اليمن: اتساع المعارك وانهيار إنساني

أربيل (كوردستان 24)- تشهد محافظة تعز اليمنية ومناطق متفرقة من البلاد، تصعيداً عسكرياً واسعاً بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي، وسط اتساع رقعة المواجهات الميدانية وارتفاع غير مسبوق في أعداد المصابين، مما أسفر عن شلل حاد في مسارات الإغاثة الإنسانية وقطع المساعدات الأساسية عن مئات الآلاف من السكان، بالتزامن مع إطلاق وكالات الأمم المتحدة تحذيرات بالغة الخطورة من تفاقم مستويات الجوع وتفشي الأوبئة القاتلة.

اشتعال الجبهات وتصدع مسار التهدئة

ميدانياً، امتدت رقعة العمليات القتالية لتشمل مساحات جغرافية أوسع في الريف الغربي والجنوبي لمحافظة تعز وصولاً إلى الضواحي المحيطة بمركز المدينة، مع تسجيل اشتباكات عنيفة في جبهتي الأقروض والشقب. وتفيد المعطيات الميدانية بإحراز القوات الحكومية تقدماً في مديرية صبر الموادم، بالتزامن مع تنفيذ عمليات عسكرية وتمشيط واسع في منطقة الصراري.

ويأتي هذا الاحتدام العسكري في إطار عملية أطلقت عليها القوات الحكومية اسم "فجر اليمن"، والتي أعلنت خلالها تنفيذ نحو 2309 عمليات استهداف دقيقة ومباشرة. وأكد المتحدث باسم القوات الحكومية تجاوز العمليات العسكرية المنفذة في محافظات تعز ومأرب ومناطق الجنوب والشرق حاجز الألفي عملية، مما يعكس تحولاً استراتيجياً في مسار الصراع.

ويمثل هذا التصعيد انهياراً عملياً لحالة التهدئة النسبية وخفض التصعيد التي استمرت قرابة أربع سنوات؛ إذ استعادت المواجهات ضراوتها منذ مطلع أيلول/سبتمبر الماضي بين القوات الحكومية المدعومة من التحالف بقيادة السعودية وجماعة الحوثي، لتعود خطوط التماس إلى الاشتعال بعد مرحلة طويلة من الجمود العسكري.

استنزاف المنظومة الصحية وارتفاع الجرحى

على الصعيد الصحي، دقّت اللجنة الدولية للصليب الأحمر ناقوس الخطر إزاء التزايد الكبير وغير المسبوق في أعداد الجرحى جراء تصاعد وتيرة المعارك، محذرة من أن المنظومة الطبية في اليمن ترزح تحت وطأة ضغوط هائلة تفوق إمكاناتها الاستيعابية والتشغيلية المنهكة أصلاً بفعل سنوات الصراع.

وأشارت اللجنة في تقييم لها إلى أن التدفق الكثيف للمصابين بأسلحة القتال والمقذوفات تركز بصورة رئيسية على المنشآت الطبية في مأرب وتعز والامتدادات الساحلية للبحر الأحمر، وهي مرافق تعاني شحاً مزمناً في المستلزمات الجراحية والمستحضرات الدوائية الأساسية والكوادر المتخصصة.

ويترافق هذا التدفق مع تقطع خطوط الإمداد وانعدام الممرات الآمنة، الأمر الذي قيّد قدرة الكوادر الطبية وسيارات الإسعاف على الوصول إلى بؤر المواجهات لإخلاء المصابين، ما يحرم آلاف المدنيين العالقين من فرص تلقي الإسعافات الأولية والرعاية الطارئة، وينذر بارتفاع حاد في الوفيات الناتجة عن تعذر التدخل الطبي في الوقت المناسب.

 

حصار الإغاثة وخطر المجاعة

وفي موازاة الانهيار الميداني والصحي، أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة تعطل وصول المساعدات الغذائية المنقذة للحياة إلى نحو 800 ألف شخص، يتركز السواد الأعظم منهم في محافظة تعز ذات الكثافة السكانية العالية.

