يعود لأكثر من قرن.. أربيل تُعيد إحياء منزل تراثي في "حي العرب" وتحوّله إلى متحف شاهد على التَّعايش

أربيل (كوردستان 24)- باستثناء الذكريات العالقة بين شقوق جدرانه، لا يقطن هذا البيت أحد؛ لكن كل حجر وزاوية فيه تختزل حكايا أناس غابوا عن المكان وبقيت آثارهم شاهدة على حقبة من تاريخ أربيل العريق.

فهنا، في "حي العرب" القديم المجاور لقلعة أربيل التاريخية، يقف هذا المنزل الذي شُيّد قبل أكثر من قرن من الزمان، ليكون شاهداً حياً على ذاكرة المدينة وروحها التراثية.

وبعد سنوات طويلة من الإغلاق والنسيان، أطلقت بلدية أربيل بالتعاون مع إحدى المنظمات المحلية مشروعاً طموحاً لإعادة بعث الحياة في هذا المنزل التراثي وسائر بيوت الحي؛ حيث تجري أعمال الترميم بدقة بالغة وفق الطراز المعماري القديم، تمهيداً لتحويله إلى صرح ثقافي ومتحف حيّ يفتح أبوابه للزوار والباحثين.

من الإهمال إلى متحف حي

ويُعد هذا المنزل نقطة انطلاق لخطة أوسع تقودها بلدية العاصمة أربيل لتأهيل الأحياء التراثية في محيط القلعة التاريخية؛ فبينما رُمم المنزل المستهدف ليكون متحفاً وثائقياً، تتواصل الأعمال الميدانية لإعادة ترميم وتأهيل واجهات وأزقة المنازل المجاورة، بما يضمن حمايتها من الاندثار وصون قيمتها الجمالية والتاريخية.

ذكريات السبعين عاماً.. العم خالد لم يفارق الحي

وعلى مقربة من المنزل، يسترجع العم خالد هِيمَن شريط ذكريات لا يغيب عن مخيلته. فقد وُلد هنا عام 1952، وظل وفياً لحيّه القديم على مدى سبعة عقود.

ويقول العم خالد في حديثه لـ كوردستان 24:
"ولدتُ هنا في هذا الحي عام 1952، ولم أفكر يوماً في مغادرته أو تركه؛ فأصدقاء طفولتي وشبابي هنا، وعملي في السوق القديم يقع على بُعد خطوات. والأهم من ذلك كله، هو حجم الاحترام والصلات الطيبة التي كانت تجمع الجيران في هذا المكان، وهي قيم وتماسك اجتماعي لا تجده في أي مكان آخر".

قرنان من التآخي.. لوحة تعايش فريدة تجمع كل المكونات

ولا تقف حكايات الحي عند حدود القرن الماضي، بل تمتد جذور بعض عائلاته إلى نحو 200 عام؛ ومنهم السيد عامر سيّد غانم، الذي ما زال يحفظ أدق التفاصيل عن عهد الأجداد وطبيعة الحياة في ذلك الزمان الجميل.

ويصف السيد عامر روح التآخي التي تميزت بها أربيل قائلاً:
"كنا نعيش بقلب واحد ونوايا نقية وصافية؛ نحب بعضنا ونشترك في كل شيء. حين كان يحل بأحدنا حزن أو فرح، لم نكن ننظر إلى دين أو قومية؛ فلا فرق بين مسلم ومسيحي، بل كنا نقف يداً واحدة دائماً: كورد، وعرب، ومسيحيون، وإيزيديون، وكاكائيون، نتشارك الخبز والمواقف".

ويضيف معبراً عن ارتياحه لخطوات الحفظ العمراني:
"غمرتني سعادة بالغة حين بدأت آليات البلدية وفرق الترميم عملها لإحياء هذه المنازل القديمة؛ لأن ذلك يعني حفظ ذاكرة هذا التعايش العظيم لأبنائنا وأحفادنا".

أصالة صامدة في ظلال القلعة

يتميز "حي العرب" بموقعه الجغرافي الاستراتيجي الملاصق لقلعة أربيل الأثرية ومعالمها التاريخية، حاملاً بين أزقته الضيقة قصص مئات الأسر التي شيدت تفاصيل الحياة اليومية للمدينة.

ورغم موجات التطور العمراني السريعة التي شهدتها أربيل في السنوات الأخيرة، ظل هذا الحي متمسكاً بهويته وعبقه القديم، لترسم مشاريع الترميم الحالية بداية جديدة لمستقبل تُصان فيه ذاكرة المكان ورموز التآخي الإنساني في عاصمة إقليم كوردستان.

تقریر: شیماء بایز – كوردستان24 – اربیل