حرارة الخمسين تُلهب الجنوب العراقي.. أزمة الكهرباء تُهدد بنزاع مائي وتفجر موجة احتجاجات
اربیل (كوردستان24) - تلقي أزمة الطاقة الكهربائية المتفاقمة في العراق بظلال جثيمة على الحياة اليومية لملايين السكان، بالتزامن مع موجة حر قياسية تجاوزت فيها درجات الحرارة نصف درجة الغليان (50 درجة مئوية) في محافظات الجنوب. وفي تطور يحذر خبراء من تداعياته، بدأت الأزمة تتجاوز حدود الانقطاعات الروتينية لتهدد بنزاعات محلية بين المحافظات نتيجة "التفاوت الصارخ" في ساعات التجهيز، وسط موجة غضب شعبي عارمة وصدامات مع القوات الأمنية.
"الماء مقابل الكهرباء".. مقايضة الموارد تُهدد البصرة
في أحدث تجليات الأزمة والتنافس على الخدمات، هدد أهالي قريتي "الفهود" و"الجبايش" التابعتين لمحافظة ذي قار بقطع مياه "قناة البدعة" الاستراتيجية، التي تُعد الشريان الرئيس لمياه الشرب المتدفقة من نهر دجلة نحو محافظة البصرة في أقصى الجنوب.
ورفع عشرات المحتجين لافتات كُتب عليها "المياه مقابل الكهرباء"، احتجاجاً على تردي ساعات التجهيز في مناطقهم التي لا تتجاوز ساعتين مقابل 4 ساعات انقطاع، في وقت تحصل فيه البصرة على نحو 20 ساعة تجهيز يومياً، لاعتبارات تتعلق بارتفاع رطوبتها وكونها الخزان النفطي للبلاد.
وفي تعليق على التهديدات، استبعد مصدر مسؤول في محافظة ذي قار قدرة الأهالي على تنفيذ قرار القطع، لكنه أقرّ بشدة الغضب الشعبي، موضحاً أن المشكلة تكمن في التفاوت الخدمي؛ حيث تعتمد منطقة "الجبايش" على شبكة كهرباء البصرة وتتمتع بساعات تجهيز جيدة، بينما تعاني منطقة "الفهود" المجاورة لها من انقطاعات حادة تزامناً مع القهير الصيفي.
قمع بالغاز وصدامات.. الشارع يشتعل في 6 محافظات
لم تقتصر التظاهرات على ذي قار؛ إذ شهدت 6 محافظات عراقية، بينها العاصمة بغداد، خروج احتجاجات غاضبة مطالبات بتحسين الخدمة الوطنية.
وكانت محافظة واسط (المحاذية لذي قار) البؤرة الأكثر سخونة خلال الأيام الأخيرة؛ حيث شهدت تظاهرات حاشدة تطورت إلى صدامات عنيفة مع قوات الشرطة ومكافحة الشغب، التي استخدمت خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع لتفريق المحتجين. وأثارت هذه المشاهد انتقادات برلمانية حادة، وسط مطالبات بتحقيق عاجل في استخدام القوة المفرطة ضد المواطنين المطالبين بأبسط حقوقهم الخدمية.
عجز بنسبة 60%.. عتمة تستمر لسنوات
في العلن، تشير تقديرات المختصين في مجال الطاقة إلى أن الأزمة مرشحة للاستمرار لسنوات مقبلة، لغياب المعالجات الجذرية واستمرار الفجوة المتسعة بين الإنتاج والاستهلاك.
الحاجة الفعلية للبلاد: نحو 60 ألف ميغاواط.
الإنتاج الحالي المتاح: لا يتجاوز سقف 25 ألف ميغاواط.
هذا العجز الكبيرة (أكثر من 60%) يجعل من شبه المستحيل تأمين التيار الكهربائي بشكل منتظم دون معالجة أزمات استيراد الغاز وتحديث شبكات النقل والمحطات المتهالكة.
بيئة الأهوار.. جفاف متجدد وتهديد بـ"هجرة مناخية"
ولم تسلم البيئة العراقية من تداعيات الأزمة؛ إذ كشفت مسوحات ميدانية أجرتها "شعبة الأهوار" في مديرية بيئة ذي قار عن تراجع متواصل في مناسيب المياه بأهوار الجبايش، وتغيرات سلبيّة في الخارطة البيولوجية وتوزيع الكائنات الحية.
ويرى خبراء البيئة أن انخفاض مناسيب المياه خلال الصيف يلحق ضرراً كبيراً بالنظام الإيكولوجي وبالمعيشة اليومية لمربّي الجاموس والصيادين، مما يُنذر بموجات هجرة مناخية جديدة نحو مراكز المدن بحثاً عن فرص العيش.
وعلى الرغم من أن التقرير البيئي أشار إلى أن الوضع الهيدرولوجي الحالي يُعدّ "أفضل نسبياً" مقارنة بموسم الشحة القاسية في العام الماضي، إلا أنه شدد على الحاجة الماسة لإمدادات مائية منتظمة ومستدامة لمنع انهيار النظام البيئي في الأهوار العراقية المُدرجة على قائمة التراث العالمي.
المصدر: وكالات