السفير الأوكراني في العراق لـ كوردستان 24: حكومة كييف قررت فتح قنصلية عامة في أربيل وننتظر موافقة بغداد النهائية
اربيل (كوردستان24) - في مقابلة خاصة وحصرية عبر شاشة قناة «كوردستان 24»، استضافت الإعلامية ژينو محمد السفير الأوكراني لدى العراق، إيفان دوفهانێچ، لتسليط الضوء على أبرز الملفات السياسية والاقتصادية والإنسانية في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها الإقليمية والدولية. وتطرق الحوار إلى آفاق العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين كييف وإقليم كوردستان وبغداد ومساعي افتتاح قنصلية عامة في أربيل، إضافة إلى شروط كييف لتحقيق سلام دائم، وموقفها من المبادرات الأمريكية والانتخابات الرئاسية.
كما كشف السفير لأول مرة عن تجارب شخصية وإنسانية مؤثرة حول مشاركته ومشاركة ابنه في الخطوط الأمامية، وتناول ملف تجنيد مقاتلين عراقيين ضمن القوات الروسية، وأوضاع الجالية الأوكرانية في العراق.
نص الحوار:
ژينو محمد: أوقاتكم بكل خير أعزائي المشاهدين. تستمر الحرب بين روسيا وأوكرانيا منذ نحو خمس سنوات، وقد ألقت هذه الحرب بظلالها وتأثيراتها على العالم والمنطقة، ولا سيما في الشرق الأوسط. هذا جانب من موضوع حوارنا، أما الجانب الآخر فيتعلق بمسار علاقات أوكرانيا مع العراق وإقليم كردستان، وما هو مستقبل أوكرانيا؟ هل ستتوقف هذه الحرب أم لا؟ هل ستنتصر الدبلوماسية والسلام أم ستحسمها الطائرات المسيّرة والمعارك؟ هذه التساؤلات وغيرها أطرحها على ضيفي العزيز سعادة السفير إيفان دوفهانێچ، سفير أوكرانيا لدى العراق، والذي يحضر مشكوراً معنا في استوديو «كوردستان 24». مرحباً بك سعادة السفير، وشكراً لإتاحة هذه الفرصة.
السفير الأوكراني: شكراً جزيلاً لكِ، وشكراً على هذه الاستضافة الكريمة.
ژينو محمد: شكراً جزيلاً. حسناً، يسرّني أن نبدأ حوارنا بالحديث عن إقليم كوردستان، ثم ننتقل تدريجياً إلى بقية المحاور. في البداية، نود أن نعرف ما هو مستوى العلاقات الحالية بين كييف وإقليم كوردستان؟ وكيف تخططون لتطوير هذه العلاقات؟
السفير الأوكراني: قبل كل شيء، أود أن أؤكد أن الكورد والأوكرانيين تجمعهم علاقة دافئة وودية وممتازة للغاية، ونحن نسعى جاهدين لدفع هذه العلاقات نحو الأمام، ومن جانب أوكرانيا نبذل جهوداً حثيثة لتطويرها. وعلى سبيل المثال، ولإبراز مدى أهمية علاقتنا بإقليم كوردستان بالنسبة لأوكرانيا، فقد انعكس ذلك في قرار الحكومة الأوكرانية بافتتاح قنصلية عامة لها في أربيل. والآن طلبنا الموافقة الرسمية من حكومة بغداد لمنحنا الإذن الرسمي؛ لأن فتح قنصلية عامة في أربيل يتطلب قانونياً قراراً من بغداد، ونحن بانتظار هذه الموافقة، وفور صدورها سنكون جاهزين للتحرك بسرعة كبيرة نحو الأمام.
لن نتنازل عن شبر واحد من أرضنا".. أوكرانيا تؤكد: لا سلام دون استعادة كامل الأراضي دستورياً
ژينو محمد: إذن، هل يمكن افتتاح القنصلية العامة في أربيل قريباً؟ لاسيما وأن هذا الحديث يدور منذ سنوات. هل يمكن أن يتحقق هذا الإجراء خلال العام الجاري؟
السفير الأوكراني: لا أعلم بالضبط؛ لأن هذا القرار للأسف ليس بيدي. بحسب فكرتي، هذا المقترح موجود منذ نحو عشرين عاماً. أول مرة بادرتُ فيها بفكرة فتح قنصلية عامة في أربيل كانت قبل عشرين عاماً، وتحديداً في عام 2006 حين كنتُ قائماً بأعمال السفارة في بغداد. وحينها أدركت إمكانية تطوير علاقاتنا مع عموم العراق بما فيه إقليم كوردستان دون الحاجة إلى بعثة دبلوماسية منفصلة في أربيل، وبادرتُ حينها لفتح قنصلية عامة لتكون في الوقت نفسه بعثة تجارية في أربيل، لكن للأسف لم يُتخذ القرار حينذاك. والآن قامت الحكومة الأوكرانية بمراجعة وتقييم رؤيتها للعلاقات مع إقليم كوردستان، واتخذت قراراً رسمياً بافتتاح قنصلية عامة في هذه المدينة.
ژينو محمد: هل يمكن أن تحدثنا قليلاً عن هذه الرؤية؟ بعيداً عن افتتاح القنصلية، ما الذي تتضمنه هذه الرؤية والسياسة الأوكرانية تجاه إقليم كوردستان؟
السفير الأوكراني: حسناً، هذا الأمر مهم جداً، ولماذا؟ لأننا حين نكون في بغداد، يكون التعامل مع ملفات التأشيرات (الفيزا) معقداً وصعباً أحياناً، أو تقديم الخدمات القنصلية للمواطنين، سواء أكانوا مواطنين عراقيين أم أوكرانيين مقيمين في العراق وفي إقليم كوردستان. نحن نسيّر أياماً قنصلية جوالة شهرياً، حيث يأتي فريق القنصلية من السفارة إلى أربيل مرة شهرياً لعدة أيام لتسيير المعاملات، لكن هذا غير كافٍ. أعمال القنصلية العامة ستتضمن بالتأكيد إصدار التأشيرات، وفي الوقت نفسه سيكون لها دور في التبادل التجاري. لنقل إنها ستكون مركزاً ممتازاً ومقبولاً للأوساط التجارية في إقليم كوردستان، وستخلق تواصلاً مباشراً بين مجتمعات الأعمال في أوكرانيا وإقليم كوردستان. كما تعلمون، هناك أطراف ثالثة أو وسطاء يساعدون في تطوير التجارة بين العراق وأوكرانيا، لكن في الوقت ذاته يدفع المشتري مبالغ إضافية لأن الوسيط يتقاضى عمولته أيضاً.
ژينو محمد: لقد لفتَّ الانتباه إلى العلاقات التجارية بين أوكرانيا وإقليم كوردستان. هل هناك نقاشات حالية حول مشاريع مشتركة مع القطاع الخاص والإنتاج الأوكراني المباشر في إقليم كوردستان؟
السفير الأوكراني: نعم، بالتأكيد هي موجودة. يوجد حالياً فرع لغرفة التجارة الدولية الأوكرانية في أربيل، ولديهم تمثيل هنا يهدف إلى رعاية مصالح الشركات الأوكرانية. وبرأيي، وجود بعثة دبلوماسية لنا هنا سيسهّل تلك الأعمال كثيراً.
