الشمري لكوردستان24: نجاح حكومة الزيدي متوقف على الإرادة السياسية ومقاطعة أدوات الفشل
إحسان الشمري لكوردستان24: الاعتماد على طواقم حكومة السوداني سيقود الزيدي إلى الفشل
أربيل (كوردستان24)- شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن تحركات دبلوماسية مكثفة قادها رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، خلال زيارة رسمية حملت أبعاداً استراتيجية تجاوزت الأطر التقليدية للعلاقات الثنائية. وتوجت هذه الزيارة بلقاءات رفيعة المستوى في البيت الأبيض جمعت الزيدي بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب ومسؤولين بارزين في الإدارة الأمريكية، في لحظة فارقة يسعى فيها العراق إلى تثبيت دعائم استقراره الاقتصادي وتجنيب أراضيه تداعيات الهزات الإقليمية المتلاحقة، مرتكزاً في ذلك على رؤية حكومية تتبنى الإصلاح الهيكلي وتنويع الشراكات الدولية.
وقد توزعت نتائج المباحثات العراقية – الأمريكية على مسارات رئيسية استهدفت بالدرجة الأولى تنويع منافذ التصدير، حيث جرى التركيز على استقطاب الاستثمارات الأمريكية لتطوير البنية التحتية لقطاع النفط والغاز، وفتح منافذ تصديرية جديدة تهدف إلى تقليل الاعتماد الكلي على الممرات المائية الحساسة وفي مقدمتها مضيق هرمز.
كما أثمرت المباحثات عن مذكرات تفاهم استثمارية كبرى شملت رفع الطاقة الإنتاجية وتفعيل الشراكات مع شركات الطاقة العالمية، لضمان تأمين احتياجات السوق المحلي والحد من هدر الموارد.
وفي سياق متصل، توصلت بغداد وواشنطن إلى تفاهمات جوهرية لإعادة تكييف القطاع المصرفي، تضمنت آلية للتعامل مع القيود المالية وإعادة تأهيل ورصد سبعة مصارف عراقية، في خطوة تهدف إلى الحد من شح الدولار في الأسواق المحلية وتعزيز الامتثال للشرعية المالية الدولية لمنع عمليات التهريب والتزوير.
وفي قراءة لهذا الحراك، يرى الدكتور إحسان الشمري، استاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية ورئيس مركز التفكير السياسي للدراسات لكوردستان24 عربية، أن نجاح رئيس الوزراء علي الزيدي يبقى مرهوناً بشكل أساسي بمدى توفر الإرادة السياسية وقدرته على اتخاذ خطوات مستقلة بعيداً عن هيمنة القوى السياسية التقليدية.
وأوضح الشمري، أن الزيدي لا يزال يتحرك ضمن "حاضنة الإطار التنسيقي"، مستبعداً أن تحظى سياساته الخارجية الجديدة تجاه واشنطن أو خطواته لترجمة الاتفاقات الدولية بترحاب كامل من قبل الإطار والقوى الحليفة لإيران.
وشدد الشمري على أن استمرار الزيدي في الاعتماد على ذات الأدوات والطواقم التي عملت مع رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني – والتي وصف سياستها الخارجية بالفشل – سيؤدي حتماً إلى تعثر الحكومة، مؤكداً أن التغيير الحقيقي يتطلب إيجاد تيار سياسي مستقل، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وتغيير الأدوات التنفيذية لاعتماد طواقم قادرة على تفكيك منظومات الفساد والسلاح المنفلت.
وعلى الصعيد الأمني، حظي ملف حصر السلاح بيد الدولة باهتمام واسع، حيث أعلن الزيدي التزام حكومته بإنهاء كافة مظاهر السلاح خارج إطار القانون، محدداً نهاية سبتمبر من عام 2026 كسقف زمني نهائي لحصر السلاح بالكامل بيد المؤسسات الرسمية.
