خان "الكمرك" في الموصل.. شريان تجاري عريق ربط نينوى بكوردستان والمنطقة لمئات السنين
أربيل (كوردستان 24)- في قلب الموصل القديمة، وتحديداً في منطقة "باب الطوب" التاريخية، ينتصب "خان الكمرك" كشاهد معماري فريد على قرون من النشاط التجاري والازدهار الاقتصادي. هذا الخان، الذي شكّل لقرون طويلة ملتقى للقوافل ومحطة رئيسية للتبادل التجاري، لم يكن مجرد سوق عابر، بل جسراً حيوياً ربط بين مدينة الموصل والمناطق المجاورة، لا سيما مدن وقرى إقليم كوردستان.
نقطة وصل بين جبال كوردستان وسهول نينوى
كان الخان يستقبل يومياً القوافل القادمة من أرياف نينوى ومناطق كوردستان العراق، محملةً بشتى أنواع المحاصيل الزراعية والغذائية التي تجود بها تلك المناطق.
وفي حديثه لمراسل كوردستان24، يستذكر المعمر والمؤرخ المحلي، الحاج محمود، الدور التجاري التاريخي للخان قائلاً:
"كانت هذه الخانات مركزاً حيوياً للتبادل التجاري، حيث تأتي القوافل من أطراف المدينة ومن شمالها ومناطق كوردستان، حاملةً محاصيل الحبوب والمواد الجافة مثل الحمص، والعدس، والرز، والحنطة، إضافة إلى الخضار والفواكه التي تُنتج في القرى والأرياف".
وأضاف: "كان التجار يفرغون بضائعهم في هذا الخان ويبيعونها بالعملات والمسكوكات المتداولة في تلك الأزمنة، ولم تكن العملية مجرد مقايضة، بل تجارة متكاملة تحكمها أسواق تخصصية كـ (سوق الحنطة) الواقع خلف الخان مباشرة".

ماذا كان يحمل تجار كوردستان في طريق العودة؟
لم تكن حركة التجارة باتجاه واحد؛ فبعد تفريغ حمولات القوافل القادمة من الشمال، كان تجار كوردستان يتزودون من أسواق الموصل القديمة بما تحتاجه عائلاتهم ومناطقهم.
ويوضح الحاج محمود ذلك بالقول:
"كان التجار يعودون إلى كوردستان محملين بأجود أنواع الأقمشة والمصنوعات الموصلية، وكل ما تحتاجه المنازل من بضائع ومستلزمات منزلية، ولاحقاً الأجهزة الكهربائية مع دخول عصر الكهرباء، حيث كانت الموصل مركزاً رئيساً للتوزيع والصناعة".
يقع "خان الكمرك" في منطقة باب الطوب، أحد أهم وأعرق الأبواب التاريخية للموصل القديمة. وتاريخياً، كانت الخانات تُبنى بمساحات واسعة تضم باحات داخلية (أحواش) وطوابق عليا لمبيت التجار، وطوابق سفلية لحفظ البضائع وإيواء الدواب.
سُمي بـ "خان الكمرك" لأنه كان المركز الرسمي لتحصيل الرسوم الجمركية والضرائب على البضائع الواردة إلى ولاية الموصل من مختلف الأقاليم والدول المجاورة خلال الحقب التاريخية المتعاقبة (لا سيما في العهد العثماني وحكم الأسرة الجليلية).
رغم تعرض أجزاء واسعة من الموصل القديمة للدمار خلال حرب تحرير المدينة، لا تزال هذه الخانات تقاوم الاندثار، وسط مطالبات محلية وثقافية مستمرة بإدراجها ضمن مشاريع إعادة الإعمار والترميم للحفاظ على الهوية التراثية والمعمارية للمدينة.
تقرير: درمان باعدري – كوردستان24 – الموصل