ژينو محمد: حسناً، طالما أننا نتحدث عن التجارة والاقتصاد، لا ننسى أن الجميع يعلم بأنه رغم تداعيات الحرب، لا تزال أوكرانيا واحدة من الدول الرئيسية المنتجة للقمح والمنتجات الزراعية في العالم، وهذا أمر واضح. في الوقت الراهن، هل يمكن أن توضح لنا حجم الصادرات من المنتجات مثل القمح والدقيق وزيت دوار الشمس الأوكراني؟ ألم تؤثر الحرب الجارية على قطاعكم الزراعي؟
السفير الأوكراني: لكي تتضح الصورة، فإن أوكرانيا في الواقع هي واحدة من أكبر مصدّري زيت دوار الشمس والمنتجات الزراعية الأخرى على مستوى العالم. وحتى في زمن الحرب، فإن أهمية أوكرانيا في هذا المجال تتنامى وتزداد باستمرار؛ لأن حالة عدم الاستقرار ليست مقتصرة على أوكرانيا وحدها، بل إن العديد من مناطق العالم تعتمد على المنتجات الزراعية الأوكرانية. العراق لا يعتمد كثيراً على الحبوب الأوكرانية، لكنه يعد واحداً من أكبر المشترين لزيت دوار الشمس الأوكراني. وحسب ما فهمت، فإن غالبية صادراتنا تذهب إلى العراق عبر إقليم كردستان، ولهذا من المهم جداً أن يكون لنا وجود دائم هنا في الإقليم. وبتقديري، بعد افتتاح قنصليتنا العامة، فإن حجم تبادلنا التجاري لن يقتصر على مبيعات زيت دوار الشمس فقط، بل سينمو ويتوسع في مجالات أخرى، ليس في إقليم كردستان فحسب، بل إن أوساطنا التجارية ترى أن إقليم كردستان منطقة آمنة ومستقرة وسط محيط شديد الاضطراب، وهذا بحد ذاته يفتح آفاقاً وبوابة نحو رقعة جغرافية أوسع.
ژينو محمد: تحدثت عن الرغبة في زيادة التبادل التجاري والإنتاج في إقليم كوردستان، ولكن من المهم بالنسبة لي أن أعرف: كيف استقبلت حكومة إقليم كوردستان مقترحاتكم هذه؟ وكيف يتم استقبال شركاتكم في الإقليم؟
السفير الأوكراني: أيّ حكومة تقصدين؟
ژينو محمد: حكومة إقليم كوردستان.
السفير الأوكراني: في الحقيقة، أنا لم أناقش هذا الموضوع بصورة مباشرة مع الحكومة بعد، ولكنني واثق تمام الثقة من أنهم يدعمون ذلك، ويدعمون هذا النوع من التعاون؛ لأن الأشخاص والجهات التي تواصلت معهم بالأمس واليوم أظهروا لي بوضوح ترحيبهم وقبولهم التام لهذه الخطوة. نحن في الواقع نلقى ترحيباً ودعماً كبيراً في إقليم كوردستان.
ژينو محمد: دعنا نترك إقليم كردستان والعراق وأوكرانيا جانباً للحظات، لنتحدث قليلاً عن الحرب الروسية الأوكرانية التي دخلت عامها الخامس. هذه الحرب تركت أثراً كبيراً على العالم وأوروبا والشرق الأوسط عموماً. هل يمكن أن تخبرنا سعادة السفير: ماذا منحتكم هذه الحرب، وماذا سلبت منكم؟
السفير الأوكراني: معذرةً... تماماً، لا يوجد أي شيء إيجابي في الحرب على الإطلاق. نحن نعيش في مأساة ومعاناة، نعاني بشدة جراء هذه الحرب. والشعب الكوردي الذي عاش تاريخاً حافلاً بالمآسي والظروف القاسية مثلنا، يدرك ويفهم ما يمر به الأوكرانيون بشكل أفضل بكثير مقارنة ببقية الشعوب. لذا، فإن سنوات الحرب هذه كانت بالنسبة لنا سنوات كارثية ومليئة بالمآسي. ولا أحد يتمنى السلام في هذه الحرب بقدر ما يتمناه الأوكرانيون.
الرد الروسي على مقترح الهدنة بـ 200 درّون و16 صاروخاً يثبت نية بوتين في تدمير البنية التحتية
ژينو محمد: بما أنك ذكرت السلام، فقبل عام تقريباً تحدثت بنفسك عبر «كوردستان 24» عن رغبة أوكرانيا في السلام، وهذا يدفعني للسؤال حول السلام. ولكن قبل ذلك، أنت تقول إن الحرب ليست جيدة أبداً ولا أحد يريدها، ولكن ما هي التأثيرات المباشرة التي ألحقتها بأوكرانيا وفي أي القطاعات تحديداً كان الضرر الأكبر؟ هل في الصحة، الاقتصاد، المجتمع، أم في القطاع العسكري؟
السفير الأوكراني: في أوقات الحرب، يصبح الوضع مليئاً بالتحديات لأي دولة كانت. وأوكرانيا تمثل نموذجاً واختباراً لكافة ركائز وميكانيزمات الحكم وإدارة الدولة. على سبيل المثال، الحكومات المحلية؛ قبل عشر أو اثنتي عشرة سنة بدأنا بإصلاحات إدارية في بلادنا لتفويض السلطات ونقلها إلى الحكومات المحلية المنتخبة، فكانت نسبة كبيرة من الضرائب التي تُجمع في القرى والبلدات تبقى لديهم، ورئيس البلدية كان يُنتخب محلياً ويكون مسؤولاً عن التصرف بتلك الإيرادات. ما الذي حدث إذن عند اندلاع الحرب؟ حين اشتعلت الحرب، لم يترك أي رئيس بلدية موقعه، ولم يهرب أحد. بقيت جميع مؤسسات وأنظمة الدولة تعمل لضمان استقرار أوكرانيا. ورأى الناس والمواطنون في أوكرانيا أن الحكومة مستمرة في أداء واجباتها ولم يفرّ أحد من مسؤولياته.
ژينو محمد: رغم الحرب، هل حافظت أوكرانيا على استقرارها؟ هل تعتقدون أنكم ما زلتم مستقرين؟
السفير الأوكراني: كل شيء يعمل في أوكرانيا، وبالتأكيد وتيرة العمل ليست كما كانت في أوقات السلم، لكننا حتى في أصعب الأوقات حافظنا على فتح أبواب الجامعات والمدارس، وهي تعمل والطلاب يواصلون دراستهم. وبالنسبة للطلاب الدوليين، وفرنا لهم خيارات متنوعة سواء بالحضور المباشر، أو الدراسة عبر الإنترنت، أو التعليم المدمج.
