: ثمرة مئة عام من النضال

في العمق التاريخي، يمثل برلمان كوردستان تتويجاً لمسار نضالي طويل. فبعد انتفاضة عام 1991، جرت أول انتخابات برلمانية حرة في 19 أيار (مايو) 1992، ليشكّل البرلمان أول مؤسسة تشريعية منتخبة في تاريخ الكورد الحديث. ورغم ما رافق التجربة من إخفاقات وحروب داخلية، ظل البرلمان رمزاً لخيار الشعب الكوردي في بناء مؤسساته الدستورية بديلاً عن العنف. ومن هنا، فإن استئنافه اليوم ليس مجرد إجراء قانوني، بل عودة لصوت الشعب إلى قاعة كان يجب ألا تُغلق أساساً.

الخلاصة: انتصار للمؤسسة لا لحزب واحد

استئناف برلمان كوردستان وانتخاب هيئته الرئاسية ليس انتصاراً حزبياً ضيقاً، بل هو انتصار للمؤسسة التشريعية ولإقليم كوردستان وشعبه. فبعد سنتين من الانتظار، أثبت البرلمان أن الإرادة السياسية قادرة على كسر الجمود عندما تتوفر الظروف الداخلية والخارجية. لكن استمرار مقاطعة الاتحاد الوطني وبعض الكتل، وارتباط الملف الحكومي بأجندات إقليمية ودولية، يعني أن الطريق نحو حكومة كوردستانية فاعلة لا يزال طويلاً. والدرس الأهم أن المؤسسة البرلمانية يجب أن تبقى فوق الحسابات الحزبية الضيقة، لأنها الضامن الحقيقي لشرعية أي سلطة قادمة.