برلمان كوردستان: عندما يصبح الغياب سلاحاً ضد الديمقراطية

برلمان كوردستان: عندما يصبح الغياب سلاحاً ضد الديمقراطية
برلمان كوردستان: عندما يصبح الغياب سلاحاً ضد الديمقراطية

مقدمة: أزمة الروح لا أزمة الأرقام

ليس في السياسة ما هو أخطر من مؤسسة تُبنى على وعد، ثم تُهجر قبل أن تفي به. فالبرلمان في جوهره ليس قاعةً ولا مقاعد ولا جدول أعمال؛ هو عقد اجتماعي مصغّر بين جماعة قررت أن تحكم نفسها بنفسها، بدل أن تُحكَم بالسيف أو بالمزاج. وحين يتغيّب النائب عن الجلسة، فإنه لا يتخلف عن موعد إداري، بل يتخلف عن تنفيذ ذلك العقد.

وهنا مكمن الخطورة في إقليم كوردستان: التغيّب لم يعد إخلالاً فردياً، بل صار لغةً سياسية تُكتب بها الرسائل بين الخصوم، وسلاحاً يُشهره من لا يملك الأصوات في وجه من يملكها. فبعد توقف دام قرابة عامين، عاد البرلمان ليجتمع بحضور 52 نائباً فقط، بينما قاطعت كتل أساسية كالاتحاد الوطني الكوردستاني وحزب الجيل الجديد وأحزاب المعارضة الأخرى الجلسةَ. والسؤال ليس: "من غاب؟"، بل: بأي حق يُعطّل الغائب ما قرّره الحاضرون؟

هذا المقال ليس ضد من غاب مرة، ولا ضد من اعتذر بعذر، ولا ضد من مرض أو كُلّف بمهمة. هذا المقال ضد من يقرر، وهو في بيته، ألا يحضر، ثم ينتظر أن يُدفع له مقابل هذا القرار. فالديمقراطية ليست ضماناً لأجر من لا يعمل، بل ضمانة لأن يحكم العاملون.

أولاً: الغياب كـ"فيتو" مبطّن

في الأنظمة الديمقراطية الصحيحة، يتحقق الفيتو بأدوات محددة ومعروفة: حق الاعتراض الدستوري، الطعن أمام المحاكم، التصويت الرافض. لكن في تجربة برلمان كوردستان، ابتُكر نوع مختلف من الفيتو: الغياب الجماعي المنظّم.

حين تقرر كتلة أن تُقاطع جلسات برلمانية بحجة الاحتجاج السياسي، فهي في الحقيقة لا تمارس حقاً ديمقراطياً، بل تُحوّل غيابها إلى أداة ضغط. وهذا ما يجعل الأمر مزدوج الخطورة: أولاً، لأن الغائب يُعطّل من دون أن يتحمل مسؤولية التعطيل أمام ناخبيه، وثانياً، لأن الكاميرات ومنصات التواصل تُروّج لهذا الغياب باعتباره "موقفاً شجاعاً"، بينما هو في جوهره هروب من الملعب.

والأخطر من ذلك: أن بعض هؤلاء النواب يُظهرون وجوههم أمام الكاميرات في مؤتمرات وندوات وبرامج تلفزيونية، لكنهم لا يُظهرونها حيث يجب: في قاعة البرلمان، أمام الملف، أمام التصويت، أمام السجل الرسمي الذي سيحفظه التاريخ.

ثانياً: الغياب القسري — حين يصبح الحزب سجّاناً لا قائداً

ما كشفته أحداث الأيام الأخيرة في أحزاب وكتل كـ"هەلويست -الموقف " والاتحاد الوطني الكوردستاني وحزب الجيل الجديد يكشف وجهاً أشد خطورة من مجرد تغيّب طوعي: بعض النواب يريدون الحضور، لكنهم يُمنعون منه بقرار حزبي فوقي. كل من تجرّأ وحضر طُرد من حزبه فوراً، كما جرى في " هەلويست -الموقف " والاتحاد الوطني. أما حزب الجيل الجديد فذهب إلى أبعد من ذلك: احتُجز عدد من نوابه في السليمانية وحيل بينهم وبين السفر إلى أربيل خشية أن يحضروا جلسات البرلمان. 

والأخطر من ذلك: ما كشفته التقارير من أن اللجوء إلى أسلوب لا علاقة له بالسياسة البتة، توعّد النواب الذين شاركوا في آخر جلسة برلمانية بمنعهم من العودة إلى السليمانية، واحتُجز ذوو بعضهم وأقاربهم ووُجّهت إليهم تهديدات مباشرة.

النائب حين يُنتخب، تفويضه من الشعب لا من الحزب. الحزب وسيلة وصوله إلى المقعد، لكنه ليس مالك القرار بعد الانتخاب. حين يمنع الحزب نائبه من تمثيل دائرته الانتخابية تحت طائلة الطرد أو الاحتجاز، فهو يرتكب ثلاث جرائم في آنٍ واحد:

جريمة بحق الناخب: الذي منح صوته لشخص، لا لآلة حزبية.