ژينو محمد: تحدثت عن السلام، فهل أوكرانيا مستعدة للسلام، أم تريد هدنة طويلة الأمد؟ وإذا كانت مستعدة لأي منهما، فما هي شروطها ومطالبها؟
السفير الأوكراني: السلام هو مطلبنا ورغبتنا وحلمنا بكل تأكيد، ولا أحد ينشد السلام مثل الأوكرانيين، لكن يجب أن يكون سلاماً حقيقياً ومستداماً، وليس مجرد هدنة قصيرة الأجل تُخرق لاحقاً لشن عدوان واحتلال جديد. نحن نريد سلاماً يضمن لنا الاستقرار على المدى الطويل. ولكن ما الذي يمكننا فعله؟ نحن نثمّن عالياً جهود الولايات المتحدة الأمريكية، ونشكر شخص الرئيس ترامب على مساعيه لإحلال السلام وإعلان وقف إطلاق النار. ولكن ما هو أحدث مثال على ذلك؟ لقد أعلن الرئيس ترامب عن هدنة لوقف استهداف منشآت الطاقة، وقد أيّد الرئيس زيلينسكي هذه المبادرة، ولكن في الليلة نفسها، ردت روسيا على تلك الهدنة بإطلاق 200 طائرة مسيّرة و16 صاروخاً استهدفت بها أوكرانيا، وفي صباح اليوم التالي استيقظ نحو نصف مليون منزل أوكراني بلا كهرباء! هذا هو المثال الأحدث. لذا، إذا سألتِني متى يتحقق السلام، فالجواب لا يعلمه أحد؛ لأن مفتاح الحل والإجابة ليسا في كييف ولا في واشنطن، بل في موسكو.
ژينو محمد: هل أنتم مستعدون للتنازل عن الأراضي التي خسرتموها من أجل تحقيق السلام؟ أم أنكم متمسكون باستعادة كل شبر من تلك الأراضي؟
السفير الأوكراني: كلا، كلا، وألف كلا! لن نرضى بذلك أبداً؛ لأن هذا ليس قرار الرئيس بمفرده. أراضي أوكرانيا وحدودها المعترف بها دولياً منصوص عليها ومثبتة في الدستور. المسألة لا تُحسم بقرار فردي نتخذه بشأن مصير تلك المناطق وتلك الأرض دون العودة إلى رأي وإرادة كافة أبناء الشعب الأوكراني، وهذا يتطلب إجراء استفتاء شعبي، ومن المستحيل تنظيم استفتاء أو انتخابات في ظل استمرار الحرب.
ژينو محمد: لقد أشرتَ إلى موضوع الانتخابات وإلى الدور الأمريكي. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صرح سابقاً بأنه حان الوقت لإجراء انتخابات واختيار رئيس جديد لأوكرانيا. ما هو موقف الأوكرانيين حيال هذا الطرح؟
السفير الأوكراني: ليس لدينا أي مشكلة مع هذا الأمر. فكرة إجراء انتخابات في أوكرانيا تم ترويجها في البداية من قِبل الروس؛ لأن هدفهم كان التخلص من زيلينسكي ودفع الأوكرانيين للتصويت لرئيس جديد يسهل القضاء عليه أو تدجينه. ولكن هناك عقبة قانونية؛ فمن المستحيل قانونياً تنظيم انتخابات في أوكرانيا لأن دستورنا وقوانيننا تحظر إجراء الانتخابات في أوقات الحرب، وهذا هو الحال في معظم الدول الأوروبية. ومع ذلك، صرح الرئيس زيلينسكي مؤخراً وقبل أيام قليلة قائلاً: "حسناً، نحن مستعدون لتعديل قوانيننا، وإجراء أي نوع من الانتخابات، سواء كانت برلمانية أو رئاسية، شرط إعلان هدنة ووقف إطلاق نار مضمون لمدة لا تقل عن 60 يوماً". ولكن أود أن أضيف أمراً مهماً: إذا كان هناك من يعلّق آمالاً على أن الأوكرانيين قد يستبدلون زيلينسكي برئيس أو قائد يكون أكثر مرونة وتساهلاً مع الروس، فهذا خطأ فادح في التقدير؛ لأن الاحتمال الأكبر هو إعادة انتخاب زيلينسكي مجدداً، وإن جاء قائد جديد فإنه سيكون أشد صرامة وتشدداً مع موسكو من زيلينسكي نفسه.
مستعدون لتعديل القوانين وإجراء الانتخابات بشرط هدنة مؤكدة لـ 60 يوماً.. وأي بديل لزيلينسكي سيكون أكثر تشدداً مع موسكو
ژينو محمد: لماذا؟ لماذا تعتقد أن الأوكرانيين سيجددون الثقة بالرئيس زيلينسكي لدورة رئاسية أخرى؟ ألا يلومونه على ما آلت إليه هذه الحرب؟
السفير الأوكراني: المسألة لا تتعلق بشخص الرئيس بذاته، فالأوكرانيون يمنحون ثقتهم للسياسات القوية والمواقف الحازمة التي تنتهجها القيادة والحكومة. لذا فإن الموقف الصلب للقيادة وتأييد غالبية الشعب الأوكراني يصب في دعم القيادة القوية، ولن يصوتوا أبداً لقائد ضعيف. لهذا السبب يحظى زيلينسكي بهذه الشعبية؛ لأنه يعبر عن المزاج العام وإرادة الأغلبية الساحقة من الأوكرانيين، وأوكرانيا لن تستسلم أبداً.
ژينو محمد: حسناً، هناك حديث عن ترتيبات لعقد قمة ثلاثية تجمع الولايات المتحدة وروسيا والصين لبحث إنهاء الحرب الأوكرانية الروسية، ولكن بغياب الجانب الأوكراني. إذا تم التوصل إلى قرارات في هذا الاجتماع، فهل ستقبل بها أوكرانيا؟ أم أنه يجب ألا تُعقد مثل هذه الاجتماعات دون حضور أوكرانيا؟
السفير الأوكراني: لا أعلم، فنحن لم نطلع على طبيعة القرارات التي قد تصدر. وإذا كان القرار مقبولاً للأوكرانيين... المسألة ليست في القرارات المسبقة؛ انظري، يمكن للقادة أن يجتمعوا في أي وقت وفي أي مكان، ولكن في نهاية المطاف القرار الحاسم والنهائي سيكون بيد الشعب الأوكراني، ولن يكون حتى بيد رئيس أوكرانيا منفرداً؛ لأن الشعب الأوكراني هو صاحب الكلمة الأولى والطرف الأساسي في هذه الحرب.
ژينو محمد: دعني لا أنسى أن الحرب الروسية الأوكرانية تدور في عصر يشهد ثورة تكنولوجية كبرى وتطوراً غير مسبوق. سعادة السفير، هل لك أن توضح لنا ما هو الدور الذي لعبه الذكاء الاصطناعي في هذه الحرب من جانب أوكرانيا؟
السفير الأوكراني: هذه مسألة معقدة للغاية؛ فنحن طوّرنا تكنولوجيتنا بشكل متميز جداً، وهذا ساعدنا على خوض مواجهة أفضل ضد عدو يفوقنا حجماً وقوة. لكن الأمر يبدو للرأي العام العالمي وكأننا صنعنا سلاحاً سحرياً أو منظومة مضادة للمسيّرات بإمكانها إسقاط كل أنواع الدرونات، بينما يكمن سر النجاح الحقيقي في أمور أخرى. أوكرانيا تمتلك تجربة فريدة، لكن هذه التجربة تتجسد غالباً في إجراءات بسيطة وميدانية في الحياة اليومية. على سبيل المثال، إذا طوّرت سلاحاً فعالاً ولكنه لا يضمن سلامة المدنيين، فإن واجب السلطات حينها هو توفير منظومات إنذار مبكر فعالة، وإرشاد السكان إلى أين يتجهون وأي الملاجئ يحتمون بها عند حدوث قصف صاروخي. كذلك تبرز أهمية حماية المنشآت الحيوية والاستراتيجية بطرق قد تكون أحياناً بسيطة وقليلة التكلفة، مثل تغطيتها بالشباك الواقية، أو إحاطتها بجدران خرسانية وأسلاك شائكة لحمايتها؛ كمحطات الكهرباء، وشبكات المياه، ومراكز البيانات. كل شيء يرتكز في النهاية على العنصر البشري؛ فالفرق الفنية المدربة تدريباً عالياً تستطيع إصلاح ومعالجة الأضرار بسرعة فائقة وإعادة تشغيل المواقع الحيوية المتضررة. لدينا في أوكرانيا كوادر ممتازة ذات تدريب عالٍ، ونحن على أتم الاستعداد لنقل هذه الخبرة والتجربة الفريدة لشركائنا.
