تحذير من بيع أراضٍ في منطقة ديرك يعيد ملف “الحزام العربي” إلى الواجهة

أربيل (كوردستان24)- حذّر أبناء عدد من القرى التابعة لمنطقة ديرك في محافظة الحسكة من إجراء أي عمليات شراء أو بيع لأراضٍ زراعية يقولون إنها تعود ملكيتها إلى أصحابها الأصليين بموجب سندات وصكوك ملكية.

ويشمل التحذير الأراضي الواقعة ضمن عقارات قرى “علوانكا شيخي”، “علوانكا عزيم”، “دكشوريا”، “وكاني كركا عباسا”، إضافة إلى الأراضي الممتدة من شرق “دكشوريا” باتجاه “علوانكا عزام” غرباً، ومن “كاني كركا عباسا “شمالاً إلى “كري ديرا “جنوباً، فضلاً عن الأراضي الواقعة بين عقاري قريتي “كورتبان وعلوانكا شيخي”.

وفقاً للبيان، تعود ملكية هذه الأراضي إلى أصحابها الأصليين،حيث جُرّدوا منها في إطار سياسات شهدتها محافظة الحسكة منذ عام 1962، ولاحقاً ضمن ما سمي “مشروع الحزام العربي”، معتبرين أن تلك السياسات استهدفت إحداث تغييرات في الوضع السكاني والملكية في المنطقة.

وأكد أصحاب الحقوق رفضهم لأي عمليات بيع تتم من دون موافقتهم، محذرين من أنهم لن يعترفوا بأي وثائق أو عقود شراء تنشأ عن مثل هذه العمليات، أياً كانت الجهة التي أصدرتها، ومطالبين بحماية حقوق الملكية ومعالجة ملف الأراضي ضمن الأطر القانونية.

وصدر بيان عن أبناء إحدى العائلات من قرية علي فرو بريف قامشلو "القامشلي" الشرقي، الذي أعاد ملف الأراضي المرتبطة بما عُرف بـ”مشروع الحزام العربي” إلى الواجهة، مع مطالبتهم بحماية ملكياتهم العقارية ووقف أي تصرف بالأراضي التي يقولون إنها تعود ملكيتها الأصلية للعائلة، استناداً إلى وثائق وأوراق رسمية بحوزتهم.

وطالب أبناء العائلة بمنع أي جهة أو شخص من استثمار الأراضي أو زراعتها أو بيعها أو تأجيرها أو إجراء أي تصرف قانوني أو فعلي عليها دون موافقتهم، محذرين من أن أي إجراء من هذا النوع قد يفاقم النزاع القائم حول الملكية ويفتح الباب أمام تبعات قانونية واجتماعية.

خلفية المشروع

عقب بناء سد الطبقة وتشكّل بحيرة الأسد، غمرت المياه مساحات واسعة من الأراضي الزراعية التي كان يقطنها مزارعون عرب في ريف الرقة. وبدلاً من معالجة أوضاعهم بعدالة، وظّفت الحكومة السورية تلك الكارثة البيئية لتنفيذ خطة هندسة ديمغرافية تعود جذورها إلى عام 1965، عندما اقترحت السلطات آنذاك “خلق شريط عربي” بعمق 10-15 كم، يمتد بطول الحدود السورية-التركية، ويمر بالمناطق الكُوردية في الجزيرة السورية، من المالكية/ديريك حتى رأس العين/سري كانيه.

وبينما قدّمت السلطات السورية المشروع كجزء من “الإصلاح الزراعي”، إلا أنّ الوثائق الرسمية والتقارير الحقوقية، وفي مقدمتها تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنّ الغرض الحقيقي كان منع تشكّل تواصل جغرافي كُوردي عبر الحدود، عبر تهجير السكان الكُورد وتوطين عائلات عربية مكانهم، بما يخدم سياسات الإنكار والتهميش.

وقد أُُسّست “قرى نموذجية” ضمن ما سُمّي لاحقاً بـ”مزارع الدولة”، بُنيت على أراضٍ صودرت من الكُورد وآخرون من سكان المنطقة، إما بحجّة الإصلاح الزراعي أو لأن أصحابها حُرموا من الجنسية بموجب الإحصاء الاستثنائي. وفي عام 1975، جرى توطين ما يناهز 4000 عائلة عربية في 41 قرية نموذجية، بينما مُنع الكُورد من العودة إلى أراضيهم، في خرق واضح لمبدأ المساواة وحق الملكية.

