نكهة تتوارثها الأجيال.. خبز كويه التراثي في طريقه إلى لائحة "اليونسكو"
أربيل (كوردستان24)- في أزقة قضاء كويه العريق وشوارعه ومقاهيه الشعبية، يتنفس التاريخ ذكريات الماضي في كل زاوية. ومن بين أبرز معالم هذا الإرث الحي، تبرز "كليرا با رون" (الخبز بالزيت والسمسم أو ما يُعرف محلياً بـ "الأستوك")؛ تلك الأكلة التراثية التي ارتبطت بوجدان الأهالي وذاكرتهم لعقود طويلة، ولم تعد مجرد وجبة شعبية، بل تحولت إلى رمز ثقافي يستعد اليوم لدخول العالمية عبر بوابة منظمة "اليونسكو".
نكهة متجذرة في ذاكرة المدينة:
برفقة الباحث يوسف كمال، خاضت كاميرا "كوردستان 24" جولة لاكتشاف سر هذا الموروث الغذائي. يؤكد الباحث يوسف أن مذاق "كليرا با رون" يعيد للذاكرة تفاصيل كويه القديمة وأصالتها؛ إذ تتفرد المدينة بطريقة إعداد ونكهة خاصة لا تشبه أي مكان آخر في الإقليم، وتوارثتها الأجيال عاماً بعد عام دون أن تفقد بريقها.
صناعة يدوية وسر متوارث منذ 40 عاماً:
داخل أفران كويه التقليدية، يواصل الخبازون الحفاظ على الطريقة الأصلية في التحضير. يقول الخباز ريباز ياسين، الذي يعمل في هذه المهنة منذ نحو 20 عاماً:
"تاريخ صناعة هذا الخبز في كويه يعود لأكثر من 40 عاماً. جميع مراحل العمل تتم يدوياً دون أي تدخل آلي، بدءاً من العجين وحتى الفرد والخبز. نستخدم الزيوت التقليدية ونرش السمسم الخالص، ولا نستخدم زيت الزيتون لأنه لا يتحمل حرارة الأفران العالية. هذا الخبز يُطلب بكثرة ويُباع بسعر مناسب (8 أقراص بألف دينار عراقي)، ولا يقتصر طلبه على سكان المدينة، بل يُرسل بطلبيات خاصة إلى دول عدة، من بينها بريطانيا">
شغف يتحدى المسافات:
لم يقتصر الإقبال على "كليرا با رون" على أهالي كويه فقط، بل بات مقصداً لعشاقه من مختلف المدن. يقول "حاجي دلزار حسين"، وهو أحد الزبائن المترددين على كويه باستمرار:
"أقطع مسافة أكثر من 50 كيلومتراً قادماً من أربيل كل أسبوع، وأحياناً مرتين أسبوعياً، فقط لشراء هذا الخبز. رغم وجود محاولات لصنعه في أربيل ومناطق أخرى، إلا أن نكهة وطعم خبز كويه تبقى فريدة ولا يمكن مضاهاتها"
مساعٍ لتدويل الموروث عبر "اليونسكو":
هذه القيمة الرمزية والاجتماعية دفعت نخبة من الباحثين، وفي مقدمتهم الأستاذ يوسف، إلى إعداد ملف ومشروع متكامل لتقديم "كليرا با رون" إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) لتسجيلها ضمن قائمة "التراث الثقافي اللامادي العالمي".
ويرى يوسف أن هذه الوجبة تستوفي الشروط الدولية؛ لكونها علامة حصرية مسجلة باسم المنطقة، ولارتباطها الوثيق بتاريخ وهوية المجتمع المحلي وثقافته الحية.
في قضاء كويه، لا تزال الموائد والمقاهي عامرة بعاداتها الأصيلة، وتظل "كليرا با رون" وجبة رئيسية في الصباح والمساء، شاهدةً على هوية مدينة عريقة تنطلق من أزقتها التراثية نحو العالمية.
تقرير: شيماء بايز – كوردستان 24 - قضاء كويه (كويسنجق)