ژينو محمد: تحدثت عن نقل التجارب والشراكة. في بداية تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، زار الرئيس زيلينسكي دول الخليج وأبدى استعداده لمساعدتهم. هل هذه المساعدات مستمرة؟ وما هو إطارها؟ وكيف قدمتم المساعدة لدول الخليج؟ هل تشاركون هذه التكنولوجيا العسكرية المتطورة مع دول الخليج؟
السفير الأوكراني: وفقاً لمعلوماتي، نعم، ولكنني لست مطلعاً على كافة التفاصيل الدقيقة لأنني لم أكن طرفاً مباشراً في تلك الإجراءات. وكما هو معلوم، فإن اللقاءات بين الشركات والجهات المعنية والتعاون المشترك هي ملفات تُدار بين الحكومات بعيداً عن وسائل الإعلام، لذا لا يمكنني الخوض في تفاصيل أكثر. ولكن بحسب علمي، فإن خبرائنا يتعاونون مع حكومات دول الخليج، وقد بدؤوا بتنفيذ خطوات عملية وملموسة لحماية المنشآت الحيوية باستخدام الجدران الخرسانية والشباك، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وغيرها من الإجراءات الدفاعية. إنها معادلة معقدة؛ لأن حروب القرن الحادي والعشرين ليست مجرد صراع بين طائرات مسيّرة، بل هي في الأساس حرب بين إرادات بشرية.
ژينو محمد: أنتم تدركون أن الدول الأوروبية تحملت النصيب الأكبر من التبعات الاقتصادية للحرب الروسية الأوكرانية، وكذلك تداعيات التوتر الإيراني الأمريكي ألقت بظلالها على أوروبا والشرق الأوسط. وهناك تصريحات تصدر، لا سيما من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مفادها أن: "الدول الأوروبية تدفع ثمن دعمها لأوكرانيا، ولهذا تدهورت أوضاعها الاقتصادية". هل تعتقد حقاً أن أوروبا تدفع ضريبة مساعدتكم؟
السفير الأوكراني: هذا الطرح غير منطقي تماماً في الواقع. إذا أمعنتِ النظر في المستفيد الحقيقي من ترويج مقولة أن "أوروبا تدفع ثمن دعمها لأوكرانيا"، فستجدين أنها روسيا دون غيرها. روسيا هي التي تحلم بأن تبقى أوكرانيا وحيدة في الميدان دون دعم من أحد، لتتمكن من إلحاق الهزيمة بها كما تشتهي. لذلك أرى أن هذا المنطق مغلوط تماماً؛ فالأزمات في أوروبا لم تكن بسبب مساعدة أوكرانيا، بل العكس تماماً هو الصحيح: الأزمة ضربت أوروبا لأن روسيا هي التي شنت العدوان على أوكرانيا.
القادة الروس يرسلون العراقيين إلى الموت بلا رحمة".. تفاصيل تجنيد الشباب العراقيين في الحرب الأوكرانية
ژينو محمد: أود أن أذكّرك بمقولة سابقة لك ذكرتَ فيها: "إن أولئك الذين يدركون لأجل ماذا يقاتلون، لا يخسرون أبداً"، أي أنك تعتبرهم منتصرين حتماً. هل تدرك أوكرانيا جيداً لأجل ماذا تقاتل؟
السفير الأوكراني: أوكرانيا تقاتل ولن تستسلم أبداً كما قلت لكِ؛ لأن القضية لا تتوقف عند حدود العتاد والسلاح، فالسلاح بحاجة إلى مقاتل. حين كنتُ بنفسي في الجبهات الأمامية، كنتُ أقاتل بسلاح آلي، وعندما أصبتُ بجروح حل مقاتل آخر مكاني؛ لأن ذلك السلاح لا يطلق النار بمفرده من دون إنسان. نحن نملك المقاتلين، وابني الآن في الخطوط الأمامية يخوض المعارك. ولكي تتضح الصورة لكِ: نحن الأوكرانيون لن نرفع الراية البيضاء أبداً. نحن نثمّن عالياً كل الجهود والجهات التي وقفت إلى جانبنا، فمساعدات شركائنا بالغة الأهمية للحفاظ على استقرار القارة الأوروبية برمتها.
ژينو محمد: شاركتَ بنفسك في القتال وأصبتَ بجروح. هل يمكن القول الآن إن أفراداً من عائلتك منخرطون في صفوف القوات المقاتلة؟
السفير الأوكراني: من عائلتي أنا؟
ژينو محمد: نعم.
السفير الأوكراني: في الحقيقة، أنا لم أكن عسكرياً في الأصل، ولكن عندما تستيقظين في أحد الصباحات وترين المروحيات الحربية الروسية تحلّق في سماء كييف، فلن يتبقى أمامك سوى خيار واحد: أن تحمي عائلتك وتنضم إلى صفوف الجيش. وهذا ما فعلته بالضبط؛ لأنني قبل كل شيء رجل وأب ورب أسرة. وبالتأكيد كان ذلك اليوم الأول في منتهى الصعوبة والتعقيد حين وجدتُ نفسي في الخنادق الأمامية حاملاً سلاحاً آلياً. وما قمتُ به قام به مئات الآلاف من الأوكرانيين؛ فكل رجل اتخذ الموقف ذاته. وبعد خمس سنوات من هذه الحرب الشاملة، لا يزال عدد هائل من الأوكرانيين مستعدين للقتال دفاعاً عن بلادهم، لأننا ندرك تماماً أن تكلفة الهزيمة والزوال أسوأ وأقسى بكثير من تكلفة خوض هذه الحرب.
لأول مرة عبر الإعلام.. السفير الأوكراني لدى العراق: حملت السلاح على خط النار وأصبت.. وابني يقاتل الآن في الجبهة الأمامية
ژينو محمد: أفهم ذلك تماماً، ولكنني لم أحصل على إجابة محددة: هل يوجد حالياً أحد من عائلتك المباشرة، كابنك أو أحد أقربائك، يقاتل كجندي في الجبهة؟
السفير الأوكراني: من أسرتي؟
ژينو محمد: نعم.
السفير الأوكراني: نعم، في الخطوط الأمامية لدينا عدة رجال من العائلة يقاتلون هناك. وهناك آخرون، بل وحتى زوجاتنا ونساؤنا يعملن في مختلف المنظمات لمساندة ودعم الجيش. الأمة الأوكرانية بأسرها تعمل بلا كلل من أجل تحقيق النصر.
