بين «السور الفولاذي» وفوضى التكنولوجيا.. حلقة خاصة ترصد تحديات الشباب ورؤية النهوض بـ(جيل المستقبل)

أربيل (كوردستان24)- بالتزامن مع اليوم العالمي للشباب، فتحت شاشة "كوردستان 24" ملف الشباب والتحديات البنيوية والفكرية التي تواجههم في العصر الحديث. وفي حوار صحفي موسع ضمن برنامج "به‌ كوردی" (بالكوردية)، أكد المفكر والباحث الدكتور عبد الرحمن صديق أن الأمة التي لا تبني عقول شبابها تظل حصونها وقلاعها مهشمة، مشدداً على أن الشباب هم "السور الفولاذي" الحقيقي لحماية الأوطان وصناعة المستقبل، بشرط استثمار طاقاتهم وحمايتهم من التشتت الرقمي والانحراف السلوكي.

الرؤية القرآنية: تحرير العقل وكسر النمطية

أشار د. صديق في مستهل التقرير إلى أن النص الديني لم يتعامل مع الشباب كمرحلة عمرية عابرة، بل قدمهم كقادة للتغيير الاجتماعي والفكري؛ بدءاً من إبراهيم عليه السلام الذي جسد مهارة "كسر القوالب الفكرية النمطية"، مروراً بـ عيسى عليه السلام كصوت جديد يحطم جمود العصر، وموسى عليه السلام في مواجهة الزيف الشكلي، وصولاً إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي افتتح الرسالة بأمر "اقرأ"، ليجعل العلم السلاح الأول للشباب. كما استشهد بقوله تعالى: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) لبيان المكانة الاستثنائية التي يحظى بها الشباب في كتاب الله.

بناء الإنسان قبل البنيان: فلسفة "السور الفولاذي"

وحول المقولة التاريخية للزعيم الكوردي الخالد ملا مصطفى بارزاني بأن "الشباب هم السور الفولاذي والأمل المرتجى":

أوضح صديق أن العبرة ليست بالحجارة الصلبة بل بوعي الإنسان؛ واستشهد بـ سور الصين العظيم الذي اختُرق ثلاث مرات في قرنه الأول، لا بسبب هدم صخوره، بل بسبب رِشوة الحراس!

وأكد الباحث أن الحصانة الحقيقية تبدأ من بناء الشاب أخلاقياً وفكرياً، مشيراً إلى تجربة سنغافورة الحديثة التي استثمرت في عقول شبابها فصنعت نهضتها الاقتصادية العالمية بدلاً من التركيز على الأسوار والخرسانات.

"تسونامي" المعلومات وانقلاب الهرم القيادي

وفي تشخيصه لأزمات العصر الحديث، نبه الباحث إلى خطورة الانفجار المعرفي غير المسبوق؛ إذ قفز عدد المواقع الرقمية من موقع واحد عام 1991 إلى أكثر من 1.71 مليار موقع وحساب رقمي، ما خلق حالة من التشتت والسطحية لدى الجيل الجديد.

وحذر د. صديق من خطر "انقلاب الهرم الإنساني" لدى بعض الشباب، حيث أصبحت الشهوات والرغبات الاستهلاكية هي التي تقود السلوك بدلاً من العقل والعاطفة السليمة، مما أدى إلى انتشارات النزوات والتفكك الأسري وضياع بوصلة الأولويات.

واستند الباحث والاكاديمي عبدالرحمن صديق، إلى جملة من المؤشرات الإحصائية الرسمية التي تعكس الواقع الاجتماعي والاقتصادي للشباب في إقليم كوردستان العراق، حيث يشير الى ان الفئة العمرية القادرة على العمل والإنتاج (15 - 64 سنة) تشكل نحو 63.92% من إجمالي السكان، مما يمنح الإقليم فرصة ديموغرافية ذهبية للنهوض.

كما اشار الى انه يعيش 85% من السكان في المراكز الحضرية مقابل 15% فقط في الأرياف، ما يخلق ضغطاً شديداً على الخدمات وسوق العمل الحضري.

ونوه الى انه بلغت نسبة العزوف أو التأخر عن الزواج نحو 41% بين الشباب من الجنسين نتيجة التكاليف الباهظة وأزمة السكن (حيث تعيش 30% من العائلات في منازل بالإيجار).

كما لفت الى ان البيانات تشير الى ان نسبة أمية تصل إلى 16%، وهو ما يتطلب خطة استجابة عاجلة لمحو الأمية الوظيفية والتكنولوجية.

واستحضر د. صديق تحذيرات المفكر بديع الزمان سعيد النورسي في كتابه "مرشد الشباب"، الداعية إلى حماية الفتية من الإدمان والانحراف والعلاقات المؤقتة الخادعة التي تضيع المستقبل. وليختتم  البرنامج بطرح خارطة طريق ثلاثية الأبعاد للتمكين النهضوي، منها إنهاء حالة التشتت عبر تركيز الشاب على مجال تخصصي واعد وإتقانه. مع ربط المناهج التعليمية والتدريبية بالقطاع الخاص والمهن الحديثة بعيداً عن الاتكالية الوظيفية. بالاضافة الى توفير حلول سكنية اقتصادية (شقق صغيرة منخفضة التكلفة) وتخفيض أعباء الزواج لضمان بناء أسر متماسكة ومستقرة.

يخلص البرنامج إلى أن حماية الشباب وتأهيلهم لم تعد ترفاً فكرياً أو خياراً هامشياً، بل هي ضرورة أمنية واقتصادية حتمية؛ فالشباب هم الطاقة التي يمكن أن تُبنى بها الأوطان أو تتبدد بها المقدرات إذا لم تُحسن إدارتها واستثمارها بالشكل الصحيح.