هل تنجح استراتيجية "الضغط الصامت" في نزع سلاح الفصائل العراقية وتفادي الحرب الأهلية؟

أربيل (كوردستان24)- لم تعد الفصائل المسلحة العراقية تمثل مجرد تحدٍ سياسي أو أمني محدود، بل تحولت بفعل امتلاكها السلاح والنفوذ والقدرة على الحركة خارج نطاق القرار الحكومي إلى عامل يهدد استقرار الدولة وأمنها واقتصادها بشكل مباشر. وتزداد خطورة هذه الفصائل عندما تسعى لتقديم نفسها في الوقت ذاته بوصفها جزءاً من المؤسسات الرسمية وقوة مستقلة لا تخضع بالكامل لقراراتها، لتستفيد بذلك من شرعية الدولة ومواردها المالية واللوجستية، مع احتفاظها التام بقدرتها على تجاوز سلطة القانون عند الضرورة.

وعلى الصعيد الأمني، يؤدي تعدد مراكز القرار إلى إضعاف الدولة وإرباك مؤسساتها؛ إذ يجد القرار الأمني نفسه في حالة عجز حقيقي عندما تستطيع جماعة مسلحة إصدار تهديد أو تنفيذ هجوم أو التحرك ميدانياً دون تفويض رسمي واضح. وتنعكس هذه الازدواجية سلباً على المجتمع، حيث يجد المواطن نفسه أمام أكثر من جهة تدعي حماية البلاد وتحدد مفهوم الخطر وآليات الرد، وهو ما يقوض الثقة الشعبية بالمؤسسات النظامية المتمثلة في الجيش والشرطة والقضاء.

ولا تتوقف هذه التداعيات عند الشأن الداخلي، بل تمتد لتضع العراق في قلب التصعيد الإقليمي والدولي؛ فالهجمات التي تستهدف أهدافاً أجنبية أو بعثات ومصالح دبلوماسية، حتى وإن نُفذت بمعزل عن إرادة الحكومة، تحمل الدولة العراقية تبعات سياسية وأمنية وقانونية، وتفتح الباب أمام ردود عسكرية وعقوبات وضغوط دولية مضاعفة، مما يحول الساحة العراقية إلى ميدان لتبادل الرسائل بين القوى الخارجية ويدفع المدنيون ومؤسسات الدولة ثمن صراعات لا يملكون قرار بدايتها أو نهايتها.

وفي تشخيصه لطبيعة التعامل الرسمي مع هذا الملف، أكد الخبير الأمني والاستراتيجي سيف رعد، في تصريحات لـ"كوردستان24 عربية"، أن معالجة ملف السلاح خارج إطار الدولة تتجه حالياً نحو مسار الضغط الإداري والاقتصادي وتجفيف التمويل، بدلاً من اللجوء إلى خيار الصدام العسكري المباشر الذي قد ينذر بتهديد السلم الأهلي. وأوضح رعد أن تمسك بعض الفصائل بسلاحها يعود إلى عقيدة إقليمية مرتبطة بالصراع الخارجي وضمن ما يعرف بـ"محور المقاومة"، متخذة من ضعف الدفاعات الجوية وغطاء "هيئة الحشد الشعبي" مبرراً للبقاء، رغم افتقارها للقدرات الفنية اللازمة لمواجهة الخروقات الجوية.

وأشار الخبير الأمني إلى أن الفصل المعلن بين القيادة السياسية للحزب وجناحه المسلح يعد مجرد إجراء شكلي للالتفاف على متطلبات قانون الأحزاب، وذلك ضمن مناورة سياسية تدرك الحكومة من خلالها أن التطبيق الفوري والصارم للقانون قد يفضي إلى إقصاء كتل برلمانية وازنة من المشهد. وكشف رعد عن اعتماد الحكومة استراتيجية تقوم على "التطويق والإنهاك القانوني والإداري" عبر مهلة زمنية ممتدة حتى منتصف عام 2027، وتهدف هذه الخطة إلى الدمج التدريجي للأفراد، وعزل الألوية غير الممتثلة وقطع مخصصاتها المالية، وصولاً إلى إصدار مذكرات قبض قضائية بحق القيادات الرافضة. وشدد رعد على أن الحكومة الائتلافية ستفقد شرعيتها داخلياً ودولياً في حال استُخدم السلاح ضد أي طرف سياسي، لافتاً إلى أن المكونات المدنية وغير المسلحة تملك ورقة "فيتو" حاسمة تتمثل بالانسحاب من تحالف "إدارة الدولة" لإسقاط الشرعية عن أي نفوذ مسلح يتحرك خارج القانون.

