تعديل سعر الصرف في العراق.. مكاسب للخزينة وتحذيرات من موجة تضخم

معضلة موازنة 2027: هل يعالج خفض العملة العجز الهيكلي أم يرحّل الأزمة؟

أربيل (كوردستان24)- تشهد الأوساط الاقتصادية والسياسية في العراق نقاشاً حاداً عقب توجه الحكومة واللجنة المالية النيابية نحو اعتماد تعديل جديد لسعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الأمريكي ضمن مسودة مشروع قانون الموازنة الاتحادية لسنة 2027. ويقضي هذا التعديل بتحديد سعر الصرف الرسمي عند حدود 1,500 دينار لكل دولار، مقارنة بالسعر السابق البالغ 1,300 دينار؛ في خطوة تستهدف تقليص العجز المالي وتضييق الفجوة المتنامية مع السوق الموازي.

ولم يكن هذا التوجه وليد اللحظة أو معزولاً عن الواقع المالي المعقد، بل جاء استجابة مباشرة لضغوط هيكلية حاصرت الموازنة العامة، وفي مقدمتها تأمين فاتورة الرواتب والنفقات التشغيلية للموظفين والمتقاعدين. فالسعر المقترح يتيح للخزينة تحويل الإيرادات النفطية المقومة بالدولار إلى كتلة دينارية أكبر، مما يمنح وزارة المالية متنفساً لتغطية التزاماتها المتصاعدة دون اضطرار للاقتراض الداخلي المباشر، ويحقق وفورات محلية بمليارات الدنانير، إلى جانب لجم عمليات المضاربة عبر تقريب السعرين الرسمي والموازي.

هذه الحسابات الرقمية وضعت القرار سريعاً في ميزان التقييم القانوني والتشريعي؛ إذ يرى الخبير القانوني الدكتور أمير الدعمي، في تصريح لـ"كوردستان24 عربية"، أن لجوء الحكومة لرفع سعر صرف الدولار لم يأتِ اعتباطاً، بل كان "قراراً اضطرارياً أملته التركة المالية الثقيلة المتمثلة بالمديونية وتفاقم العجز"، عادّاً أن قرار خفض السعر في السابق كان "خاطئاً بنسبة 100% واستنزف خزينة الدولة بشكل كبير".

غير أن الدعمي استدرك ليؤكد أن المعالجة النقدية وحدها لا تصنع حلاً مستداماً؛ إذ شدد على أن رفع السعر «غير كافٍ بمفرده» ما لم يُعضَّد بحزمة إصلاحات إدارية وقانونية موازية، تشمل خفض رواتب الدرجات الخاصة وإلغاء امتيازاتها، والإسراع في إقرار قانون سلم الرواتب لترسيخ العدالة، بالتوازي مع فرض قبضة حكومية حازمة على السوق الموازي.

وفي معرض تفكيكه للصلاحيات الدستورية الناظمة لهذا الإجراء، بيّن الدعمي أن جني أرباح فروق العملة "قانوني بحت ويصب في مسار سد العجز والسيطرة على الديون"، موضحاً أن رسم السياسة النقدية اختصاص حصري ومستقل للبنك المركزي، "لكن لمجلس النواب الحق الكامل في التدخل وإقرار سعر محدد ضمن قانون الموازنة، وحينها يصبح تنفيذه واجباً ملزماً على الحكومة".

وإذا كانت الضرورات المالية والحجج القانونية تمنح التعديل مشروعيته داخل أروقة القرار، فإن الوجه الآخر للعملة يكشف عن ارتدادات مباشرة وقاسية على القوة الشرائية للمواطنين، في ظل اعتماد الاقتصاد العراقي الهيكلي على الاستيراد لتلبية الاحتياجات المعيشية. فانخفاض قيمة الدينار يلتهم تلقائياً المداخيل الثابتة للطبقات الوسطى والهشة أمام موجات التضخم التي تصيب السلع الغذائية والدوائية، وتتعاظم هذه المعاناة لدى عمال المياومة والقطاع الخاص الذين تظل أجورهم راكدة في مواجهة تكاليف المعيشة الآخذة في الارتفاع.

وفي خضم هذا التجاذب بين متطلبات الخزينة وحماية الجيوب، تؤكد الباحثة الاقتصادية الدكتورة ندى طاهر لـ«كوردستان24 عربية» أن تعديل سعر الصرف لا يمثل "مكسباً صافياً" للموازنة ولا "خسارة مطلقة" للمواطن، بل ينطوي على إعادة توزيع للأعباء الاقتصادية بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص، محذرة من اختزال الاستدامة المالية في تغيير الأرقام بمعزل عن إصلاح شامل، ومطالبةً بخطوات تمهيدية وشفافة تمنح الأسواق فسحة زمنية لاستيعاب المتغيرات وتفادي "الصدمات المباغتة".

 

وفصّلت ندى طاهر المشهد بالموازنة بين سيناريوهين:

الإبقاء على سعر الصرف الحالي: يحمي استقرار الأسعار ويكبح التضخم، لكنه يُبقي العوائد النفطية المقومة بالدينار منخفضة، مما يفاقم عجز الموازنة مع تصاعد وتيرة الإنفاق.
اعتماد سعر (152 ألف دينار لكل 100 دولار): يمنح المالية مساحات سيولة واسعة لتقليص العجز، لكنه يلقي بتبعات تضخمية فورية على الأسواق والمستهلكين والمدخلات الإنتاجية.


ولا تتوقف هذه الارتدادات عند حدود الموازنة والمستهلك، بل تمتد بتأثيراتها لتطال مفاصل النشاط الاقتصادي بصورة متباينة؛ فالقطاع التجاري يتصدر قائمة المتضررين لارتفاع تكاليف الاستيراد وتقلص هوامش الأرباح، بينما يواجه القطاعان الصناعي والزراعي غلاء الآلات والمواد الأولية المستوردة مقابل فرصة نسبية لمنافسة المستورد، في حين يرزح القطاع المصرفي تحت وطأة تذبذب الطلب وإعادة تقييم الموجودات، ويشهد قطاع المقاولات تضخماً في تكاليف المشاريع. أما قطاع النفط، فيكتفي بتحقيق وفورات دفترية ناتجة عن فروق التصريف دون أي نمو حقيقي في طاقته الإنتاجية.

هذا التباين القطاعي يسلّط الضوء على مأزق أعمق؛ إذ يصطدم تطبيق السعر الجديد بغياب البديل المحلي وضعف الإنتاج الوطني، ما يحول خفض العملة إلى وقود للتضخم بدلاً من أن يكون حافزاً للصناعة، فضلاً عما يواجهه التوجه من معارضة سياسية وشعبية، ومخاطر تقلبات أسواق النفط العالمية التي قد تبتلع منافع هذا التعديل إن عاودت الانخفاض.

وتأسيساً على تلك المخاطر، وتفادياً لانزلاق هذا الإجراء نحو صدمة اجتماعية حادة، يجمع المراقبون على أن تعديل سعر الصرف يجب ألا يُمرر منفرداً، بل يتعين تحصينه بحزمة أمان اجتماعي تكفل توسيع مظلة الرعاية للأسر الأشد فقراً، وتأمين مفردات السلة الغذائية، وتشديد الرقابة التموينية والجمركية لردع الاحتكار، إلى جانب إطلاق حوافز إنتاجية حقيقية للقطاع الخاص تقلص الارتهان للأسواق الخارجية وتعالج جذور العجز بدلاً من ترحيله.