بغداد تبدأ دمج "اليبشة" في الأجهزة الرسمية ونقل أمن جبل سنجار إلى السلطات الاتحادية
أربيل (كوردستان24)-شهد جبل سنجار، اليوم الإثنين (26 تشرين الأول 2026)، حدثاً أمنياً وسياسياً مفصلياً مع بدء المراسم الرسمية لفك الارتباط العسكري لـ"وحدات حماية سنجار" (اليبشة)، ونقل المسؤولية الأمنية للجبل الاستراتيجي بالكامل إلى السلطات الاتحادية، بالتزامن مع إطلاق عملية دمج ما بين 4000 إلى 5000 من مقاتلي الوحدات داخل الأجهزة والمؤسسات الأمنية الرسمية لجمهورية العراق.
تفاصيل مراسم جبل سنجار وآلية الدمج
ووفقاً لمعلومات كشفت عنها مصادر مطلعة في سنجار لوسائل إعلام كوردية ومحلية، فإن مراسم عسكرية أقيمت في قمة جبل سنجار بحضور قيادات أمنية وعسكرية رفيعة من الحكومة الاتحادية وممثلين عن قيادة "اليبشة".
وأوضحت المصادر أن عملية الاندماج ستُنفذ عبر عدة مراحل مدروسة، وتتضمن استيعاب نحو 5 آلاف مقاتل إيزيدي ضمن ملاكات القوات الاتحادية (الجيش والشرطة الاتحادية والأجهزة الأمنية)، مع بقاء هؤلاء المقاتلين متمركزين داخل قضاء سنجار كقوة رسمية خاضعة لأوامر بغداد ومكلفة بحماية مناطقهم، وهو المطلب الذي تمسكت به القيادات المحلية الإيزيدية طوال فترة التفاوض.
الموقف الحكومي: استحقاق دستوري وتكريم لتضحيات الإيزيديين
من جهتها، أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة تبنيها الكامل لهذه الخطوة. وأكد الناطق باسم القائد العام، اللواء صباح النعمان، في بيان رسمي، أن هذا الإجراء يجري بإشراف ومتابعة ميدانية مباشرة من القائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي، ويأتي ضمن أولويات البرنامج الحكومي لتطبيق استراتيجية "حصر السلاح بيد الدولة"، وتدشين مرحلة جديدة من المسؤولية القانونية والأمنية في سنجار.
وثمّن البيان التضحيات الجسيمة التي قدمها أبناء المكوّن الإيزيدي في مواجهة تنظيم "داعش" والدفاع عن العراق وسنجار، مشيداً بـ"التزامهم بالثوابت الوطنية وبنصوص الدستور الذي يحظر تشكيل جماعات مسلحة خارج إطار القوات النظامية".
كما قطعت الحكومة الاتحادية تعهداً بالالتزام التام بضمان كامل حقوق المقاتلين المنخرطين في الأجهزة الرسمية، وإنصاف ذوي الشهداء والجرحى، وتكثيف برامج تعويض المتضررين وتسريع عجلة إعمار وتأهيل البنى التحتية في القضاء لضمان عودة النازحين.
كواليس التفاوض: من شباط إلى اتفاق تشرين
هذا التحول لم يأتِ وليد اللحظة؛ إذ كشف المتحدث باسم وحدات حماية سنجار، هادي إلياس، قبل أيام، أن قنوات الحوار والمفاوضات المباشرة بين قيادة "اليبشة" وكبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين في بغداد فُتحت رسمياً منذ شباط/فبراير الماضي لصياغة اتفاق دمج شامل ضمن منظومة الدفاع الوطنية.
وبرر إلياس طول أمد المفاوضات بأن "القضية شائكة ومرتبطة بمستقبل المجتمع الإيزيدي وحقوقه، وبجغرافية المنطقة وإدارتها، وحقوق المرأة المقاتلة، وتكييف الأجهزة الأمنية"، معرباً عن أمله في أن يُرسي هذا الاتفاق دعائم السيادة والاستقرار ويحمي الخصوصية الإيزيدية.
تأسست "وحدات حماية سنجار" (اليبشة) كقوة مسلحة إيزيدية في أعقاب اجتياح تنظيم "داعش" لقضاء سنجار صيف عام 2014 وارتكابه مجازر إبادة جماعية بحق المجتمع الإيزيدي. وتشكلت الوحدات بتدريب وإسناد أيديولوجي وعسكري وثيق من "حزب العمال الكوردستاني" (PKK).
ومع توقيع "اتفاقية سنجار" بين بغداد وأربيل في تشرين الأول/أكتوبر 2020 لتطبيع الأوضاع—والتي نصت بوضوح على إخراج كافة التشكيلات غير النظامية والجماعات المرتبطة بالـ PKK—ظلت الأوضاع متوترة في القضاء؛ لا سيما بعد تصنيف بغداد الرسمي مؤخراً لحزب العمال كـ"تنظيم محظور"، الأمر الذي وضع "اليبشة" أمام خيارات معقدة ودفعها للمسارعة نحو تقنين وضعها الداخلي والتحول لقوة نظامية تفادياً لأي استهدافات أو ملاحقات أمنية.
طي صفحة الصدام المسلح
يضع هذا الاتفاق حداً لسلسلة من الصدامات الدامية التي شهدتها أطراف ومركز سنجار في أوقات سابقة بين الجيش والشرطة الاتحادية من جهة، ومقاتلي "اليبشة" من جهة أخرى، كان أعنفها مواجهات آذار/مارس من العام الماضي، التي أسفرت حينها عن إصابة 10 عناصر من القوات العراقية (5 من الشرطة الاتحادية و5 جنود) وإصابة 3 من عناصر الوحدات، واحتجاز عدد من المقاتلين لساعات.
ويرى مراقبون أن نجاح دمج آلاف المقاتلين ونقل الإشراف الأمني المباشر لجبل سنجار إلى السلطات الاتحادية يشكل أهم خطوة ميدانية لتطبيق اتفاقية سنجار ونزع فتيل التدويل والتوترات الإقليمية في المثلث الحدودي العراقي-السوري-التركي، مع الحفاظ على مشاركة أبناء الأرض في حماية أمنهم تحت الراية العراقية.