بزشكيان يقرّ بفشل السياسات الاقتصادية: حالة "اللاحرب واللاسلم" تعطل التنمية وتعمق الاستياء الشعبي

أربيل (كوردستان 24)- أقرّ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، اليوم السبت 24 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بأن جذور الجزء الأكبر من حالات الاستياء والاحتجاجات الشعبية في إيران تعود مباشرة إلى غياب العدالة الاقتصادية، وتفشي الفساد المالي، وسوء إدارة الموارد، مشيراً إلى أن بقاء البلاد في مرحلة "اللاحرب واللاسلم" بات يمثل العائق الأكبر أمام وضع خطط اقتصادية ناجعة وقابلة للتنفيذ.

وجاءت تصريحات بزشكيان خلال مراسم إطلاق التعداد العام للسكان والمساكن، في مقر منظمة التخطيط والموازنة في العاصمة طهران، حيث قدم قراءة نقدية صريحة للواقع المعيشي المتردي والتحديات الهيكلية التي تعصف بالاقتصاد الإيراني.

فخ "اللاحرب واللاسلم" وشلل التخطيط

وضع بزشكيان يده على أحد أبرز المحركات الأساسية للأزمة المعيشية والمالية الراهنة، مؤكداً أن حالة الضبابية وعدم اليقين الناتجة عن وضعية "اللاحرب واللاسلم" أفرزت تداعيات قاسية على معيشة المواطنين اليومية. وأوضح أن عدم وضوح الرؤية الإستراتيجية للدولة يحرم صانعي القرار والخبراء من رسم خرائط طريق تنموية حقيقية، ما يترك الاقتصاد تحت وطأة تقلبات خانقة وشلل شبه تام في جذب الاستثمارات أو توجيه رؤوس الأموال نحو الإنتاج الفعلي.

وشدد الرئيس الإيراني على أن معالجة الأوضاع المعيشية الصعبة، لا سيما للأسر التي باتت عاجزة عن تأمين متطلبات قوتها اليومي، تتطلب إنهاء هذه المرحلة المعلقة والتحرك الفوري نحو سياسات اقتصادية محددة المعالم، لافتاً إلى أن المضي في ظل غياب الاستقرار الإقليمي والدولي يدفع الفئات الأكثر هشاشة إلى حافة الانهيار الاقتصادي.

اختلال منظومة الدعم وهدر الموازنات

وفي تناوله لآليات الدعم الحكومي، انتقد بزشكيان بشدة المنظومة المتبعة حالياً، واصفاً إياها بغير المنطقية وغير العادلة. وأكد أنه ليس من المقبول ولا من العدل الاقتصادي أن يستفيد المقتدرون وأصحاب الثروات من الدعم الحكومي للسلع والخدمات بنفس المقدار الذي يحصل عليه الفقراء والمحرومون، داعياً إلى إعادة هيكلة جذرية لمنظومة الدعم وتحويل المخصصات مباشرة إلى مستحقيها الفعليين.

كما أشار بزشكيان إلى ما وصفه بـ"نزيف الموازنات العامة"، مستشهداً ببيانات منظمة التخطيط والموازنة، حيث تتعرض المخصصات المالية المعتمدة للمشاريع والخدمات للتبدد والانتهاء في منتصف الطريق قبل أن تصل إلى المستهلك النهائي. ورأى أن هذا الخلل الهيكلي يحرم المواطنين في أسفل الهرم الاجتماعي من تلقي أي خدمات فعلية، بينما تتراكم الأموال في قنوات بيروقراطية غير منتجة في المراكز العليا.

اقتصاد الريع والفوارق التنموية بين المركز والأطراف

وسلط التقرير الضوء على الفجوة التنموية الحادة بين العاصمة والمحافظات النائية والحدودية؛ إذ عبر بزشكيان عن أسفه الشديد لتكريس التمييز في توزيع الموارد والخدمات، مشيراً إلى مفارقة صارخة تتمثل في تلقي طلاب التعليم داخل أكواخ تفتقر لأبسط المقومات في بعض المناطق، مقابل تمتع مناطق أخرى بأحدث المرافق المتطورة. واعتبر أن هذا التفاوت الفج يُعد الدافع الأبرز لحالة السخط الشعبي المتراكم.

وربط الرئيس الإيراني بين شح البيانات الدقيقة وتفشي مظاهر الفساد المالي والاقتصادي، مؤكداً أن العمل في بيئات إدارية مظلمة وغير شفافة أسهم في ازدهار "اقتصاد الريع"، وتجارة الرشى، وتهريب السلع، وتجريف الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية لتحقيق مصالح نفعية لفئات معينة على حساب الصالح العام. واعتبر أن الامتيازات والمصالح غير المشروعة تُنتزع غالباً عبر النفوذ والعلاقات الحزبية والسياسية في ظل غياب آليات الرصد الرقمي الفوري للمخالفات المالية.

تفاقم الاحتقان الاجتماعي ومحدودية الموارد

وفي رسالة حملت إقراراً بارتفاع منسوب الاحتقان الشعبي، نبه بزشكيان إلى أن استطلاعات الرأي الرسمية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن المواطنين مستاؤون من الظلم والتمييز واللاعدالة، مشدداً على أن استمرار النخب والمسؤولين في إطلاق الوعود والشعارات دون انعكاس ملموس في السياسات والإجراءات الواقعية يُفقد الدولة مصداقيتها بالكامل.

وحذر من أن الموارد المالية والأراضي والمساحات التنموية في إيران محدودة للغاية، ولا تحتمل الاستمرار في النهج العشوائي الحالي؛ مطالباً مسؤولي المحافظات والوزارات بالتخلي عن النزاعات الفئوية والسياسية التي تُستخدم أحياناً كغطاء للتهرب من المحاسبة أو للتغطية على الفساد، وتوجيه ما تبقى من طاقات لخلق قيمة مضافة تنقذ البلاد من الركود التضخمي.

التحول الرقمي كأداة أخيرة للإنقاذ

وخلص بزشكيان إلى أن فرض الشفافية الشاملة والاعتماد على السجلات الرقمية والبيانات الدقيقة يمثلان الخطوة الإلزامية الأولى لوقف الانهيار وإعادة هيكلة الاقتصاد المأزوم؛ لافتاً إلى أنه بدون معرفة دقيقة لحصص الأفراد، ومسارات الإنفاق الحكومي، والقدرات التشغيلية المتاحة، سيظل الحديث عن العدالة مجرد شعار، وستبقى الأزمات المعيشية قابلة للانفجار في أي لحظة.

ويعكس هذا الخطاب، في توقيته ومضامينه، حجم الضغوط المركبة التي تواجهها طهران في إدارة ملفها الداخلي، حيث تتقاطع الأزمات المعيشية الخانقة الناتجة عن تراجع المداخيل وتدهور العملة مع تعثر الحلول السياسية الخارجية، ما يضع الحكومة أمام اختبارات بالغة التعقيد في مواجهة تطلعات الشارع واحتواء نيران الاستياء الاقتصادي.

المصدر: وسائل اعلام ایرانیة