حرائق الغابات تجتاح جنوب تركيا.. إخلاء قرى وتدمير منازل وحالة وفاة وسط استنفار جوي وبري
أربيل (كوردستان 24)- واصلت فرق الإطفاء والإنقاذ، اليوم الأربعاء 9 أيلول/سبتمبر 2026، عملياتها المكثفة لمكافحة حرائق غابات واسعة النطاق اندلعت في ولايات أضنة وأنطاليا ومرسين جنوبي تركيا، في وقت أسفرت فيه النيران عن إخلاء قرى بأكملها، واحتراق عشرات المنازل والمنشآت الزراعية، فضلاً عن تسجيل حالة وفاة لمواطن إثر نوبة قلبية داهمته أثناء مشاركته في جهود الإخماد.
وتشهد مقاطعة كوزان التابعة لولاية أضنة حرائق متواصلة لليوم الثاني على التوالي؛ إذ انطلقت شرارة النيران صباح أمس في حي "إنيز تشاكيري"، وسرعان ما امتدت بفعل الرياح الجافة إلى غابات حي "دوغان ألاني". ومع تصاعد حدة ألسنة اللهب واقترابها من التجمعات السكانية، سارعت السلطات المحلية إلى إخلاء 40 منزلاً بصورة عاجلة، بينما التهمت النيران 7 منازل بالكامل وحولتها إلى ركام.
ولم تتوقف رقعة الحريق عند حدود كوزان، بل امتدت مع ساعات المساء لتصل إلى قضاءي ألاداغ وإمام أوغلو المجاورين؛ مما دفع فرق الطوارئ إلى إخلاء قريتي "موسولو" في إمام أوغلو و"دايلر" في ألاداغ كإجراء احترازي لتفادي محاصرة الأهالي. ورغم تراجع سرعة الرياح ليلاً، الأمر الذي حدّ جزئياً من اتساع الجبهة النارية، إلا أن الفرق الأرضية واصلت مرابطتها في الميدان طوال ساعات الليل، قبل أن تستأنف الطائرات والمروحيات طلعاتها الجوية المكثفة مع شروق شمس اليوم لصب آلاف الأطنان من المياه فوق بؤر التوتر المشتعلة.

وفي ولاية أنطاليا، دخل الحريق المندلع في قضاء أكسو يومه الثالث على التوالي وسط تضاريس صعبة وغابات صنوبرية كثيفة في حي "كارا أوز". وتسببت النيران في إصابة وتأثر 8 مواطنين باختناقات متفاوتة، فضلاً عن تدمير عدد كبير من المنازل والحظائر الزراعية ونفوق مواشٍ، قبل أن تنجح الفرق في تقليص حدة الطاقة الحرارية للجبهة النارية. وشهدت المنطقة مأساة إنسانية تمثلت في وفاة المواطن حسن كاهيا، أحد سكان حي "يشيل كرامان"، إثر إصابته بنوبة قلبية مفاجئة أثناء مساندته لفرق الإطفاء في محاصرة النيران التي اقتربت من محيط منزله، وفشلت المحاولات الطبية في إنعاشه عقب نقله إلى المستشفى.
وشهدت بلدات أنطاليا تلاحماً وتضامناً واسعاً من السكان المحليين الذين هبوا لمساندة فرق الإنقاذ الرسمية؛ حيث قام عشرات القرويين بنقل المياه من مسافات بعيدة على نفقتهم الخاصة باستخدام الجرارات الزراعية، وشاحنات الصهاريج، وخلاطات الخرسانة الجاهزة، لتغذية الأحواض الاصطناعية التي تعتمد عليها المروحيات في ملء خزاناتها (دلاء بامبي). وفي هذا السياق، أوضح شعبان ياغان، أحد سكان المنطقة المشاركين في الإسناد، أن الأهالي رابطوا لأيام لحماية قريتهم، وباتوا ليلتهم في تأمين تدفق المياه إلى أحواض الطائرات لضمان سرعة دوران الطلعات الجوية دون انقطاع.

ولم تقتصر المبادرات على المزارعين، بل انخرط عشرات الشبان من سائقي دراجات التوصيل (الدليفري) كمتطوعين في الخطوط الأمامية؛ حيث استغلوا قدرة دراجاتهم النارية على المناورة في المسالك الوعرة لإيصال مياه الشرب، والأغذية الخفيفة، والعصائر، والمستلزمات الأساسية إلى رجال الإطفاء العالقين في المنحدرات الجبلية التي يصعب وصول المركبات الكبيرة إليها. وتُدار العمليات الميدانية في أكسو عبر حافلة قيادة مركزية متطورة تعتمد على طائرات مسيرة لرصد الكتل الحرارية وتوجيه حركة الآليات؛ حيث يشارك في القضاء نحو طائرتين، و8 مروحيات، و182 صهريج إطفاء، و77 آلية بناء ثقيلة، إلى جانب 204 مركبات دعم لوجستي.
أما في قضاء كوملوجا بأنطاليا، فقد تمكنت الفرق من خفض شدة الحريق الذي اندلع في حي "توبتاش" قبل أن يمتد نحو حي "غوز أورين" الزراعي المليء بالبيوت البلاستيكية (الصوبات)؛ حيث أجلت قوات الدرك التركية سكان الحي وأبعدتهم عن مسار الدخان بعد تضرر نحو 10 منازل، قبل أن تعاود قاذفات المياه الجوية عمليات التبريد مع ساعات الصباح الأولى لتأمين المنطقة ومنع تجدد الاشتعال.

وفي ولاية مرسين المجاورة، أعلنت السلطات السيطرة بنسبة كبيرة على الحريق الذي اندلع في قضاء بوزيازي قرب منطقة أكساز؛ حيث هددت النيران مزارع وبيوت الموز الاستوائية المحاذية لغابات حي "تيكيلي". وشاركت في عمليات الإخماد طائرتان و5 مروحيات إطفاء ونحو 230 عنصراً برياً مدعومين بآليات ثقيلة تابعة لبلدية مرسين الكبرى ومديرية الغابات، ولا تزال الفرق تعمل على تبريد بؤر الجمر لضمان عدم اندلاعها مجدداً بفعل درجات الحرارة المرتفعة.
من جهتها، أصدرت المديرية العامة للغابات في تركيا (OGM) بياناً أكدت فيه إحراز تقدم ملموس بالسيطرة إلى حد كبير على حرائق كوملوجا وبوزيازي، وكسر حدة نيران قضاء أكسو، بالتوازي مع استمرار التدخل الشامل براً وجواً لحصار حريق كوزان في أضنة. ودعت المديرية المواطنين إلى استشعار المسؤولية الوطنية لحماية الغطاء النباتي، محذرة من إشعال النيران في المناطق الحرجية، أو حرق بقايا المحاصيل الزراعية (الحصيدة) والنفايات، ومشددة على أن أي إهمال بسيط أو شرارة متطايرة كفيلة بالقضاء على مساحات بيئية شاسعة وتدمير موائل آلاف الكائنات الحية.
المصدر: صحیفة حریت الترکیة