من أنقرة إلى مسقط.. مساعٍ تركية خليجية لإحياء "سكة حديد الحجاز" التاريخية وربطها بسلطنة عمان
أربيل (كوردستان24)- كشفت أنقرة عن وجود قنوات اتصال وتنسيق مع المملكة العربية السعودية لبحث إمكانية إحياء وتحديث "سكة حديد الحجاز" التاريخية، في مشروع يهدف إلى ربط تركيا بدول الخليج العربية وصولاً إلى سلطنة عمان.
وجاء هذا الإعلان على لسان وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، خلال استضافته في اجتماع محرري وكالة الأناضول بمقرها بالعاصمة أنقرة، اليوم الأربعاء.
وأوضح أورال أوغلو أن بلاده تتبنى رؤية استراتيجية لإعادة تشغيل هذا الخط التاريخي بصيغة حديثة تلبي متطلبات الشحن التجاري والنشاط السياحي الإقليمي في آن واحد، مشيراً إلى إمكانية البدء بتشغيل الأجزاء الجاهزة من الخط وتطوير الأجزاء الأخرى تدريجياً.
ملامح المرحلة الأولى ومسار الربط
وفقاً للتصريحات الرسمية التركية، يرتكز المخطط الأولي لإحياء الشبكة على الاستفادة من المسارات القائمة تاريخياً والربط التدريجي بين دول المنطقة:
-المرحلة الأولى: ربط شبكة السكك الحديدية التركية بمدينة حلب السورية.
-المسار الأوسط: تفعيل خط (حلب – دمشق – الأردن) القائم بالفعل من الناحية الهيكلية، لربطه بالعاصمة الأردنية عمان.
-الامتداد الخليجي: العمل مع الجانب السعودي لتمديد الشبكة وتحديثها لتربط الأردن بالمملكة العربية السعودية، وصولاً إلى سلطنة عمان في أقصى الجنوب الشرقي لشبه الجزيرة العربية.
خلفية تاريخية: سكة حديد الحجاز "شريان الخلافة القديم"
تعد سكة حديد الحجاز واحدة من أضخم المشاريع الهندسية التي نُفذت في مطلع القرن العشرين. تأسس المشروع بقرار من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني عام 1900، وافتتح رسمياً في أيلول (سبتمبر) 1908 ليربط العاصمة السورية دمشق بالمدينة المنورة في الحجاز على مسافة تتجاوز 1300 كيلومتر.
تمثلت الأهداف الأساسية للمشروع في تسهيل حركة الحجاج والمسافرين إلى الحرمين الشريفين وتقليص مدة السفر من أسابيع إلى أيام معدودة، فضلاً عن تعزيز السيطرة الإدارية والعسكرية للدولة العثمانية وتسهيل نقل القوات والعتاد إلى الولايات البعيدة.
لم يستمر تشغيل الخط طويلاً؛ إذ تعرضت أجزاء واسعة منه للتخريب والنسف العسكري خلال أحداث الحرب العالمية الأولى عام 1916. وعقب انهيار الدولة العثمانية وتقسيم المنطقة، تشتتت ملكية أجزاء الخط بين الدول الناشئة حديثاً (سوريا، الأردن، السعودية)، وظلت أجزاء واسعة منه مهجورة وخارج الخدمة منذ ذلك الحين، باستثناء بعض المقاطع القصيرة التي تُستخدم محلياً لأغراض سياحية أو نقل بضائع محدود.
الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للمشروع الحديث
تأتي الرغبة التركية الخليجية في إحياء هذا الخط في سياق تحولات استراتيجية تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وتتمثل في عدة أبعاد:
-التكامل مع قطار الخليج الموحد:
يتزامن المقترح التركي لإيصال السكة إلى سلطنة عمان مع المشروع الخليجي المشترك لإنشاء "شبكة القطار الخليجي الموحد" الذي يهدف إلى ربط دول مجلس التعاون الست ببعضها البعض. وسيوفر ربط سكة الحجاز بهذه الشبكة ممر شحن بري مباشر يربط أوروبا بالخليج العربي وبحر العرب عبر الأراضي التركية والسورية والأردنية.
-تنويع ممرات التجارة البرية:
تسعى تركيا ودول الخليج إلى تنويع ممرات التجارة وسلاسل الإمداد بعيداً عن الممرات المائية التقليدية التي تواجه أحياناً تحديات أمنية أو لوجستية، مما يجعل السكك الحديدية بديلاً أسرع للشحن البري مقارنة بالنقل البحري.
-مكمل لمشروع "طريق التنمية":
تطرح أنقرة هذا المشروع كعامل مكمل لمشروع "طريق التنمية" الاستراتيجي المشترك بين تركيا والعراق، والذي يهدف بدوره إلى ربط ميناء الفاو الكبير في البصرة بالأراضي التركية وأوروبا عبر شبكة سكك حديدية وطرق برية فائقة السرعة.
التحديات اللوجستية والسياسية
رغم الطموح الكبير الذي يحمله المقترح، يشير مراقبون اقتصاديون إلى وجود عقبات وتحديات جوهرية تتطلب توافقات دولية معقدة، حيث يمثل عدم الاستقرار السياسي والأمني في سوريا التحدي الأبرز للمشروع؛ إذ تشكل الأراضي السورية الممر الإلزامي لربط تركيا بالأردن والخليج. ويعد تشغيل خط (حلب – دمشق) رهناً بحدوث تسويات سياسية شاملة وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة جراء الحرب.
كما يتطلب المشروع استثمارات مالية ضخمة لإعادة بناء الأجزاء المدمرة كلياً، وتحديث القضبان والقطارات لتتوافق مع معايير السكك الحديدية الحديثة فائقة السرعة، فضلاً عن توحيد المعايير الفنية واللوجستية بين الدول الخمس التي سيمر عبرها القطار.