جريمة بحق المؤسسة البرلمانية: بتحويلها إلى ساحة ضغط وليس تشريع.

جريمة بحق الديمقراطية: بتحويل المقاطعة من موقف فردي إلى سلاح جماعي قسري.

الديمقراطية التي تُعاقب النائب لأنه ذهب ليمثّل ناخبيه ليست ديمقراطية — هي ديكتاتورية حزبية بورقة اقتراع.

ثالثاً: الغياب لا يوقف البرلمان — بل يُخرج الغائب من المعادلة

حقيقة سياسية صريحة يجب أن يفهمها كل من يفكر في مقاطعة الجلسات: المقاطعة لا توقف البرلمان، بل توقف دورك أنت فيه.

النصاب القانوني مكتمل بـ52 نائباً حاضراً. البرلمان يعقد جلساته، يناقش، يُصوّت، يُشرّع — بصرف النظر عن غيابك. أنت لم تُوقف شيئاً، أنت فقط أخرجت نفسك من المعادلة.

داخل البرلمان يستطيع النائب المعارض أن يرفع صوته، أن يُصوّت ضد القانون، أن يُسجّل اعتراضه في محضر الجلسة الرسمي، أن يطرح تعديلات، أن يستجوب الوزراء، أن يُوثّق موقفه أمام التاريخ وأمام ناخبيه.

خارج البرلمان لا يملك النائب الغائب سوى التصريح الإعلامي الذي يُنسى غداً.

القانون الذي تعارضه سيُشرَّع بدونك. الميزانية التي تنتقدها ستُقرّ بدونك. التعيينات التي تعترض عليها ستمر بدونك. كل شيء سيحدث بدونك — والفرق الوحيد هو أن صوتك لن يكون فيه. الحاضرون هم الأغلبية، وهم من يُشرّعون.

المعارضة الحقيقية لا تُبنى خارج القاعة، بل داخلها: بالحجة، بالاستجواب، بالتصويت المُعلَن، بالتسجيل في محضر الجلسة.

رابعاً: الأغلبية ليست استبداداً، والتوافق ليس بديلاً عن الانتخابات

واحدة من أكثر الحجج شيوعاً في مقاطعة البرلمان تقول: "لا توافق، إذن لا حضور." وهذه مغالطة خطيرة يجب تفكيكها.

الديمقراطية لم تُبنَ على التوافق، بل على التعددية والأغلبية. الأغلبية التي انتُخبت بشكل قانوني تملك حق التشريع، ومهمة الأقلية ليست تعطيل هذا الحق، بل ممارسة حق المعارضة داخل المؤسسة: بالاعتراض، بالطعن، بالانتظار حتى الانتخابات القادمة لإقناع الناخبين. أما من يعتقد أن الأغلبية خاطئة ومع ذلك يغيب، فهو لا يصحح الأغلبية — هو يتركها تعمل وحدها، وهو ما تريده هي.

خامساً: التمثيل أمانة، والحضور خدمة للوطن لا راتباً

يملك كل نائب الحق في الحضور والصراخ وتسجيل اعتراضه في المحاضر الرسمية — هذا ليس امتيازاً، بل واجب دستوري. النائب يحضر لأنه وكيل. الناخب أعطاه صوته لا ليجلس في بيته ويُعلّق على مواقع التواصل، بل ليمثله داخل القاعة.

النائب الذي يتغيّب — طوعاً أو بأمر حزبه — يقول بفعله: "أنا أعرف مصلحتك أكثر منك، وقررت ألا أمثلك اليوم." وهذا ليس موقفاً سياسياً — هذا استبداد ناعم بالوكالة.

سادساً: راتبك التقاعدي أمانة… لا مكافأة على الغياب

الراتب التقاعدي في أي منظومة عادلة هو تعويض عن عمل أُنجز، وخدمة قُدِّمت، وتضحية بُذلت. لكن حين يُقرَّر أن التقاعد "حق تلقائي" لمجرد الانتساب إلى المقعد البرلماني بصرف النظر عن الحضور والإنجاز، فهذا يعني شيئاً واحداً: المؤسسة تُكافئ الانتساب لا الأداء.

المشكلة ذات أربعة وجوه:

قانونياً: لا يوجد نص صريح يربط الاستحقاق التقاعدي بمعدلات الحضور، مما يجعل المنظومة الحالية مكافأة على التغيب المنظّم قانوناً.

أخلاقياً: النائب الذي غاب 60% من الجلسات — طوعاً أو بأمر حزبه — يحمل أمانة أُعطيت له بالانتخاب، وخيانة هذه الأمانة لا يصحح منها راتب بعد الخروج.

