بين رنين القوافل وعزف الرمال.. كوردستان24 ترصد سحر دونهوانغ وبحيرة الهلال

أربيل (كوردستان24)- حيث ينعطف التاريخ ليصافح الريح، وتغفو أسرار الشرق القديم على حافة صحراء "غوبي"، حطّت كامرة "كوردستان24" رحالها في مدينة دونهوانغ الصينية؛ تلك المحطة الخالدة التي شيدت مجدها بين ثنايا مقاطعة غانسو لتكون إحدى درر طريق الحرير التاريخي. من هذا الأفق المترامي، تتكشف أمام الناظر هيبة الطبيعة الصحراوية في أبهى صورها مع صعود "جبل مينغشا"، أو جبل الكثبان الرملية؛ ذلك المدى الشاسع الذي يمتد كتلالٍ من الذهب الخالص تحت شمس آسيا، حاملاً في ذراته صدى حكايات القوافل التي عبرت هذه البقعة عبر آلاف السنين.

غير أن هذا البحر المترامي من التلال الذهبية لا يكتفي بإبهار العيون بتموجاته الساحرة، بل يهمس للآذان بأسرارٍ لم تبُح بها أرضٌ أخرى؛فالجبل يشتهر بكونه موطناً لظاهرة "الكثبان الصدّاحة" النادرة. فعندما تهب رياح الصحراء لتلامس المنحدرات الناعمة، أو مع حركة خطى الصاعدين نحو القمم، تبدأ حبيبات الرمال ذات التكوين المتجانس بالاحتكاك، مطلقةً صوتاً هادراً يشبه قرع الطبول الملحمية، ثم لا يلبث أن يتحول مع هدوء النسيم إلى نغمات موسيقية شجية تملأ الأفق، في مشهد صوتي بديع يُشعر المرء وكأن الرمال نفسها تعزف نشيداً أزلياً من قلب الطبيعة.

وبينما تخال أن سطوة هذا الهدير وجفاف الصحراء قد أطبقا على كل أشكال النضارة، ينبثق في جوف هذا الامتداد تناقضٌ يفيض بالفتنة؛ فبين أحضان تلك الكثبان العاتية، تلمع فجأة "بحيرة الهلال" (يوي تشيوان)، وهي واحة مائية عذبة تتخذ انحناءة هلالٍ زمردي لا يشيخ. وتكمن المعجزة في بقاء هذه البحيرة صامدة لآلاف السنين دون أن تطمرها العواصف الرملية القاسية، بفضل تضاريس الكثبان المحيطة التي توجه التيارات الهوائية إلى الأعلى لتدفع حبات الرمل بعيداً عن حافة الماء، في حين يرتفع على ضفافها جناحٌ معماري صيني كلاسيكي يبدو وكأنه منساب من إحدى أساطير الشرق القديم.

هذا التناغم المذهل بين صلابة التلال ورقة الواحة لا ينفصل عن نبض الحياة التراثية التي تملأ الأرجاء؛ فعلى امتداد خطوط الكثبان، تتهادى قوافل الجمال في مشهدٍ بديع؛ صفوفٌ متراصة من الإبل تمخر عباب الرمل بخطوات وئيدة، تصدح من أعناقها رنات الأجراس التراثية لتبدد صمت الصحراء بموسيقى المسافرين القدامى، مشكلةً لوحة كلاسيكية متناغمة مع حيوية المكان، حيث يتدفق الزوار لتجربة التزلج من المرتفعات أو الترقب لغروب الشمس. ومع اقتراب المغيب، تتلون قمم الرمال تدريجياً ببريق برتقالي ووردي دافئ، يُضفي على حركة القوافل والأفق البعيد طابعاً ساحراً يختزل هيبة العصور الخوالي.

ولأن الصحراء لا تبوح بكامل أسرارها لمن يمرّ بها عابراً، فإن زيارة هذه المعالم تتطلب مراعاة إيقاع الطبيعة وأوقاتها؛ إذ يُعد فصلا الربيع والخريف، ولا سيما شهري سبتمبر وأكتوبر، الفترة المثالية للقدوم هرباً من القيظ الصيفي، مع أخذ الحيطة بارتداء أغطية الأحذية المخصصة لحماية الخطوات وعزل الأجهزة من غبار الرمل الدقيق. ومع نهاية هذه الرحلة على مشارف دونهوانغ وكهوف "موغاو" الأثرية، تختتم "كوردستان24" مشاهداتها من هذا المدى، حيث تبرهن الطبيعة في كل تفصيلة أن التاريخ لا يموت، بل يظل حياً تعزفه الرمال وتصونه الواحات على مر الأزمان.