ما بعد التحالف الدولي.. هل تنجح بغداد في تفكيك "عقيدة التمكين" للسلاح الموازي؟
أربيل (كوردستان24)- يشكل ملف "حصر السلاح بيد الدولة" في العراق واحدة من أعقد الإشكاليات البنيوية التي تواجه مشروع بناء الدولة الحديثة وترسيخ مفهوم السيادة الكاملة. ورغم الخطاب السياسي والإعلامي السائد الذي يصور وجود قوات التحالف الدولي كعائق وحيد وحجة أساسية لانتشار السلاح خارج الأطر الرسمية، إلا أن القراءة العميقة للواقع العراقي تكشف أن انسحاب هذه القوات قد لا يعدو كونه زوالاً لغطاء خارجي، بينما تظل الجذور الحقيقية للمشكلة ضاربة في عمق المشهدين السياسي والأمني.
على مدى العقدين الماضيين، شهد السلاح في العراق تحولاً وظيفياً خطيراً؛ فبعد أن كان يُطرح كوسيلة لمقاومة الوجود الأجنبي أو دحر تنظيم "داعش"، تحول إلى "عقيدة تمكين سياسي" وأداة لحماية المكتسبات الحزبية.
لقد أنتج نظام المحاصصة والتوافقية بيئة جعلت من القوة العسكرية الموازية ضامناً رئيسياً للمواقع الحكومية وشبكات النفوذ. ووفقاً لمراقبين، فإن اختفاء العامل الخارجي لن يلغي بالضرورة رغبة القوى السياسية والأجنحة المسلحة في الاحتفاظ بأسلحتها كـ "بطاقة حاسمة" للضغط وتوجيه القرارات الوطنية وفرض الإرادة عند حدوث الأزمات السياسية أو الاستحقاقات الانتخابية.
في هذا السياق، يرى الدكتور أياد العنبر، أستاذ الفكر السياسي في جامعة الكوفة، أن تاريخ الثلاثين من أيلول (سبتمبر) يمثل "نقطة شروع" مفصلية. ويؤكد العنبر في تصريح لـ "كوردستان 24 عربية" أن هذا الموعد من شأنه إسقاط كافة الذرائع والمبررات التي تُرفع لشرعنة وجود السلاح خارج إطار الدولة تحت لافتة "مقاومة الوجود الأجنبي".
وأوضح العنبر أن تنظيم هذا الملف وفق هذا التاريخ سيعيد السلاح لسلطة الدولة ويقطع الطريق أمام محاولات شرعنته، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستكون "نقطة اختبار" حقيقية لمصداقية الحكومة في تنفيذ برنامجها السياسي. كما شدد على أن التحدي يمتد ليشمل الأطراف السياسية التي صوّتت على برنامج حكومة علي الزيدي، حيث باتت ملزمة بالوفاء بتعهداتها لإنهاء المظاهر المسلحة.
تزداد الصورة تعقيداً عند النظر إلى الارتباطات العابرة للحدود؛ حيث يرى جزء كبير من الفصائل المسلحة نفسه امتداداً لمحور إقليمي واسع. هذا الارتباط يجعل القرار العسكري لهذه الجماعات رهيناً بتوازنات القوى في الشرق الأوسط، وليس محصوراً بالاتفاقات الثنائية بين بغداد وواشنطن.
أمنياً، يعاني المشهد من "ازدواجية هيكلية"؛ فإدماج معظم القوى تحت مظلة الحشد الشعبي جعل التمييز بين السلاح "الشرعي" و"المنفلت" معقداً للغاية من الناحية القانونية. هذا الاندماج سمح للفصائل بالجمع بين ميزات السلطة الرسمية والحرية التكتيكية التي تتمتع بها القوى غير الحكومية.
بدورها، أكدت الباحثة في الشأن السياسي، سهاد الشمري، أن حكومة الزيدي وضعت ملف حصر السلاح على رأس أولوياتها بالتوازي مع مسار جدولة انسحاب التحالف الدولي.
وأوضحت الشمري في تصريح لـ "كوردستان 24 عربية" أن البرنامج الحكومي يرتكز على هدفين استراتيجيين: "مكافحة الفساد" و"حصر السلاح بيد الدولة". وأشارت إلى أن هذه الخطوات تحظى بتأييد سياسي ومجتمعي واسع لترسيخ السيادة الوطنية. واعتبرت الشمري أن إصرار رئيس الوزراء على تحديد موعد نهائي لتسليم السلاح يعكس "إرادة حكومية صلبة" تهدف للانتقال بالعراق إلى مرحلة جديدة قوامها الأمن وتنويع مصادر الدخل بعيداً عن الريع النفطي.
ورغم التفاؤل الحكومي، تبرز تحديات أخرى تتمثل في "أزمة الثقة" بين المكونات الوطنية؛ حيث تتخوف أطراف مدنية ومكوناتية من خلو الساحة لصالح طرف مسلح واحد بعد مغادرة القوات الدولية.
علاوة على ذلك، تحولت شبكات السلاح إلى "اقتصاد موازي" يتغذى على السيطرة على المنافذ والأنشطة غير الرسمية، وهو اقتصاد تتداخل فيه الأجندات السياسية مع شبكات الجريمة المنظمة والسلاح العشائري. كما تبرز "الثغرة التسليحية" في مجالات الدفاع الجوي كذريعة تستخدمها الفصائل لتبرير حيازتها لأسلحة نوعية كالمسيرات والصواريخ البالستية بدعوى سد الفراغ الدفاعي.
إن حسم ملف السلاح في العراق لن يتحقق تلقائياً بمجرد رحيل آخر جندي أجنبي. إن تحقيق "السيادة الكاملة" يتطلب معالجة جوهرية تبدأ من صياغة عقد سياسي جديد، وتفكيك شبكات الاقتصاد الموازي، وبناء قدرات دفاعية وطنية متكاملة، وصولاً إلى تفاهمات إقليمية تضمن عدم استخدام الساحة العراقية كمنصة لتصفية الحسابات الخارجية.