وأوضح البرنامج الدولي أن التبدلات المتسارعة في خطوط النار وإغلاق الطرق الحيوية وتنامي المخاطر الأمنية، أدت إلى عزل مدينة تعز ومحيطها وتكبيل قدرة المنظمات الإنسانية على إيصال الحصص التموينية إلى مستحقيها، فضلاً عن تعذر الوصول إلى مديريات ريفية منكوبة.

وتكتسب هذه التطورات بعداً كارثياً لكون تعز من أكثر المحافظات استضافة للنازحين داخلياً؛ إذ صُنفت 10 مديريات فيها من أصل 16 ضمن "المرحلة الرابعة" من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة تسبق المجاعة الشاملة مباشرة. كما تعرضت العمليات الإغاثية لانتكاسات إضافية عقب اقتحام مقار تابعة لبرنامج الأغذية العالمي وفقدان أصول لوجستية ومخزونات غذائية حيوية، مما عطل سلاسل التوريد بصورة بالغة التعقيد.

تفشي الكوليرا ووباء الحصبة

وفي سياق المخاطر المتسلسلة، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن النزوح السكاني الجماعي والاكتظاظ في مراكز الإيواء المؤقتة، مع غياب المياه الصالحة للشرب وتوقف الخدمات الصحية، وفّر بيئة مثالية لانتشار سريع للأمراض الوبائية القاتلة، وفي مقدمتها الكوليرا والحصبة.

ورصدت تقارير المنظمة قفزة مخيفة في معدلات الاشتباه بالإصابة بمرض الكوليرا، حيث ارتفعت الحالات المسجلة أسبوعياً من 217 حالة في منتصف أيلول/سبتمبر إلى 647 حالة مطلع تشرين الأول/أكتوبر، متضاعفة بنحو ثلاثة أمثال في غضون ثلاثة أسابيع فقط. ووصل إجمالي الإصابات المشتبه بها منذ مطلع العام إلى 8034 حالة مع تسجيل 27 وفاة، تركزت بنسبة 92% منها في محافظات أبين، ولحج، والضالع، وتعز، وعدن، قبل أن تمتد العدوى إلى مخيمات صحراوية ونائية في محافظة حضرموت.

ولا تقل تداعيات وباء الحصبة خطورة على الفئات الهشة وخاصة الأطفال؛ إذ بلغت حالات الاشتباه أكثر من 22,800 إصابة تسببت في وفاة 128 طفلاً حتى الآن، وسط انهيار تغطية اللقاحات الوقائية الروتينية إلى قرابة 45% فقط من الجرعات المعتمدة، ما يضع أجيالاً بأكملها أمام تهديد الموت أو الإعاقة الدائمة بأمراض يمكن تداركها طبياً.

 

نزوح واسع ومستقبل إنساني مجهول

وفي قراءة للبعد الديمغرافي للأزمة، أكدت المنظمة الدولية للهجرة فرار أكثر من 216 ألف يمني من مناطق سكناهم قسراً منذ مطلع آب/أغسطس الماضي، كان نصيب تعز وحدها ما يربو على 172 ألف نازح شُردوا باتجاه مناطق قاحلة تفتقر إلى مقومات المعيشة الآدمية وشبكات الصرف الصحي والخدمات الوقائية.

وتقود هذه المعطيات المتشابكة إلى خلاصة ميدانية وإنسانية قاتمة تؤكد أن اتساع العمليات العسكرية لم يعد يقتصر على حسابات الربح والخسارة الميدانية، بل تحول إلى أداة تدمير مباشر للبيئة الحياتية في اليمن؛ حيث باتت تعز مركزاً لتقاطع نيران المدافع والحصار الجغرافي والنزوح البشري وانعدام القوت اليومي، في ظل عجز دولي عن فرض ممرات إنسانية آمنة تجنب البلاد السقوط في مجاعة وانهيار وبائي شامل.

المصدر: صحیفة النهار اللبنانیة