إنسانياً: المواطن الذي انتخب هذا النائب دفع من جيبه ضرائبه ليُموّل مقعده ثم تقاعده، وهو لا يعرف كم مرة حضر ممثله.

اقتصادياً: مع تراكم أجيال من البرلمانيين المتقاعدين — قد يتجاوز عددهم ألف شخص إذا احتسبنا الدورات المتعاقبة — يصبح هذا عبئاً ثقيلاً على خزينة إقليم يعاني أصلاً من ضائقة مالية حادة.

سابعاً: الدروس من أستراليا وأوروبا — حين يكون الغياب مكلفاً

في أستراليا، النائب الغائب دون عذر يواجه خصماً مباشراً من راتبه، ونظام التقاعد البرلماني مرتبط بمعدل الحضور الفعلي. في ألمانيا، آلية الخصم دقيقة ومتدرجة وتُنشر علناً. في الدول الإسكندنافية، الغياب المتكرر يُعامَل باعتباره تهاوناً مهنياً يستوجب المراجعة الحزبية. في المملكة المتحدة والسويد، نواب خسروا دعمهم الحزبي وترشيحاتهم بسبب سجلات حضور ضعيفة.

ما يميز هذه الديمقراطيات: النائب فيها موظف عام لدى ناخبيه، ويُحاسَب بالمعيار ذاته الذي يُحاسَب به أي موظف آخر.

ثامناً: الفرصة سانحة الآن — مقترح إلى اللجنة القانونية

استئناف جلسات البرلمان فرصة تاريخية لإغلاق ملف ظل مفتوحاً لسنوات. نقترح على اللجنة القانونية النظر في:

قانون الحضور والمساءلة: الغياب بلا عذر مشروع أربع مرات متتالية يُعرّض النائب للتحقيق البرلماني الرسمي. خصم متدرج من الراتب الشهري بدءاً من التحذير وصولاً إلى 30% عند التجاوز المتكرر. نشر سجلات الحضور شهرياً بأسماء النواب وكتلهم — المعلومة ملك الناخب.

حماية النائب من الإكراه الحزبي: تشريع صريح يحظر على أي حزب معاقبة نائبه المنتخب بالطرد أو بأي وسيلة ضغط بسبب حضوره جلسات البرلمان. كل قرار حزبي يُثبت أنه صدر لمنع نائب من تأدية واجبه الدستوري يُعدّ باطلاً قانونياً.

سحب العضوية والإحلال بالأجدر: النائب الذي تثبت مخالفته الجسيمة لاشتراطات الحضور تُسحب منه عضويته البرلمانية نهائياً. يُحال مقعده إلى المرشح الذي حصل على أعلى الأصوات في الدائرة ذاتها ممن لم ينل مقعداً — بصرف النظر عن انتمائه الحزبي. المقعد مُنح بالتصويت الشعبي، فحين يُهدَر يعود إلى من كان الشعب سيمنحه إياه.

إصلاح منظومة التقاعد: ربط الراتب التقاعدي بنسبة الحضور الإجمالية × معامل الإنجاز التشريعي الموثّق. من لم تتجاوز نسبة حضوره 50% خلال دورته لا يستحق تقاعداً كاملاً. إلغاء مبدأ "التقاعد التلقائي" بمجرد انقضاء المدة.

خاتمة: الديمقراطية ليست لعبة ترف

البرلمان الذي عاد ليجتمع بعد توقف عامين أمامه اختيار مصيري: إما أن يُصلح منظومته الداخلية ويُرسي معايير حقيقية للمساءلة، وإما أن يعود إلى الحلقة ذاتها — نائب يتغيب، وحزب يُكرهه، وراتب يجري، وناخب يصمت أو يُهاجر.

لمن يعتقد أن المقاطعة موقف: موقفك الحقيقي هو ما يُسجَّل في محاضر الجلسات، لا ما يُقال في الكاميرات. ادخل، اعترض، صوّت ضد، وابقَ شاهداً.

لمن يعتقد أن أمر حزبه يعلو على تفويض ناخبيه: الحزب وصلة، لا قيد. الديمقراطية التي تُعاقب النائب لأنه ذهب ليمثّل ناخبيه ليست ديمقراطية — هي ديكتاتورية بورقة اقتراع.

لمن يعتقد أن الراتب التقاعدي حق مكتسب: الحق يُكتسب بالعمل والحضور والأثر، لا بالانتساب والغياب.

البرلمان هو المرآة التي ينظر فيها الشعب إلى نفسه. إذا رأى فيها نواباً شبحيين يقبضون بلا حضور، وأحزاباً تحتجز نوابها كي لا يمثّلوا ناخبيهم، فهو لن يرى ديمقراطية — سيرى نسخة مُكلفة من الفراغ.

والمطلوب ببساطة: احضر، أدِّ، أو أفسح المجال لمن يريد. وحين تخرج: لا تقاعد بعد اليوم.