ثورة في عالم الشحن.. طريق الحرير القطبي يقلص زمن الرحلة إلى أوروبا بنسبة 50%
طريق الحرير القطبي.. الممر الذي سيغير وجه التجارة العالمية
أربيل (كوردستان24)- في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة صياغة خريطة التجارة البحرية الدولية، أعلنت شركة الشحن الصينية "سي ليجند" (Sea Legend) عن عزمها إطلاق أول خدمة شحن حاويات أسبوعية منتظمة ومجدولة عبر ما يُعرف بـ "طريق الحرير القطبي". ويمتد هذا الممر الملاحي عبر المحيط المتجمد الشمالي، ليربط بين شرق آسيا وشمال أوروبا بمحاذاة الساحل الشمالي لروسيا.
وفقاً لإعلان الشركة الصينية، ستنطلق الرحلات من ميناء نينغبو الواقع على الساحل الشرقي للصين، متجهة إلى ميناء فيليكسستو في المملكة المتحدة. وتخطط الشركة لتسيير ثماني رحلات تجارية حتى مطلع أكتوبر/تشرين الأول من عام 2026، على أن تتوقف الخدمة مع حلول فصل الشتاء بسبب ظروف الجليد القاسية التي تؤدي إلى إغلاق الممر أمام حركة الملاحة.
ويعتمد هذا المسار بشكل أساسي على "طريق بحر الشمال"، الذي يمتد لنحو 5600 كيلومتر من مضيق كارا بالقرب من أرخبيل نوفايا زيمليا وصولاً إلى خليج بروفيدنس في مضيق بيرينغ. وتدير شركة "روساتوم" الروسية هذا الطريق الذي ينقسم إلى 28 قطاعاً تختلف فيها الإرشادات الملاحية وفقاً لظروف الطقس والجليد. وفي مفهومه الأوسع، يُشار إلى "طريق الحرير القطبي" أحياناً كمنظومة نقل تمتد لـ 14 ألف كيلومتر تربط بين سانت بطرسبرغ وفلاديفوستوك.
يعد "طريق الحرير القطبي" مبادرة استراتيجية أعلنت عنها الصين رسمياً في يناير/كانون الثاني 2018، بهدف تطوير طرق تجارة بحرية بالتعاون مع دول أخرى. وتسعى بكين من خلاله إلى إيجاد مسارات أقصر للوصول إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية مقارنة بالطرق التقليدية، وتشجيع الشركات الصينية على بناء البنية التحتية القطبية وتنفيذ رحلات تجريبية، فضلاً عن استكشاف الموارد الطبيعية كالنفط والغاز والمعادن ومصادر الوقود غير الأحفوري.
وفي سياق تعزيز حضورها، أطلقت الصين برنامجاً لتطوير أسطول كاسحات الجليد لدعم وجودها الملاحي والبحث العلمي في المنطقة ضمن ما يُعرف بـ "سباق الجليد". وعلى الصعيد القانوني، تصف الصين نفسها بأنها "دولة شبه قطبية"، مستندة إلى القانون البحري الدولي الذي يمنحها حقوقاً في البحث العلمي وحرية الملاحة واستغلال الموارد في المياه الدولية للمحيط المتجمد الشمالي.
المزايا والمخاطر
يعد هذا المسار البديل ثورة في عالم اللوجستيات؛ حيث يقلص زمن الرحلة بين آسيا وأوروبا إلى نحو 18-20 يوماً فقط، مقارنة بـ 40 يوماً تستغرقها السفن في المسارات التقليدية الجنوبية. وبالإضافة إلى توفير الوقت، يساهم الطريق في:
خفض تكاليف التشغيل: تقليل استهلاك الوقود بفضل المسافة الأقصر.
مزايا بيئية: خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة تصل إلى 50%.
أمن الملاحة: تجنب الممرات المزدحمة أو المتوترة أمنياً مثل قناة السويس، وباب المندب، ومضيق مالقا.
وينعكس هذا القصر في المسافة على خفض تكاليف التشغيل واستهلاك الوقود، مع تقديرات تشير إلى إمكانية خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة تصل إلى 50%، مما يمنح الطريق ميزة بيئية واقتصادية مضافة.
و رغم الآفاق الواعدة، لا يزال الطريق يواجه مخاطر وتحديات جسيمة، أبرزها:
الظروف المناخية: الجليد المتحرك والضباب الكثيف يتطلبان سفن كاسحة للجليد (وهو أسطول تعمل الصين على تطويره بقوة).
البنية التحتية: نقص مراكز الإنقاذ ومرافق الإصلاح والاتصالات الفضائية في أقصى الشمال.
المخاطر البيئية: حساسية النظام البيئي القطبي تجاه أي تسرب محتمل للوقود.
تعود فكرة الممر الشمالي الشرقي إلى عام 1525 حين طرحها الدبلوماسي الروسي ديمتري غيراسيموف، وتبعتها بعثة إنجليزية بقيادة هيو ويلوبي في العام ذاته لكنها فشلت. وفي عام 1648، أثبت سيميون ديجنيف إمكانية ربط المحيطين الهادئ والأطلسي عبر مضيق بيرينغ.
وفي القرن العشرين، بدأ التنظيم الرسمي بإنشاء لجنة طريق بحر الشمال عام 1919، ونجحت بعثة أوتو شميدت عام 1932 في عبور الطريق بموسم واحد. ومع إطلاق الاتحاد السوفياتي لأول كاسحة جليد نووية "لينين" عام 1959، أصبحت الملاحة ممكنة طوال العام بحلول 1978، وبلغت حركة الشحن ذروتها عام 1987 بنحو 6.6 ملايين طن.
وبعد فتح الطريق للملاحة الدولية عام 1991 عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، دخلت الصين على الخط بكتابها الأبيض عام 2018. وتلا ذلك تعيين "روساتوم" مشغلاً للبنية التحتية، وتنسيق الملاحة عبر مؤسسة "غلافسيفموربوت" عام 2022. وفي مارس/آذار 2025، طرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رؤية لدمج الطريق ضمن "ممر النقل عبر القطب الشمالي" لتعزيز التنمية العالمية، وصولاً إلى الإعلان الأخير لشركة "سي ليجند" في أغسطس/آب 2026 بتدشين الرحلات المنتظمة.