المؤرخ نجاتي عبد الله لـ"كوردستان 24": الثقافة شريان وحدة الكورد.

نحتاج عاجلاً لمكتبة وطنية رقمية ومواكبة الذكاء الاصطناعي

أربيل (كوردستان24)- أكد الكاتب والمؤرخ والرئيس الأسبق للأكاديمية الكوردية، الدكتور نجاتي عبد الله، أن الثقافة واللغة تمثلان العامل الوحيد القادر على صياغة هوية وطنية موحدة لأمة مجزأة جغرافياً، داعياً إلى استثمار الفضاء الرقمي وتأسيس "مكتبة وطنية رقمية" تجمع النتاج الفكري الكوردي، إلى جانب التعامل الواعي مع طفرة الذكاء الاصطناعي.

جاء ذلك في حوار خاص أجرته معه فضائية "كوردستان 24" على هامش فعاليات الدورة الثامنة عشرة لمعرض أربيل الدولي للكتاب، حيث استعرض واقع تدوين التاريخ الكوردي، وقراءة وثائق الرحالة الأجانب، ومستقبل المعرفة في العصر الرقمي.

الثقافة كهوية عابرة للحدود

واستهل عبد الله حديثه بالإشارة إلى أن إقامة معرض أربيل الدولي للكتاب تُعد ضرورة حضارية وركيزة أساسية لإقليم كوردستان، موضحاً: "بحكم الظروف التاريخية التي فرضت عيش الكورد في جغرافيا مقسمة بين أربع دول، تظل الثقافة والكلمة المكتوبة الرابط الوحيد القادر على تجاوز هذه الحدود المصطنعة، وإعادة بناء شوناس (هوية) وتعريف جامع للأمة والوطن".

وفنّد المؤرخ الكوردي الآراء التي تدعي تراجع حضور الكتاب الكوردي، مؤكداً أن دور النشر القادمة من أجزاء كوردستان (في تركيا وإيران) إلى جانب الإقليم، سجلت حضوراً لافتاً وأثرت المكتبة الكوردية بإصدارات نوعية رصينة.

محطات تدوين التاريخ الكوردي

وحول توثيق الـ500 عام الماضية من التاريخ الكوردي، أوضح عبد الله أن حركة التدوين اتسمت بالتشتت والندرة وغياب التراكم المعرفي المستدام؛ مبيناً أنه باستثناء المخطوطات الكلاسيكية مثل "شرفنامة البدليسي"، فإن تدوين التاريخ وطباعته في كتب مستقلة لم ينطلق فعلياً إلا عام 1925.

وأضاف أن الفترة الممتدة بين عامي (1925 و1991) كانت مرحلة قمع وملاحقة وتقطيع لأوصال التاريخ الكوردي، في حين انطلقت "المرحلة الذهبية" للتدوين والطباعة وتأسيس المكتبات الكوردية عقب انتفاضة عام 1991 في إقليم كوردستان، والتي أحدثت قفزة نوعية في حركة التأليف والنشر.

دعوة عاجلة لمكتبة رقمية "سحابية"

وشدد الرئيس الأسبق للأكاديمية الكوردية على أن الفضاء الرقمي يكتسب أهمية مضاعفة بالنسبة للكورد بعشر مرات مقارنة بالشعوب الأخرى، لكونه فضاءً حراً لا تستطيع أي دولة فرض قيود جغرافية عليه لمنع التواصل بين كوردي في مريوان وآخر في أربيل.

وانتقد عبد الله التقصير في هذا الجانب، قائلاً: "كان ينبغي حتى الآن أن نمتلك مكتبة وطنية رقمية عبر الحوسبة السحابية (Cloud)، تُجمع فيها كافة المخطوطات والمصادر والنتاجات الفكرية الكوردية من مختلف أصقاع الأرض لتكون في متناول الجميع.. إن عدم إنجاز هذا المشروع حتى اللحظة يمثل فجوة وإهمالاً كبيراً تجب معالجته فوراً".

أدب الرحلات: مادة خام وليست نصوصاً مقدسة

وفي ما يتعلق بمذكرات الرحالة والمستشرقين الأجانب، أوضح د. نجاتي أن هؤلاء الرحالة (سواء كانوا دبلوماسيين، أو عسكريين، أو مبشرين، أو جواسيس) لم يكونوا مؤرخين محترفين، بل سجلوا انطباعاتهم الخاصة التي تجسد في جوهرها "رؤية الآخَر" للكورد.

وأكد: "تلك المذكرات ليست نصوصاً مقدسة أو آيات منزلة، بل هي مادة تاريخية خام؛ والواجب يقتضي ترجمتها نقدياً إلى اللغة الكوردية وتفكيكها بمنهجية علمية، ليتسنى للمؤرخين الكورد إعادة قراءة وصياغة تاريخ أمتهم برؤية وطنية ذاتية وعلمية منصفة".

الذكاء الاصطناعي.. "قطار سريع" لا ينتظر

واختتم عبد الله رؤيته بالتطرق إلى ثورة الذكاء الاصطناعي (AI)، مشبهاً إياها بـ"قطار سريع فائق السرعة" لا يمكن إيقافه، ومن لا يلحق به سيجد نفسه خارج مسار التاريخ.

وقال: "لا مبرر للخوف من الذكاء الاصطناعي إذا أحسنا استخدامه بحكمة، فهو يوفر فرصاً وتسهيلات هائلة؛ والشرط ألا نتحول إلى عبيد لهذه التقنية، بل أن نوجهها لخدمة البحث العلمي وقضيتنا العادلة"، مقترحاً تأسيس جامعات أو معاهد تخصصية للذكاء الاصطناعي في إقليم كوردستان لمواكبة متطلبات المستقبل.