ژينو محمد: هل ترى أننا أقرب إلى استمرار الحرب أم إلى تحقيق السلام؟ أيهما أقرب وفق رؤيتكم؟
السفير الأوكراني: لا أحد يعلم. كما أسلفت، الإجابة عن هذا السؤال موجودة في موسكو حصراً. عندما يقرر بوتين ويقول: "حسناً، الحرب باتت مكلفة جداً بالنسبة لي ولم أحقق منها أياً من أهدافي"، حينها فقط ستتوقف الحرب. في الواقع، يمكن أن تنتهي الحرب في يوم واحد، وبالتأكيد القرار والحل ليسا في كييف ولا باريس ولا لندن أو واشنطن، بل القرار في موسكو وحدها.
ژينو محمد: حسناً، لماذا يُقال دائماً وتتردد هذه العبارة كثيراً: "إن أوكرانيا ينتظرها شتاء قارس وصعب"؟ لماذا تتوقعون شتاءً قاسياً؟ هل المقصود هنا الظروف المناخية وحالة الطقس، أم اشتداد وتيرة المعارك العسكرية؟
السفير الأوكراني: السبب يعود إلى بوتين نفسه. لكي تكوني في الصورة وكما ذكرتُ سابقاً، فإن روسيا دولة كبرى وتمتلك جيشاً ضخماً وقوة عظمى، ومع ذلك عجزت على مدى خمس سنوات عن كسر خطوطنا الأمامية واختراقها، وهذا دليل قاطع على كفاءة وقوة منظومتنا الدفاعية. هذا الأمر جعل بوتين يرى أن أمامه خياراً وحيداً، وهو استهداف البنية التحتية المدنية، وتحويل حياة الأوكرانيين وبلادهم إلى جحيم لا يُطاق وبيئة يستحيل العيش فيها، على أمل أن يدفعه هذا الشتاء والإنهاك إلى التصويت في أي انتخابات لقائد يوافق على الاستسلام ورفع الراية البيضاء. ولهذا فإن مخططه مكشوف وواضح للعيان، فهو يسعى بأي ثمن لتحقيق نصر زائف والاحتفال به بادعاء أن أوكرانيا استسلمت. ولكنني أكررها لكِ مجدداً: أوكرانيا لن تستسلم أبداً. الشعب الأوكراني يعلم جيداً أنه حتى وإن كانت الحرب كارثية ومؤلمة، فإننا نتخذ كامل التدابير لعبور هذا الشتاء وتجاوزه بسلام. الجيش يقاتل في الجبهات، والشعب يقف صفاً واحداً خلف جيشه.
ژينو محمد: بالانتقال إلى الشأن العراقي سعادة السفير، كم يبلغ عدد المقاتلين العراقيين الذين يقاتلون ضمن صفوف القوات الروسية؟ وكم منهم وقع في الأسر؟ هل تمتلك أي أرقام أو بيانات دقيقة بهذا الصدد؟ وبالمقابل، هل يوجد أي مقاتلين عراقيين يقاتلون في صفوف الجيش الأوكراني؟
السفير الأوكراني: كلا، على الإطلاق، نحن في أوكرانيا لم نقم بتجنيد أي عراقي في صفوف قواتنا المسلحة. ولكن هذا السؤال في الحقيقة حساس جداً ومؤلم للغاية بالنسبة لي؛ لأنه وفقاً للمصادر الغربية والدولية، تم تجنيد نحو 5000 مواطن عراقي وزجهم في صفوف الجيش الروسي خلال عامي 2022 و2023. هذا رقم ضخم ومفزع، 5000 شخص! ولكنهم في حقيقة الأمر ضحايا، ولنكن صادقين، هؤلاء ضحايا استغلال. لماذا تم تجنيدهم؟ لأن روسيا تعاني من نقص حاد وفادح في أعداد الجنود، والجيش الروسي يفتقر إلى العنصر البشري اللازم لهذه الحرب. في القرن العشرين، عندما خاضت الولايات المتحدة حرب فيتنام، أحدثت خسائرها زلزالاً وتسونامي سياسياً في واشنطن؛ إذ خسرت أمريكا خلال 20 عاماً في فيتنام 58 ألف جندي، وكانت التداعيات السياسية كارثية على الإدارة الأمريكية آنذاك. أما روسيا، فقد خسرت في أوكرانيا أكثر من مليون جندي بين قتيل وجريح، مليون إنسان سقطوا ولم يحاسَب بوتين على ذلك أبداً! ولكنهم يحتاجون يومياً إلى مقاتلين جدد لتعويض النزيف البشري ومحاولة اختراق جبهاتنا، ولهذا يلجؤون لتجنيد الناس من أفريقيا وحتى من العراق. وإذا سمحتِ لي، فهذه مسألة بالغة الأهمية لتوضيح ما يخص العراق تحديداً: نعم، هناك أعداد كبيرة من الشباب العراقيين انخرطوا في صفوف الجيش الروسي، وأغلب أولئك الشباب كانوا قد سافروا إلى روسيا بحثاً عن فرص عمل أو لإكمال دراستهم، وجرى إغراؤهم بوعود كاذبة بمنحهم مبالغ مالية أو منحهم الجنسية الروسية وامتيازات أخرى. والكثير منهم هم ممن كانوا مقيمين في روسيا قبل اندلاع الحرب ويعملون هناك أو متزوجين من مواطنات روسيات. وعندما يرتكب أحدهم مخالفة إدارية بسيطة، كمخالفة مرورية على سبيل المثال، تضعه الشرطة الروسية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما توقيع عقد تجنيد مع الجيش لمدة أربع سنوات والذهاب للجبهة، أو الحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات! وبهذه الأساليب القسرية جرى جمع وتجنيد هؤلاء الشباب العراقيين وإرسالهم إلى ساحات القتال، وهناك تبدأ مأساتهم المروعة؛ فالنجاة في هذه الحرب الحديثة شبه مستحيلة، خاصة وأن الضباط والقادة الروس يلقون بهؤلاء العراقيين في أتون المعارك بلا أدنى رحمة أو شفقة.
ژينو محمد: تحدثت عن خسائر الجنود الروس، لكن هناك تقارير تتحدث أيضاً عن تناقص أعداد المقاتلين في أوكرانيا، بل ويجري الحديث عن وجود تجنيد إجباري وإلزامي في بلادكم حالياً. هل تؤكد لنا صحة ذلك؟
السفير الأوكراني: نعم، بالتأكيد، لدينا تعبئة وتجنيد لأننا في حالة حرب ونحتاج إلى سد النقص في صفوف قواتنا، ولكننا في المقابل نعتمد على تكنولوجيا حديثة ومتطورة جداً تمنحنا القدرة على حماية أرواح جنودنا وتقليل الخسائر. وروسيا كعادتها تنتهج أسلوب الهجوم الدائم، ومن المعروف عسكرياً أن العمليات الهجومية تكبّد المهاجم خسائر مضاعفة مقارنة بالقوات المدافعة. وهذا ما يفسر الفارق الهائل في حجم الخسائر بين الجيشين. وإذا لم تخنّي الذاكرة، ففي عام 2022 كانت نسبة القوات الروسية إلى القوات الأوكرانية تقارب ثلاثة إلى واحد، ثم ارتفعت لتصل إلى خمسة مقابل واحد، واليوم تشير تقارير الجبهة إلى أن النسبة في بعض القطاعات الهجومية تصل إلى عشرة مقاتلين روس مقابل مقاتل أوكراني واحد! ولهذا ترينهم يرسلون باستمرار تعزيزات بشرية جديدة للمحارق بلا مبالاة؛ لأن همهم الوحيد هو تحقيق مكاسب لبوتين بأي ثمن.
