صحراء أتاكاما.. الجفاف القاحل يتحول إلى واحة أزهار نادرة

أربيل (كوردستان 24)- تشهد صحراء أتاكاما في تشيلي، واحدة من أكثر التحولات الطبيعية إثارة للدهشة، مع استمرار ظاهرة "الصحراء المزهرة" التي حوّلت المساحات القاحلة إلى بساط نباتي واسع، إثر موجة أمطار غير مسبوقة أيقظت ملايين البذور والأبصال الكامنة في باطن الأرض لسنوات طويلة.

وتمتد صحراء أتاكاما، المصنفة كأجف صحراء غير قطبية على وجه الأرض، لمسافة تصل إلى نحو 1600 كيلومتر بمحاذاة الساحل الشمالي لتشيلي، محصورة بين المحيط الهادي وسلسلة جبال الأنديز. وترقد تحت تربتها الجافة بذور وأبصال تمثل نحو 200 نوع من النباتات والأزهار المتنوعة، من أصل قرابة 980 نوعاً محلياً، حيث تظل كامنة في حالة سكون لعقود، في انتظار توفر الرطوبة الكافية لإكمال دورة حياتها وتكاثرها في فترات زمنية وجيزة.

 

أمطار قياسية وظاهرة "النينيو"

لا تتجاوز المعدلات السنوية لهطول الأمطار في صحراء أتاكاما حاجز 15 مليمتراً في العادة، وهو الحد الأدنى المطلوب لبدء تحفيز بذور النباتات على الإنبات. إلا أن موسم الشتاء الأخير شهد هطول كميات استثنائية تجاوزت في بعض المناطق 190 مليمتراً، ما أدى إلى تسرب المياه إلى أعماق غير معتادة داخل الطبقات الرملية والصخرية، وانعكس على إنعاش مساحات شاسعة وتلال وجبال لم تسجل أي غطاء نباتي منذ أكثر من ثلاثة عقود.

ويعزو المتخصصون هذه الهطولات الغزيرة إلى التأثير المباشر لظاهرة "النينيو" المناخية، التي سُجلت بمستويات قوة استثنائية عالمياً، وتُعد من بين الأقوى منذ انطلاق عمليات الرصد المنتظم في عام 1950. وتتسبب هذه الظاهرة المناخية في ارتفاع درجات حرارة سطح المياه في الأجزاء الوسطى والشرقية من المحيط الهادي الاستوائي، الأمر الذي يقود إلى تقلبات جوية حادة، وتغير في حركة الرياح، وتوزيع غير معتاد لمعدلات الأمطار يمتد أثره إلى قطاعات الطاقة والمياه والزراعة، مع توقعات باستمرار تداعياته المناخية حتى عام 2027.

 

وحسب بيانات المؤسسة الوطنية للغابات في تشيلي، فإن هذه الموجة تُعد الأوسع نطاقاً والأعلى كثافة ضمن أحداث "الصحراء المزهرة" المسجلة منذ عام 1997، وسط تقديرات بأن الغطاء الزهري غطى مساحات شاسعة تتناغم بألوانها المتباينة مع التضاريس الجبلية الداكنة وصفاء الأجواء التشيلية.

انتعاش النظام البيئي وسلاسل الغذاء

وعلى الرغم من أن الفيضانات الناجمة عن هذه الأمطار خلفت أضراراً بشرية ومادية في مناطق شمال تشيلي شملت تضرر آلاف المنازل، فإن الأثر البيئي في الصحراء تمثل في استعادة التوازن البيولوجي. ولم يقتصر الانتعاش على النباتات وحدها، بل شمل تنشيط "المادة الوراثية الكامنة" التي تضم إلى جانب البذور بيوض كائنات لا فقارية وزواحف كانت في حالة بيات طويل داخل متنزهات وطنية كمتنزه "صحراء فلوريدو"، الواقع على بعد 800 كيلومتر شمالي العاصمة سانتياغو.

ويؤكد الباحث والأستاذ المشارك في جامعة أتاكاما، روبرتو كونتريراس-دياز، أن ظهور الأزهار ليس سوى الواجهة المرئية لنظام بيئي متكامل استعاد نشاطه؛ إذ ترافقت هذه الظاهرة مع تزايد ملحوظ في أعداد القواقع والزواحف والطيور والثدييات الصغيرة. كما شهدت المنطقة نشاطاً مكثفاً لملقحات الأزهار، حيث توفر الحقول الممتدة بيئة غذاء غنية بحبوب اللقاح والرحيق للحشرات مثل النحل والفراشات والذباب والخنافس، التي تسهم بدورها في تسميد التربة بالنيتروجين عبر مخلفاتها، مما يؤسس لخصوبة التربة وجاهزيتها لاستقبال مواسم هطول قادمة.

مكاسب سياحية ومهددات بيئية

وعلى الصعيد الاقتصادي والسياحي، انعكست الظاهرة إيجاباً على تدفق الزوار، حيث توقعت الأمانة الوطنية للسياحة تسجيل نحو 300 ألف رحلة سياحية تتضمن المبيت حتى موعد انحسار الإزهار بحلول تشرين الثاني/نوفمبر، مع توافد السياح لمشاهدة التباين الطبيعي بين الرمال القاحلة ومساحات الأزهار الممتدة نحو الأفق.

في المقابل، ترافقت هذه الحركة مع تحذيرات بيئية من مخاطر تهدد استدامة النباتات النادرة، ولا سيما نباتات "زيفيرانثيس" المعروفة محلياً باسم "أنيانيوكا". ويشير الباحثون إلى أن الاقتلاع العشوائي للأبصال، وقطف الأزهار قبل نضج بذورها، يمنعان إنتاج البذور الجديدة الكفيلة بضمان البقاء في باطن الأرض للأعوام المقبلة. كما يُسهم دخول المركبات غير المصرح بها، وسير المشاة بكثافة، في انضغاط التربة وتدمير موائل الحشرات واليرقات، وهو ما يفرض تحديات جادة على حماية هذا الموئل البيئي الهش قبل أن ينقضي فصل الربيع وتعود الصحراء إلى صمتها وسكونها المعتاد.

المصدر: AP