وبالتوازي مع ذلك، تستند استراتيجية الزيدي في مواجهة الفساد إلى خلفيته المالية والمصرفية، مفضلاً أدوات الحوكمة والتحول الرقمي على الشعارات؛ إذ شهدت المرحلة الماضية خطوات استثنائية شملت إصدار أوامر توقيف وملاحقة بحق مسؤولين ونواب سابقين بتهم فساد وتبييض أموال، بالإضافة إلى ربط المنافذ الحدودية والمؤسسات المالية بنظام رقمي لمنع التلاعب الجمركي والتحويلات المشبوهة. ومع ذلك، تظل التساؤلات قائمة حول مدى قدرة هذه الحملة على المساس بشبكات النفوذ العميقة دون التسبب في أزمات داخلية تزعزع الاستقرار التوافقي.
أما إقليمياً، فتتحرك الحكومة العراقية وفق مبدأ الدبلوماسية الاقتصادية المتوازنة لضمان الخروج من دائرة الاستقطاب؛ فبينما تحرص بغداد على إبقاء قنوات التواصل مع طهران مستمرة لضمان إمدادات الطاقة وإدارة الحدود مع التأكيد على استقلالية القرار الوطني، تبرز العلاقة مع أنقرة من خلال إعطاء الأولوية لمشروع "طريق التنمية" الممتد من الفاو إلى الحدود التركية، وتحويل الملفات العالقة مثل المياه والوجود الأمني إلى فرص للشراكة الاقتصادية الطويلة.
بدوره أكد الخبير المالي والمصرفي في وزارة المالية الاتحادية مصطفى حنتوش لكوردستان24 عربية، أن الزيارة تمثل نقطة تحول استراتيجية، حيث شكل توقيع 48 مذكرة تفاهم "خارطة طريق" متكاملة للاقتصاد العراقي، تفتح آفاقاً استثمارية كبرى في قطاعات الطاقة والكهرباء، وتطرح رؤية قائمة على "الشراكة الاقتصادية الصرفة" مع دول الجوار، واصفاً تحركات الزيدي بالخطوة الجوهرية لتعزيز مكانة العراق كمركز ثقل اقتصادي في المنطقة.
هل يصل العراق الى بر الامان؟
تعتمد معادلة الاستقرار في العراق على مدى قدرة الزيدي على تحويل التوافقات الخارجية إلى أدوات نفوذ داخلية. فمن جهة، توفر له الخلفية التكنوقراطية والدعم الإقليمي والدولي مظلة سياسية للتحرك نحو تفكيك شبكات الفساد وإصلاح المنظومة المالية. لكن في المقابل، يصطدم هذا المسار بمعادلة ميزان القوى المحلي؛ إذ إن تحديد مهلة لجمع السلاح وتطبيق الحوكمة على الإيرادات يمس مباشرة بمصالح القوى النافذة المنتفخة من اقتصاد المحاصصة. وبالتالي، لن يتحقق السلم الأهلي والاستقرار المستدام إلا إذا نجحت السلطة التنفيذية في فرض سيادة القانون كأمر واقع دون الاستمرار في تقديم التنازلات للحسابات الحزبية الضيقة.
في المحصلة، لا تبدو تجربة علي الزيدي مجرد محاولة جديدة لإدارة الأزمات في العراق، بل هي اختبار حقيقي لمدى قدرة نموذج "رجل الأعمال التكنوقراط" على الصمود أمام إكراهات المنظومة السياسية العميقة. تظل التفاهمات والاختراقات الدبلوماسية التي حققها الزيدي في واشنطن والتي سيحققها في أنقرة وطهران مرهونة بالقدرة على إيجاد ترجمة داخلية لها على أرض الواقع؛ إذ إن نجاح الحكومة في إعادة ضبط القطاع المصرفي ومواجهة الفساد لن يُقاس بجهود الحوكمة وحدها، بل بمدى استعدادها لمواجهة الشبكات النافذة التي استنفدت موارد الدولة لعقود.
العبور بالعراق نحو بر الأمان لن يتأتى عبر صياغة التوازنات الخارجية الشديدة الحساسية فحسب، بل يتطلب قراراً سيادياً حاسماً يحول التوافقات الإقليمية والدولية إلى إصلاحات مؤسسية هيكلية، مع فرض سيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة دون تقديم تنازلات تسوياتية تفرغ مسار الإصلاح من مضمونه.