ژينو محمد: بصفتك أباً، ما هو شعورك حين يكون ابنك الآن في خضم المعارك وساحات القتال؟
السفير الأوكراني: أشعر بقلق دائم وعميق، القلق لا يفارقني أبداً. بالتأكيد أنا أب، وأنتِ تتفهمين تماماً مشاعر الأبوة؛ أنا فخور جداً به وبشجاعته، لكن أمنيتي الوحيدة والأغلى هي أن يعود إليّ سالماً حياً.
ژينو محمد: نسأل الله أن يحفظه لك ويعيده سالماً. ولكن أود أن أسأل: بصفتك سفيراً، وبقية المسؤولين وأصحاب القرار في أوكرانيا، هل ترسلون أبناءكم وعائلاتكم إلى الجبهات لتؤكدوا للمواطنين الأوكرانيين أن الجميع سواسية ولا فرق بين مسؤول ومواطن؟ أم أن الدافع هو حب الأرض والتضحية من أجل الوطن؟
السفير الأوكراني: هل يمكنكِ إعادة صياغة السؤال؟
ژينو محمد: أقصد، على سبيل المثال، أنت أرسلت ابنك للجبهة؛ هل تهدف من وراء ذلك إلى توجيه رسالة للشعب الأوكراني تفيد بأنه لا تمييز بين أبناء المسؤولين وأبناء عامة الشعب في التضحية؟ أم أن عمق الانتماء وحب الوطن هو الدافع الأساسي للذهاب إلى خط النار؟
السفير الأوكراني: كلا، فالأمر ليس كذلك؛ ففي أوكرانيا لا أحد يعلم حتى أنني كسفير كنتُ مقاتلاً وأصبتُ في صفوف الجيش، فهذه أول مرة أكشف فيها هذا الأمر علناً في وسائل الإعلام وأتحدث عنه. رسالتي هذه ليست موجهة للداخل الأوكراني، بل أرويها هنا للشعب الكوردي الصديق. الأوكرانيون لا يستوردون مقاتلين من دول أخرى ولا يستغلون الفقراء للقتال نيابة عنهم، بل هذه حربنا وقضيتنا الوطنية، ونحن ندافع بسلاحنا عن أرضنا وأنفسنا وأهلنا. وحتى أولئك الذين يملكون الملايين تجدينهم يقاتلون كجنود بسطاء في الخنادق. نحن ندافع عن وطننا الأم وعن عوائلنا، وهذا مفهوم إنساني بسيط يمكن لأي شخص استيعابه؛ إنها حرب عادلة ومشروعة. أما بالنسبة لشعبنا في أوكرانيا، فلا نحتاج لتوضيح هذه التضحيات لهم؛ لأنهم يرون كل شيء بأعينهم، ويعلمون علم اليقين أن المسؤولين والحكومة جزء لا يتجزأ من هذا الصمود وهم في قلب المعركة تحت الخطر ذاته.
ژينو محمد: حسناً، هذه نقطة وملاحظة بالغة الأهمية أوضحتها لنا، شكراً لك. نأتي الآن إلى الموقف العراقي؛ كيف تنظر أوكرانيا أو ما هو تقييمها للموقف الدبلوماسي الرسمي للعراق، ولا سيما تصريحاته ومواقفه في الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي الأوكرانية؟
السفير الأوكراني: أنا أعبّر عن شكري وامتناني للحكومة العراقية؛ لأنها تبنت موقفاً متوازناً وسياسة حكيمة. وكما نعلم، حين كان يجري التصويت في الأمم المتحدة حول القرارات المتعلقة بالحرب، كان العراق يشارك بفاعلية في تلك الجلسات، سعياً منه للحفاظ على مسار متوازن في علاقاته بين روسيا وأوكرانيا، مع الالتزام في الوقت ذاته بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة. وباعتباره أحد الأعضاء المؤسسين للأمم المتحدة، فقد صوّت العراق في عدة مناسبات لصالح القرارات الدولية التي تدعم أوكرانيا وتؤكد على سيادتها ووحدة وسلامة أراضيها. وهذا بلا شك موقف واضح وصريح ومحل تقدير عالٍ من قِبلنا لحكومة العراق. وفي سياق متصل، نحن نتفهم تماماً حجم التحديات التي تواجه العراق؛ فمحاولة النأي بالنفس عن الصراعات وتجنب الانزلاق في أتون عدم الاستقرار أمر مبرر؛ فالشعب العراقي عانى الأمرين لأكثر من أربعة عقود جراء ويلات الحروب، ونحن ندرك أن المهمة الأساسية للحكومة هي حماية العراق وإبعاده عن التورط في أي نزاع إقليمي أو دولي. وأوكرانيا تؤيد وتدعم هذا النهج بكل تأكيد، ولهذا فإننا نمتلك تفاهماً تاماً ورؤية مشتركة مع بغداد ومع زملائي في الحكومة العراقية.
ژينو محمد: تحدثت عن سعي العراق للحفاظ على حياده في هذا الظرف، خاصة في ظل الصراعات التي تحيط بالمنطقة، لا سيما التوتر بين إيران والولايات المتحدة. والعراقيون أنفسهم يقرون بصعوبة حفاظ الحكومة على هذا التوازن الحرج بين طهران وواشنطن. لكن ما هو الموقف الأوكراني حيال ذلك؟ وما هي رسالتكم ونصيحتكم للعراق في هذا الوضع المعقد؟
السفير الأوكراني: نحن ندعم ونساند كل المواقف التي تدعو إلى ترسيخ السلام؛ فأي نزاع أو أزمة سياسية يمكن ويجب أن تُحل عبر طاولة الحوار والمفاوضات الدبلوماسية. وأنا بصفتي دبلوماسياً أتمسك بهذه الرؤية، وحسب معلوماتي ومحادثاتي، فإن الجانب العراقي يتبنى المبدأ ذاته، مؤكدين على الدوام أن كل الخلافات والتعقيدات يجب معالجتها بالحوار السلمي وتغليب لغة السلام والدبلوماسية بدلاً من خيار الحرب.
السفير الأوكراني: تشابه كبير بين صمود الشعبين الكوردي والأوكراني في وجه المآسي والحروب
ژينو محمد: تطرقنا إلى ملفات بالغة الأهمية، ولكن دعنا ننتقل إلى جانب آخر نود استيضاحه: كم يبلغ عدد المواطنين الأوكرانيين المقيمين في العراق وإقليم كردستان؟ وما هي طبيعة أعمالهم ونشاطاتهم هنا؟
السفير الأوكراني: تسألين عما يفعله الأوكرانيون هنا؟
ژينو محمد: نعم، أوضاع الجالية الأوكرانية في إقليم كوردستان والعراق.