لم يكن مشروع “الحزام العربي” وليد لحظة واحدة أو إجراءً منعزلاً عن سياق تاريخي، بل جاء تتويجاً لمسار طويل من السياسات التمييزية الممنهجة بحق الكُرد في سوريا، تعود جذوره إلى ثلاثينيات القرن العشرين، حين بدأت السلطات السورية بالترويج لخطط تهدف إلى تهجير الكُورد من مناطقهم، ضمن رؤى قومية ضيقة تبنتها الحكومات المتعاقبة، انطلاقاً من قناعتها بأن الوجود الكُوردي يشكل تهديداً لوحدة سوريا العربي.

وفي هذا الإطار، نفذت الحكومة السورية في عام 1962 ما عُرف بـ “الإحصاء الاستثنائي” في محافظة الحسكة، وكان على الكُورد أن يثبتوا أنهم يعيشون في سوريا منذ عام 1945 على الأقل وإلا فقدوا جنسيتهم السورية، وبالتالي كل حقوقهم الأساسية. وبحسب تقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش” الصادر في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2009، تحت عنوان “إنكار الوجود: قمع الحقوق السياسية والثقافية للكورد في سوريا“:

“أجرت الحكومة الإحصاء في يوم واحد، ولم تمنح السكان ما يكفي من وقت أو معلومات عن العملية. وبالنتيجة، نزعت السلطات الجنسية عن نحو 120 ألف كُوردي، وتركتهم بلا جنسية في مواجهة مختلف أنواع المشكلات، من الحصول على الوظائف إلى الحصول على خدمات الدولة. نما عدد الكورد عديمي الجنسية في سوريا تزايد منذ ذلك التاريخ كي يبلغ نحو ثلاثمائة ألف، لأن أبناء عديمي الجنسية يعتبرون هم أنفسهم بلا جنسية بدورهم“.

وبعد استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963، تواصلت هذه السياسات القمعية، فجرى تعميق إنكار الهوية الكُوردية تحت غطاء تعزيز “القومية العربية”. ووفقاً لـ”هيومن رايتس ووتش”، شكل إنشاء “حزام عربي” يفصل الكُورد السوريين/ات عن نظرائهم/ن في تركيا والعراق، عنصراً محورياً في هذه السياسة:

“أعدت الحكومة خطة لـ “الحزام العربي” في عام 1965 وكان المخطط يشمل تشكيل حزام بعمق 15 كيلومتراً (نحو 9 أميال) على امتداد مساحة 280 كيلومتراً (174 ميلاً) بطول الحدود مع تركيا. وكانت الخطة تشمل أيضا ترحيل الكورد المقيمين في قرى تدخل في نطاق هذا الحزام في المناطق السورية“.

وبحلول أوائل السبعينيات، بدأت الحكومة بتنفيذ هذه الخطة عملياً،  لكن تحت مسمى مُغاير: “خطة إنشاء مزارع نموذجية للدولة في محافظة الجزيرة”. وقد أنشأت “قرى زراعية نموذجية” في المناطق الكُوردية، وجُهّزت لتُسكنها أسر عربية تم تهجيرها قسرياً من أراضيها التي غمرتها مياه سد الفرات. تمّت مصادرة أراضي الكُورد التي شُيدت عليها هذه القرى إما بذريعة “الإصلاح الزراعي” أو بذريعة أن ملاكها كانوا من عديمي الجنسية بسبب إحصاء عام 1962.

وفي عام 1975، أعيد توطين قرابة 4,000 أسرة عربية في 41 قرية نموذجية في قلب المنطقة الكُردية. وقبل تنفيذ هذا التوطين فعلياً، أُنشئت ما سُمّيت بـ”لجنة الغمر”، التي أوكل إليها إقناع أبناء العشائر العربية بترك أراضيهم المتضررة بفعل السد، والانتقال إلى الأراضي المصادرة من الكُرد. وكان الإيعاز إلى الجهات التنفيذية والأمنية في محافظة الحسكة بتهيئة الأرضية لإتمام الخطة، ونظمت السلطات زيارات على مدى عام كامل للممثلين عن تلك العشائر لاطلاعهم على المناطق المزمع توطينهم فيها والأراضي التي سيستثمرونها، رغم رفض جزء من السكان العرب آنذاك المشاركة في المشروع لأسباب أخلاقية ودينية.

ورغم أن الحكومة السورية أوقفت تنفيذ المشروع رسمياً عام 1976، إلا أنها لم تلغِ نتائجه، كما فإن تداعياته لا تزال قائمة حتى اليوم. فقد احتُفظ بالقرى النموذجية، ولم تُعد الأراضي المصادرة لأصحابها الشرعيين، ولم تُلغَ البنى التحتية التي أُنشئت خصيصاً لتنفيذ المشروع. وهكذا، استمر “الحزام العربي” كرمز حيّ للتمييز البنيوي الذي طال الكُورد لعقود.