ضحية "صلح" غادر وشهادة زور قسرية.. شاب من أبو غريب يدفع 14 عاماً من عمره في السجن وينام في العراء خوفاً من القتل

أربيل (كوردستان24)- لم يكن يدري الفتى ذو الثمانية عشر ربيعاً حين سعى لجمع صديقه "علاوي" بخاله لإنهاء خلاف بينهما، أنه يقود صديقه إلى الموت ويقود نفسه إلى غياهب السجون لأربعة عشر عاماً، في واحدة من أكثر قصص الغدر والتضليل العائلي والابتزاز العشائري مأساوية في أطراف العاصمة بغداد.

الشاب محمد أحمد إبراهيم عبيان، من أهالي قضاء أبو غريب، روى لكوردستان24، تفاصيل المأساة التي سلبت منه زهرة شبابه، وحولته اليوم—بعد أشهر قليلة من تنسمه الحرية—إلى مشرد ينام في قنوات البزل والأراضي الزراعية خوفاً من التصفية الجسدية على يد خاله القاتل.

البداية.. "وساطة صلح" تنتهي بمجزرة

تعود خيوط القضية إلى ما قبل نحو 14 عاماً، حين كان محمد شاباً يافعاً وحديث الزواج؛ حيث تدخّل بحسن نية للتوسط في عقد صلح بين صديقه المجني عليه وخاله. إلا أن جلسة الصلح تحولت إلى فخ غادر؛ إذ أقدم الخال بمساعدة شقيقه على احتجاز الضحية وذبحه بدم بارد أمام ناظري ابن شقيقتهما المذعور.

وعقب اكتشاف الجريمة وتطويق الأجهزة الأمنية للمنطقة، سارع محمد بإرادته لتقديم شهادته وكشف ملابسات الحادثة، مؤكداً للأجهزة التحقيقية ارتكاب خاله للجريمة. إلا أن وجوده برفقة الضحية قبل مقتله قاده إلى دائرة الاتهام بصفته شريكاً أو "علاساً" (مستدرجاً للضحية).

الخديعة والضغوط العشائرية

استمرت محاكمة محمد وخاله لأكثر من عام؛ وخلال تلك الفترة مارست عائلة الأخوال وشيوخهم ضغوطاً نفسية واجتماعية هائلة على الشاب الفتي، متذرعين بأن عشيرة الضحية هجّرت أسرهم من منازلهم، واعدين إياه بتحمل كامل التبعات ودفع "الفصل العشائري" وتأمين إخراجه من القضية، شريطة أن يغير أقواله أمام محكمة الجنايات وينكر معرفته بهوية القاتل.

ورغم تحذيرات القضاة وضباط التحقيق للشاب بأن تراجعه وإنكاره للشهادة سيلحق به أشد الضرر، إلا أن صغر سنه وقصر خبرته وضغط العائلة دفعه لإنكار شهادته الأولى، لتصدر المحكمة حكماً بالسجن لمدة 20 عاماً بحقه وبحق خاله على حد سواء.

المفارقة الصادمة: القاتل طليق والوسيط سجين

المفارقة المدوية—بحسب رواية محمد—تمثلت في تمكن الخال (القاتل الفعلي) من نيل الإفراج والخروج من السجن بعد ثلاثة أشهر فقط من صدور الحكم، بينما تُرك الشاب ليقضي في السجن 14 عاماً متواصلة، لم تنتهِ إلا بعد تنازل تقدم به أعمامه وشموله بقانون العفو، ليخرج في حزيران/يونيو الماضي.

ولم تقف المأساة عند حدود سلبه حريته؛ إذ كشف محمد عن تعرضه لمحاولة اغتيال طعناً بآلة حادة داخل السجن في أواخر فترة محكوميته (بين عامي 2022 و2023)، دبرها خاله عبر أحد السجناء للتخلص منه نهائياً وإسكات صوته ومنعه من فضح الحقيقة عقب خروجه.

استغاثة بالعراء: "أنام في البزول"

رغم لجوء الشاب أثناء فترة سجنه إلى توثيق مظلمته بمناشدات مسجلة وموثقة وجهها إلى كبار مسؤولي الدولة—من بينهم رئيس البرلمان السابق ومسؤولون وشيوخ عشائر ورئيس مجلس القضاء الأعلى—إلا أن قضيته لم تجد طريقاً للحل.

واليوم، يجد محمد نفسه عاجزاً عن العودة إلى منزله أو ممارسة حياته الطبيعية، حيث يقضي لياليه هائماً في مجاري البزل والمبازل المائية في أطراف بغداد هرباً من ملاحقة خاله، موجهاً نداء استغاثة عاجل إلى رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس القضاء الأعلى، للتدخل الفوري وتوفير الحماية القانونية والأمنية له، وإعادة فتح ملف القضية لإنصافه ومحاسبة الجناة الحقيقيين.