بين الاختناق الاقتصادي والحشد العسكري الأمريكي.. طهران أمام خيارات حاسمة
أربيل (كوردستان 24)- تُواجه القيادة الإيرانية، ضغوطاً متصاعدة هي الأشد منذ اندلاع المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة قبل سبعة أشهر، في ظل تدهور اقتصادي غير مسبوق وحصار بحري خانق لصادرات النفط، يتزامنان مع توسيع واشنطن انتشارها العسكري في مياه الخليج، ما يضع طهران أمام خيارين أحلاهما مرّ: تقديم تنازلات مؤلمة لإنعاش المسار الدبلوماسي، أو الذهاب نحو تصعيد عسكري مفتوح.
انهيار اقتصادي وشلل في التصدير
تعيش طهران واقعاً اقتصادياً بالغ التعقيد؛ إذ لامس معدل التضخم السنوي نحو 90%، بينما واصلت العملة المحلية (الريال) هبوطها الحاد، فاقدة نحو 25% من قيمتها مقابل الدولار خلال الشهرين الماضيين فقط، وما يقارب 50% منذ مطلع العام الجاري، الأمر الذي قوض القدرة الشرائية للسكان بشكل غير مسبوق، وأدى إلى ارتفاع قياسي في أسعار السلع والمواد المستوردة.
وعلى الصعيد النفطي، الذي يمثل شريان الحياة الرئيسي للموازنة الإيرانية، أظهرت بيانات تتبع الناقلات أن طهران لم تتمكن من تحميل أي ناقلة بالنفط الخام خلال شهر أيلول/سبتمبر المنصرم، وذلك للمرة الأولى منذ بدء الحرب، نتيجة الإغلاق البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية. ورغم استمرار طهران في تزويد بعض المصافي الصينية بالنفط عبر المخزونات العائمة في عرض البحر، إلا أن هذه المخزونات تتجه نحو النفاد تدريجياً، دون وجود قدرة على تعويضها.
ودفع هذا الحصار البحري السلطات الإيرانية إلى محاولة إعادة توجيه تجارتها عبر المنافذ البرية وبحر قزوين، مسجلةً زيادة في حركة الشاحنات والتكدس عند المعابر الحدودية مع تركيا وباكستان، إلى جانب الاعتماد على المسار البحري الشمالي نحو روسيا. غير أن هذه المسارات البديلة تصطدم بمحدودية طاقتها الاستيعابية، ما يجعلها عاجزة عن تعويض الخسائر الناجمة عن تعطل الملاحة في الخليج.
اتساع العقوبات وتدابير داخلية طارئة
ولم يقتصر الضغط الاقتصادي على حظر الطاقة؛ إذ وسعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مطلع تشرين الأول/أكتوبر الجاري نطاق العقوبات ليشمل كبرى شركات صناعة السيارات والسكك الحديدية الإيرانية. كما انعكست القيود الصارمة المفروضة على قطاع الطيران على حركة الملاحة الجوية؛ حيث توقفت الرحلات الإيرانية إلى دولة الإمارات استجابة لمخاوف الشركات من العقوبات الثانوية، بالتوازي مع اضطرابات حادة في الرحلات المتجهة إلى العراق وتركيا وسلطنة عُمان.
وتزيد هذه الأعباء من حساسية الوضع الداخلي، في وقت تحاول فيه الحكومة الإيرانية خفض عجز الموازنة مع تفادي إشعال موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية. وفي مسعى لامتصاص الاحتقان، أقدمت بلدية طهران خلال الأيام الماضية على تثبيت أسعار 12 سلعة غذائية أساسية لمدة ستة أشهر عبر منافذ التوزيع العامة، بعد أن اضطرت السلطات في أيلول/سبتمبر الماضي إلى تقليص دعم الوقود جزئياً لترشيد النفقات.
تراجع ورقة "مضيق هرمز"
طوال أشهر المواجهة، شكل التهديد بإغلاق مضيق هرمز أبرز أوراق القوة بيد طهران للضغط على أسواق الطاقة ورفع أسعار النفط العالمية؛ ما يفرض كلفة سياسية داخلية باهظة على الرئيس ترامب مع وصول سعر البرميل إلى حدود 100 دولار. لكن البيانات الأخيرة تشير إلى انحسار تدريجي لهذا النفوذ؛ حيث قفزت صادرات النفط الخام السعودية إلى نحو 6.1 ملايين برميل يومياً في أيلول/سبتمبر مقارنة بـ 3.4 ملايين في آب/أغسطس، فيما تشير تقديرات مصرف "جي بي مورغان" إلى أن شحنات الخام الإقليمية تعافت لتبلغ 17.5 مليون برميل يومياً، ما يعادل 98% من مستويات ما قبل الحرب.
ورغم تباين التقييمات بين مسؤولين دفاعيين إقليميين يرون أن طهران ما زالت تحتفظ بقدرات تعطيلية واسعة في المضيق، وآخرين في قطاع الطاقة يؤكدون أن فاعلية هذا التهديد آخذة في التراجع أمام تدفق الناقلات، فإن المعطيات الميدانية تشير إلى أن واشنطن باتت تشعر بقدر أكبر من التحكم في الممر المائي الاستراتيجي مقارنة بالأسابيع السابقة.

حشد عسكري وحسابات الانتخابات الأمريكية
عسكرياً، تواصل واشنطن تعزيز حضورها الميداني قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل؛ حيث أرسلت وزارة الدفاع الأمريكية حاملة الطائرات "يو إس إس ثيودور روزفلت" يرافقها نحو 10 آلاف جندي من مشاة البحرية والبحارة نحو الشرق الأوسط. وبوصول هذه القوة، قد يرتفع عدد مجموعات الحاملات الأمريكية العاملة في المنطقة إلى ثلاث مجموعات قتالية، وهو مستوى انتشار عسكري لم تشهده المنطقة منذ بداية حرب العراق عام 2003.
من جانبها، تدرك طهران الحسابات السياسية الدقيقة للرئيس الأمريكي في ظل استياء الناخبين من ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الحرب، وتستبعد التوصل إلى اتفاق سياسي قبل موعد الانتخابات، ملوحة في المقابل بقدرتها على الرد والانتقام العسكري؛ إذ أعلن الحرس الثوري استعداده لتوجيه "رد فوري ومؤلم" لأي تحرك عسكري، مؤكداً استعداده لمواجهة حملة قصف أمريكية محتملة بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي.
أفق مسدود وترقب للانفجار
ورغم المحاولات الإيرانية غير المباشرة لتخفيف حدة الاحتقان—والتي شملت طرح مقترح لهدنة مدتها سبعة أيام، وإشارات وزير الخارجية عباس عراقجي بشأن إمكانية استئناف التعاون مع المفتشين الدوليين لمنشآت الطاقة الذرية—إلا أن الفجوة الدبلوماسية بين الجانبين لا تزال واسعة للغاية.
ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن كلاً من واشنطن وطهران وصلتا إلى مرحلة حافة الهاوية؛ فبينما يراهن تيار داخل طهران على امتصاص الصدمات الاقتصادية وانتظار تراجع الإدارة الأمريكية تحت وطأة الضغوط الداخلية واستنزاف قواتها البحرية، يلوح ترامب بتكثيف الضربات بعد الانتخابات، ما يجعل المنطقة أمام مسار محفوف بالمخاطر تتأرجح نهاياته بين تسوية إجبارية بتقديم تنازلات غير مسبوقة أو الانزلاق إلى جولة تصعيد عسكري شامل لا رجعة فيه.
المصدر: وکالة بلومبیرغ الاخباریة