السفير الأوكراني: حسناً، وفقاً للإحصائيات المسجلة لدينا في السفارة، وهي إحصائيات قد لا تكون نهائية وشاملة تماماً، لكن بتقديري يقيم أكثر من 700 مواطن أوكراني بشكل دائم في العراق، وأكثر من نصفهم، أي ما يزيد عن 400 مواطن أوكراني، يعيشون في إقليم كوردستان، وتحديداً في مدينة أربيل بالدرجة الأولى، ثم تليها محافظة السليمانية. وبالأمس التقيتُ بعدد من ممثلي جاليتنا الأوكرانية هنا، وبإمكاني أن أؤكد لكِ أنهم يشعرون بالرضا التام والارتياح الكبير والأمان. وأنا بدوري كسفير، أود أن أرفع أسمى آيات الشكر والعرفان لحكومة إقليم كردستان التي هيأت هذه الظروف والبيئة الإيجابية التي تجعل الأوكرانيين يشعرون بأن كردستان هي وطنهم الثاني. وأنا أدرك تماماً كم هو شاق وصعب توفير هذه الأجواء المثالية في ظل وجودكم في منطقة تموج بالاضطرابات. ونحن نعلم أن إقليم كوردستان كان ولا يزال ملاذاً آمناً ووطناً ثانياً لمئات الآلاف من اللاجئين والنازحين القادمين من سوريا ومن مختلف محافظات العراق ممن فروا خلال حرب داعش. وهذا بلا شك موقف إنساني ونبيل يحسب لحكومة وشعب إقليم كردستان. وبطبيعة الحال، الأوكرانيون المقيمون هنا ليسوا لاجئين، ولكنهم يحيون في أمان وطمأنينة، وأنا ممتن جداً لأصدقائنا الكورد ولحكومة الإقليم.
ژينو محمد: من خلال معايشتك وفهمك للواقع، ما هي القواسم المشتركة التي تجمع بين الشعبين الكوردي والأوكراني؟
السفير الأوكراني: في الحقيقة، فوجئتُ وتأثرتُ كثيراً حين أخبرني أحد الأصدقاء الكورد بأن البعض في الخارج ينظرون إلى الكورد كشعب وقع ضحية لسلسلة طويلة من الكوارث والمآسي التاريخية، وبالفعل لقد اجتاز الشعب الكوردي فترات وأياماً مظلمة وقاسية جداً في تاريخه، وهذا الأمر ينطبق تماماً على الشعب الأوكراني. وبنظرة عامة، فإن الصورة الراسخة لدينا عن الكورد هي أنهم مقاتلون وفرسان أشداء لا غبار عليهم، وشعب باسِل استطاع مقارعة ومواجهة قوى ودول تفوقه قوة وعدداً بكثير. وبالمثل، لكي تفهمي الرابط بيننا، فإن الأوكرانيين واثقون من أن العالم ينظر إليهم بالصورة ذاتها؛ فتاريخنا مليء بالمحطات القاسية والمظلمة عندما قُسّمت أوكرانيا بين إمبراطوريات كبرى، ودفعنا أثماناً باهظة وخسائر لا تُحصى، واليوم يُعرف الأوكرانيون عالمياً بأنهم مقاتلون أبطال قادرون على الصمود في وجه أي غازٍ ومعتدٍ. لهذا نجد تشابهاً وتطابقاً كبيراً بيننا في هذا المضمار. وهناك خصلة أخرى لا بد أن أشير إليها: الكورد والأوكرانيون يتسمون بالصدق والوفاء بالعهود، وهم أصدقاء حقيقيون ومخلصون. وقد قرأتُ في إحدى الوثائق التاريخية تحليلاً يتناول أسباب نجاح وأهمية إبرام الصفقات مع الكورد، حيث يؤكد أن التاجر الكوردي إذا أبرم عقداً فإنه يلتزم بتنفيذه والوفاء به حرفياً. وفي عصرنا الحالي الذي باتت فيه أزمة الثقة مشكلة حقيقية، تصبح الثقة بحد ذاتها رأس مال لا يقدّر بثمن، ورجال الأعمال الكورد يدركون أنهم يمتلكون رصيداً كبيراً من الثقة والمصداقية، وهذه ميزة أتمنى أن يقتدي بها ويعززها رجال الأعمال الأوكرانيون أيضاً.
ژينو محمد: أشكرك جزيل الشكر على هذه الكلمات الجميلة والإنصاف في وصف الشعب الكوردي، وهذا يعكس جوهر وحقيقة الكورد. ولكن لدينا ميزة أخرى، وأود أن أعرف سعادة السفير إن كنتَ قد لمستها خلال وجودك في إقليم كوردستان؛ فنحن بجانب كوننا مقاتلين أشداء في وجه الأعداء، فإننا شعب مضياف جداً. هل لمستَ كرم الضيافة الكوردية في الإقليم؟
السفير الأوكراني: نعم، بكل تأكيد، كرم الضيافة هو قاسم مشترك وثيق بين الأوكرانيين والكورد. ولكن بصراحة، في أول زيارة لي إلى كوردستان، وكان ذلك في يومي الثالث هنا، لم أتمكن للأسف من معايشة كرم الضيافة هذا بشكل مباشر. والسبب يعود إلى جدول أعمالي المكثف؛ فقد كانت لدي اجتماعات متتالية وماراثونية، وكنتُ أعود إلى الفندق في المساء منهكاً ومستنزف الطاقة بالكامل، فلم يتبقَّ لدي أي وقت لتناول العشاء في الخارج براحة. ولكنني أعلم جيداً أن الضيافة الكوردية ثقافة عريقة متجذرة، تتجلى في الالتفاف حول مائدة الطعام المشتركة، وأعلم أن الأكلات والمطبخ الكوردي لذيذ ومميز للغاية.
ژينو محمد: المطبخ الكوردي غني ولذيذ بالفعل. وربما يتكرر هذا السؤال على ضيوفنا من أمثالك، لكن أغلب من يزورون كردستان يمتدحون طعامنا. ترى، أي من أكلاتنا تراها الأطيب؟ وما الذي يعجبك في أطباقنا؟
السفير الأوكراني: في الواقع لا أعلم؛ لأنني وكما أخبرتكِ، كنتُ مشغولاً للغاية طوال فترة إقامتي السابقة، ولم أفوّت أي موعد رسمي، فكان يومي يبدأ بالاجتماعات من الصباح الباكر حتى حلول المساء، وفي نهاية اليوم كنتُ أكتفي بتناول أي وجبة سريعة داخل الفندق، ولهذا لم يتسنَّ لي بعد تجربة الأطباق الكوردية الأصيلة. ولكن بالنظر إلى الأهمية الكبيرة التي توليها أوكرانيا لوجودها في إقليم كوردستان، فإننا فور افتتاح قنصليتنا العامة هنا، سأتحرر من ضغط المواعيد، وستتاح لي فرصة أوسع لمعايشة الضيافة الكوردية وتذوق أشهر الأكلات الشعبية هنا. وهناك رغبة أخرى أود مشاركتها معكِ: أنا بالأساس مؤرخ، ودراستي الأولى كانت في علم التاريخ، وكنتُ متحمساً جداً لزيارة قلعة أربيل التاريخية؛ فأربيل من أقدم المدن المأهولة في تاريخ البشرية، وكنتُ أتطلع لرؤية هذه المعجزة التاريخية، لكنني قضيتُ ثلاثة أيام في أربيل ولم أتمكن من رؤية القلعة! والسبب أن واجبي الدبلوماسي الأول يحتم عليّ اللقاء بالناس، والاجتماع بالقادة السياسيين، والإعلاميين، ومجتمع الأعمال الأوكراني.
