مسرور بارزاني ومعادلة الأمن والتنمية بعد التحالف

مسرور بارزاني ومعادلة الأمن والتنمية بعد التحالف
مسرور بارزاني ومعادلة الأمن والتنمية بعد التحالف

حين يتوقف حقل غاز عن العمل بسبب هجوم، تصل تداعياته إلى بيوت الناس قبل أن تنتهي اجتماعات إدانته. تنقطع الكهرباء، ويتعطل الإنتاج، ويعيد المستثمر حساباته، ويزداد قلق المواطن على مصدر رزقه. من هنا أرى أن النقاش حول انسحاب القوات الأميركية والتحالف الدولي من العراق يحتاج إلى أن يتسع ليشمل قدرة كوردستان على حماية اقتصادها واستمرار حياتها اليومية. فالأمن الذي يحتاج إليه الإقليم يمتد من خطوط الدفاع إلى محطة الكهرباء والمطار ومكان العمل.

تكتسب رؤية رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني أهميتها من هذا الترابط. ففي مقابلته مع «المونيتور»، التي نشرتها كوردستان 24، جمع بين المطالبة بقدرات دفاع جوي تحمي السكان والبنية التحتية، والدعوة إلى توسيع الشراكة الاقتصادية والسياسية مع واشنطن. كما ربط استقطاب الشركات بضرورة حماية استثماراتها والعاملين فيها. وفي تقديري، يقدّم هذا الطرح أساسًا لقراءة المرحلة المقبلة: بناء قدرة دفاعية تسند التنمية، وعلاقات اقتصادية تعزّز فرص الاستقرار. 

وتزداد إلحاحًا هذه المسألة مع بيان وزارة البيشمركة الصادر في 28 أيلول، الذي حذّر من أن الانسحاب الأميركي لن ترافقه إقامة منظومة بديلة للدفاع الجوي. هذه فجوة ينبغي التعامل معها بوصفها أولوية عملية؛ فقرار إنهاء مهمة عسكرية لا يُنهي تلقائيًا التهديدات التي كانت تسهم في مواجهتها. وأي انتقال أمني مسؤول يحتاج إلى معرفة من سيتولى الإنذار والرصد والحماية، وبأي إمكانات، وخلال أي مدة. 

أرى أن قوة موقف حكومة الإقليم ستكون في تحويل هذه الاحتياجات إلى برنامج محدد يمكن التفاوض عليه ومتابعة تنفيذه. يبدأ ذلك بتقييم مكامن الضعف، وترتيب أولويات حماية المنشآت الحيوية، وتأهيل الكوادر، وتأمين الصيانة والتشغيل. فاقتناء منظومة دفاعية يفتح مسؤولية طويلة تتعلق بكفاءة استخدامها واستدامتها. وكل مبلغ يُنفق في هذا المجال ينبغي أن تكون له نتيجة واضحة في تقليل الخطر على السكان والخدمات.

وفي المقابل، يكتسب الإصلاح العسكري قيمته حين يهيّئ المؤسسة لإدارة هذه المسؤوليات. وقد شدّد رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، خلال مراسم توحيد البيشمركة، على وحدة القيادة وإبعاد المؤسسة العسكرية عن التدخلات الحزبية. وأقرأ هذا الموقف بوصفه شرطًا لنجاح أي تطوير دفاعي؛ إذ تحتاج التقنيات الحديثة إلى قرار منضبط، وتبادل منتظم للمعلومات، وثقة بين الوحدات. بذلك تلتقي مسؤولية الرئاسة في صون وحدة المؤسسة مع مسؤولية الحكومة في تطوير قدراتها وتوفير احتياجاتها. 

أما العلاقة مع بغداد، فينبغي أن تتقدّم نحو ترتيبات تُرى نتائجها على الأرض. حماية أجواء كوردستان جزء من حماية العراق، والتعاون في هذا الملف يتيح بناء ثقة يحتاج إليها الطرفان. والمطلوب، في رأيي، اتفاق عملي يحدّد مسؤوليات الإنذار والاستجابة، وأولويات الانتشار، وسبل دعم البيشمركة، مع متابعة مشتركة تمنع بقاء التفاهمات حبيسة الاجتماعات. إن نجاح بغداد في حماية مواطني الإقليم يعزّز معنى الشراكة، ويمنح المؤسسات الاتحادية رصيدًا من الثقة.

كذلك تستطيع العلاقة مع واشنطن أن تتطور عبر التدريب والتكنولوجيا والتعاون الاقتصادي، شرط أن تقترن المصالح المشتركة بالتزامات قابلة للتنفيذ. وأعتقد أن ما يمنح طرح مسرور بارزاني وزنًا هو سعيه إلى وصل هذه المجالات بعضها ببعض. لكن ترجمة هذا الطرح تتطلب الحذر من التعويل على الاستثمار وحده لتوفير الحماية؛ فالشركات تحتاج بدورها إلى بيئة آمنة، وإجراءات موثوقة، ومؤسسات قادرة على العمل عند الأزمات.

المهمة المقبلة أمام حكومة الإقليم هي أن تجعل المواطن شريكًا في نتائج هذا المسار. ويمكن أن يظهر ذلك في استقرار الخدمات، وحماية فرص العمل، وسرعة الاستجابة للأخطار، ووضوح المعلومات التي تُقدَّم للناس. وعندها يصبح الإنفاق الدفاعي مفهومًا في نظر المجتمع، لأن أثره يصل إلى تفاصيل حياته.

ولذلك كله أرى أن ما يستحق الدعم في رؤية مسرور بارزاني هو سعيه إلى منح كوردستان قدرة أكبر على حماية أمنها ومواصلة تنميتها وسط التحولات الإقليمية. ومن وجهة نظري، فإن امتلاك وسائل الدفاع، وتطوير مؤسسة البيشمركة، وتوسيع الشراكات الدولية، ينبغي أن تصبّ جميعها في غاية واضحة: حماية حق الناس في حياة مستقرة، وصون ما يبنونه بعملهم وتضحياتهم. فكل مشروع اقتصادي يحتاج إلى حماية، وكل فرصة عمل تحتاج إلى بيئة يطمئن فيها صاحبها إلى الغد.

وأعتقد بشكل جازم أن دعم هذه الرؤية يقتضي الدفع نحو تنفيذها، ومتابعة نتائجها بوضوح. والمسؤولية أمام حكومة الإقليم هي تحديد الأولويات، وتوفير الموارد، وربط الخطط بمواعيد ومسؤوليات يمكن مساءلة المؤسسات عنها. وأرى أن المعيار الأهم للنجاح سيكون مقدار ما يلمسه المواطن من تحسّن في أمنه واستقرار خدماته ومصدر رزقه؛ فهناك تتجسد قيمة الإصلاح والشراكات والاتفاقات.

إن المستقبل الذي يستحقه أهل كوردستان هو أن يخططوا لحياتهم بثقة، وأن يرسلوا أبناءهم إلى المدارس مطمئنين، وأن تبقى مشاريعهم ومصالحهم قادرة على الاستمرار مع تغيّر ترتيبات الوجود العسكري الدولي. وهذا، في تقديري، هو الاختبار الحقيقي لرؤية مسرور بارزاني: أن تمنح الإقليم قدرة مستدامة على حماية مواطنيه، وأن تجعل ما تحقق من إعمار وتنمية أساسًا راسخًا تستطيع الأجيال المقبلة أن تبني عليه.