ويتصل هذا المشهد الأمني بضغوط داخلية متزايدة تفرض نفسها على الواقع السياسي؛ إذ يمنح السلاح بعض الفصائل قدرة على التأثير المباشر في الاستحقاقات الانتخابية ومفاوضات تشكيل الحكومات وتوجيه القرارات التشريعية والتنفيذية، وهو ما يجعل المنافسة السياسية غير متكافئة ويفرغ المؤسسات الدستورية من قيمتها الديمقراطية حين يعجز القانون عن محاسبة الأطراف الأكثر تسلحاً ونفوذاً.

من جانبه، صرح الأستاذ في الجامعة المستنصرية ببغداد الدكتور غالب الدعمي لـ"كوردستان24 عربية"، بأنه ليس هناك أي مسوغ أو مبرر لبقاء السلاح خارج سيطرة وسلطة الدولة. وأوضح الدعمي أنه بعد انسحاب التحالف الدولي والقوات الأمريكية من العراق، لا بد لهذه الفصائل من تسليم سلاحها أو حله، أو الاندماج بشكل رسمي وكامل ضمن المؤسسات الأمنية النظامية.

وفيما يتعلق بالمشهد السياسي والانتخابي، رجح الدعمي تفعيل وتطبيق البنود القانونية الصارمة في الانتخابات المقبلة، والتي تحظر مشاركة وترشح أي جهة أو قوى سياسية تمتلك أجنحة أو فصائل مسلحة، مؤكداً أن تلك القوى لن تستطيع التمرد على هذا المسار، وفي حال الرفض فسيتم التعامل معها بحزم وفق القانون العراقي. وحول الهواجس الأمنية المتعلقة بمرحلة ما بعد انسحاب التحالف الدولي، أقر الدعمي بوجود مخاوف لدى مختلف المكونات العراقية الشيعية والسنية والكوردية، إلا أنه شدد في الوقت ذاته على أن الدولة هي الضامن والكفيل الوحيد لحماية كافة الأراضي العراقية وصونها من أي استهدافات مكوناتية أو تهديدات أمنية.

أما على الصعيد الاقتصادي، فإن وجود قوى مسلحة ذات نفوذ مستقل ينعكس سلباً وبشكل حاد على بيئة الاستثمار وحركة الإنتاج؛ إذ تتطلب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية مناخاً مستقراً وقضاءً مستقلاً وقواعد عمل شفافة تحت مظلة احتكار الدولة للقوة، بينما يؤدي تعدد الجماعات المسلحة وتضارب مراكز النفوذ إلى رفع كلفة الاستثمار، وزيادة مخاطر الابتزاز المالي، واتساع رقعة الفساد، الأمر الذي يدفع المستثمرين إلى مغادرة البلاد وتجنب الدخول في مشاريع تنموية جديدة.

ويتعاظم خطر الفساد في ظل هذا التشابك بين السلاح والاقتصاد؛ فعندما تمتلك الجهة المسلحة نفوذاً سياسياً وقدرة على فرض الأمر الواقع بالقوة، تصبح الرقابة والمساءلة على أنشطتها المالية والإدارية أمراً بالغ الصعوبة، وهو ما يقود بدوره إلى تعطيل قواعد التنافس العادل، وإقصاء الشركات المستقلة، وتوزيع العقود والمشاريع وفق الولاءات السياسية بدلاً من الكفاءة، مما يؤدي إلى شلل القطاع الخاص وتقييد فرص التنمية الاقتصادية الشاملة.

وفي المحصلة، فإن مواجهة هذا الخطر المتشعب لا تعني بأي حال إنكار تضحيات المقاتلين أو استهداف مكون اجتماعي بعينه، بل تتطلب بالضرورة إخضاع جميع التشكيلات المسلحة لقيادة الدولة والقانون، من خلال توحيد سلسلة الأوامر العسكرية، وتنظيم مصادر التمويل والانتشار وحمل السلاح، وتفعيل أدوات الرقابة البرلمانية والقضائية، والفصل التام بين العمل الحزبي والنشاط المسلح، مع محاسبة حازمة لكل جهة تثبت مسؤوليتها عن تهديد أمن البلاد أو الإضرار باقتصادها الوطني ومستقبل شعبها.