ژينو محمد: نتمنى أن تحظى بهذه الفرصة قريباً في المستقبل؛ فكردستان غنية بمواقعها الأثرية والتاريخية العريقة، ومقاصدها السياحية الخلابة وأجوائها الهادئة. ونأمل أن يتسع وقتك لتذوق أطباقنا اللذيذة وزيارة تلك المعالم وسنناقش ذلك في لقاءات مقبلة. ولكن لدي سؤالان ختاميان بالغا الأهمية بالنسبة لي، وأرجو التفضل بالإجابة عنهما بإيجاز، وسأكون شاكرة لكِ جداً. السؤال الأول:
هناك مجموعة من السيدات الأوكرانيات المتزوجات في أربيل وإقليم كوردستان (وهذا ينطبق ربما على السليمانية وبقية المناطق أيضاً)، وهنّ يشتكين من عدم تمكنهن من اصطحاب أزواجهن معهن في زيارات عائلية إلى أوكرانيا؛ حيث يؤكدن أنه لا يتم منح التأشيرة (الفيزا) لأزواجهن العراقيين، حتى وإن كانت بوجود بطاقة دعوة رسمية! كيف ستعالجون هذه المشكلة؟ تفضل بالإجابة لأطرح سؤالي الثاني.
السفير الأوكراني: في الحقيقة، هذا السؤال ينبغي توجيهه إلى قنصلنا؛ لأنني لستُ مطلعاً على التفاصيل الإجرائية الدقيقة لملفات منح التأشيرات. وفضلاً عن ذلك، لا أستطيع إعطاء إجابة قاطعة وفورية الآن لكونه ملفاً حساساً ومحكوماً بضوابط رسمية؛ لذا يفضل أولاً مراجعة القنصل وسؤاله عن الآليات المتبعة، ومن ثم يمكنني تزويدكِ بإجابة وافية ومفصلة. ولكن ما يمكنني تأكيده هو أننا على تواصل مستمر مع مواطنينا في أربيل ونقدم لهم المساعدة والتسهيلات في شتى القضايا والمسائل القنصلية.
ژينو محمد: لكن لماذا يُعد الحصول على التأشيرة أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة للمواطنين؟ أي هل هناك شروط تعجيزية تفرض اشتراط وجود دعوة رسمية؟
السفير الأوكراني: تاريخياً، يقع العراق في منطقة تصنف ضمن المناطق ذات المؤشرات المرتفعة لمخاطر الهجرة غير الشرعية، وهذا شرط وضابط تفرضه المعايير الأوروبية المعتمدة. والاتحاد الأوروبي وضع شروطاً صارمة على أوكرانيا تقضي بضرورة تدقيق وتقييد إجراءات منح التأشيرات لمواطني بعض الدول المصنفة، ومن بينها العراق؛ وذلك لضمان استمرار اتفاقية الإعفاء المتبادل من التأشيرة الممنوحة للمواطنين الأوكرانيين للدخول إلى دول الاتحاد الأوروبي. لقد كان أحد شروط الحفاظ على نظام الـ (شنغن) دون تأشيرة للأوكرانيين هو تشديد وتطبيق قيود أمنية على منح الفيزا لعدد من البلدان. وبناءً على ذلك، فإن قوانيننا وإجراءاتنا القنصلية متطابقة إلى حد كبير مع منظومة القوانين واللوائح المعمول بها في الاتحاد الأوروبي.
ژينو محمد: سؤالي الأخير: أوكرانيا تعيش ظروف الحرب، والشرق الأوسط يشتعل بتداعيات المواجهة الأمريكية الإيرانية، والعراق وإقليم كوردستان يمران بظروف اقتصادية قاسية. ومسألة الزواج والارتباط وتكوين الأسرة في ظل هذه الظروف الصعبة والمعقدة تصبح مسألة شاقة. لو حدثتنا عن المشهد داخل أوكرانيا الآن: هل تستمر عقود الزواج؟ وكيف يتمكن الناس من الزواج والارتباط في ظل القصف وأهوال الحرب؟
السفير الأوكراني: نعم، بالتأكيد، الزواج مستمر، ولكن بطرق قد تبدو غير مألوفة، فلدينا ثقافة وتقاليد فريدة في أوكرانيا؛ فأبناؤنا أحياناً يتزوجون دون علم مسبق منا، وإن لم يكن ذلك بدون موافقتنا الضمنية، لكن في بعض الأحيان يُفاجأ الآباء والأمهات بزواج أبنائهم دون ترتيبات مسبقة! لا، أنا أمزح معكِ بالطبع، ولكن في بلد يمر بظروف حرب طاحنة، ابتكرنا وطورنا منظومة حكومية رائدة للخدمات الرقمية المتكاملة، بمعنى أنكِ لستِ مضطرة أبداً لمراجعة الدوائر الحكومية أو التوجه إلى العاصمة لإتمام المعاملات؛ فكل ما تحتاجينه هو هاتفك المحمول المتصل بالإنترنت، ثم الدخول إلى بوابة الخدمات الحكومية الرقمية الأوكرانية الرسمية، وهناك يمكنكِ تأسيس وتسجيل عمل تجاري، أو دفع الضرائب، وإنجاز كافة المعاملات والخدمات الحكومية بكفاءة عالية. ولا تحضرني كل التفاصيل بدقة الآن، ولكن بسبب تهديدات الصواريخ والمسيّرات، تم رقمنة كل شيء، حتى أنه يمكنكِ توثيق الزواج أو إتمام إجراءات الطلاق إلكترونياً وبشكل كامل. على سبيل المثال، ابنتي فاجأتني في العام الماضي بإبلاغي برغبتها في الزواج من خطيبها، وأنا أعرفه جيداً وهو شاب رائع وتربطهما صداقة منذ سنوات طويلة، ولكنهما قررا فجأة عقد قرانهما فور تلقيه أمر الالتحاق بالجيش وإرساله إلى الخطوط الأمامية كمقاتل، فوافقت ابنتي على الفور لتكوين الأسرة قبل ذهابه. وأنا بطبعي رجل محافظ وتقليدي في هذه الأمور، وكنتُ أتساءل باستغراب: "أين الحفلة؟ أين مظاهر الفرح والأعراس التي اعتدنا عليها؟ أنا أريد أن أقيم لكما حفلاً كبيراً!". لكن ابنتي أجابتني بهدوء: "لقد وثّقنا عقد زواجنا رسمياً وقانونياً عبر الإنترنت". لذا، نعم، هم بالتأكيد يقيمون حفلات بسيطة ويقضون فترات عسل متى ما تيسر لهم، ولكن كل مظاهر الاحتفال المؤجلة والبهجة الكبرى ستتحقق بالكامل بإذن الله فور وضع الحرب أوزارها، وهذا ما نأمله ونتطلع إليه جميعاً.
ژينو محمد: سعادة السفير، شكراً جزيلاً لحضورك معنا وإجابتك الكريمة على كافة أسئلتنا. ممتنون جداً لك.
السفير الأوكراني: شكراً جزيلاً لكِ.
ژينو محمد: إلى هنا مشاهدينا الكرام نكون قد وصلنا إلى نهاية حلقة اليوم من برنامج «باسی ڕۆژ- حديث اليوم». دمتم بخير وسالمين دائماً.