العراق يشهد انسحاباً كاملاً للقوات الأمريكية وسط مخاوف من "فراغ أمني"
أربيل (كوردستان24)- مع مطلع يوم الأربعاء، 30 أيلول/سبتمبر 2026، أتمت القوات الأمريكية عملية انسحابها الكامل من آخر القواعد العسكرية التي كانت تتواجد فيها داخل العراق، ليسدل الستار بذلك على وجود عسكري استمر أكثر من عقدين، كلف الولايات المتحدة تريليونات الدولارات وآلاف الأرواح، لتبدأ البلاد مرحلة جديدة تُختبر فيها قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة ملف الأمن بقرار مستقل.
الجلاء الكامل
ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن هذا الانسحاب يأتي تنفيذاً لقرار الإدارة الأمريكية بإنهاء ما وصفه معارضون بـ "الحرب التي لا تنتهي". وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد مهد لهذا القرار خلال لقائه رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، في واشنطن يوليو الماضي، حين أكد أن "الولايات المتحدة لم تعد بحاجة لوجود قواتها في العراق"، مشيداً في الوقت ذاته بـ "القيادة العراقية الجديدة".
الزيدي أمام اختبار "حصر السلاح"
يواجه رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، تحدياً مصيرياً اليوم؛ إذ تنتهي المهلة التي حددها في وقت سابق للفصائل المسلحة لإنهاء وجودها المسلح وتسليم أسلحتها. ويؤكد الزيدي أنه لم يعد هناك أي مبرر قانوني أو وطني لبقاء سلاح خارج إطار الدولة بعد تاريخ 30 أيلول.
مخاوف من "الفراغ الأمني" وعودة داعش
وعلى الرغم من الدعم الشعبي الواسع لقرار الانسحاب، إلا أن أوساطاً أمنية وسياسية تبدي قلقها من تبعات هذا الانسحاب. وترى تقارير استخباراتية أن انسحاب "الغطاء الجوي" والاستطلاع الأمريكي، الذي كان ركيزة أساسية لملاحقة فلول تنظيم داعش، قد يمنح التنظيم فرصة لإعادة ترتيب صفوفه. وفي هذا السياق، يشير مراقبون إلى أن داعش ما يزال يحتفظ بـ "خلايا نائمة" قادرة على استغلال أي تراجع في الجهد الاستخباري الوطني.
طهران ومحور "المقاومة"
تشير المعطيات إلى أن طهران عززت دعمها للفصائل المسلحة في العراق، خاصة بعد التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة في الأشهر الماضية. وبحسب "وول ستريت جورنال"، فقد رصدت تقارير استخباراتية وصول شحنات جديدة من الطائرات المسيرة والصواريخ قصيرة وبعيدة المدى للفصائل، مما يشي بأن التحدي الأمني لا يقتصر على عودة داعش، بل يمتد إلى تنامي قوة "الفصائل الموالية لإيران" التي تسعى لتعزيز نفوذها في مفاصل الدولة عقب رحيل القوات الغربية.
تاريخ طويل من الحروب
منذ دخول القوات الأمريكية عام 2003، مروراً بسنوات الحرب ضد القاعدة، وصولاً إلى التحالف الدولي ضد داعش (2014-2017)، دفع العراق ثمناً باهظاً. وخلال العام الأخير، سجلت الساحة العراقية توترات غير مسبوقة، بما فيها هجمات طالت أهدافاً دبلوماسية وصولاً إلى أراضي دول الجوار، كان آخرها هجوم بطائرة مسيرة تسبب في توقف خطوط أنابيب نفطية إقليمية، مما دفع خبراء أمنيين، مثل جاسم البهادلي، للتحذير من أن "الفراغ الأمني في العراق غالباً ما يكون مدخلاً لكوارث استراتيجية".
مستقبل الدولة بين "السيادة" و"الاستقرار"
بينما تحتفل بغداد بـ "يوم السيادة"، يبقى السؤال الجوهري لدى المراقبين: هل تمتلك القوات الأمنية الوطنية، التي دُربت ومولت بمليارات الدولارات، القدرة على حماية الأجواء والحدود بمفردها؟ خاصة في ظل افتقار العراق لمنظومات دفاع جوي متطورة قادرة على ردع الطائرات المسيرة التي باتت السلاح المفضل للفصائل المسلحة.
وسط هذه المشهدية المعقدة، تترقب الأنظار الخطوات التي سيتخذها رئيس الوزراء علي الزيدي في إدارة هذه المرحلة الحساسة، ومدى قدرته على تحويل "السيادة الوطنية" من شعار إلى واقع أمني مستقر يمنع انزلاق البلاد نحو مجهول الصراعات الداخلية أو الإقليمية.