علاء الدين آل رشي
مدير المركز التعليمي لحقوق الإنسان
أحداث الساحل اختبار نخشاه واختيار ننساه..
الظلم والدم صيحة الحكمة قراءة في خطاب أ. أحمد معاذ الخطيب
إنها لحظات تفيض بالألم وتضج بالمآسي حينما تتقاذف الأمواج العاتية سفينة الوطن، ويتداخل الغضب المشروع بالانتقام الأعمى.
لقد شهد الساحل أحداثًا أدمت القلوب وأرهقت الضمائر، كان منشؤها اعتداء فلول النظام على شباب الأمن الداخلي، فكان لزامًا على الدولة أن تتخذ موقفًا حازمًا يردع هذه التجاوزات، غير أن رياح الفتنة هبّت بقوة، فتشابكت ردود الأفعال، واندلعت انتهاكات لا يقرها شرع ولا عقل.
وفي خضمّ هذا الظرف العصيب، تتجلى الحاجة الملحّة إلى صوت الحكمة، لا بوصفه شعارًا يُرفع، بل وعيا يشرع سفينة نجاة، تنقذ البلاد من منزلق لا تحمد عقباه.
ولقد كان للأستاذ أحمد معاذ الخطيب موقفٌ مشهودٌ، إذ صدح بنداء العقل، محذرًا من السير في دروب الفتنة، ومؤكدًا أن العدالة الحقّة هي وحدها التي تحفظ الثورة من أن تتحول إلى نقيضها.
إن الاقتصاص من المجرمين واجبٌ، ولكن الانجرار إلى العقاب الجماعي مرفوض، إذ لا يحمل وزر الجريمة إلا من اقترفها، ولا يجوز أن تمتد نار الغضب لتحرق الأبرياء الذين لا ذنب لهم.
وهذا يتطلب الحزم في الرد، دون تهاون يُضعف هيبة الدولة، ودون ظلم يُسقط عدالتها. فبين الضعف والظلم طريق وسط هو طريق الحكمة والعدل والقوة، وهذا ما يريده عامة الشعب السوري
وهكذا، فإن المحكّ الحقيقي لأي ثورة، هو مدى وفائها للقيم التي قامت لأجلها.
فإن ضيّعتها، لم تعد ثورة إصلاح، بل غدت صورة أخرى لما ثارت عليه. وإنّ من مقتضيات العدل، أن نفرّق بين الجاني والبرئ، وأن نقيم ميزان الحق بين الناس، لا بميزان الهوى، بل بموازين العدل والعقل والإنصاف.
1- التمييز بين الفئات وعدم العقاب الجماعي
لقد كان خطاب الأستاذ أحمد معاذ الخطيب واضحًا في تأكيده أن العدالة لا تعني الانتقام، ولا يجوز أن يُحاسب بريء بذنب غيره. حيث قال:
"السوري أخو السوري، ولا يُحاسب إلا مجرم وقاتل."
وهنا نجد أن التمييز بين المجرمين والأبرياء ليس خيارًا، بل هو واجب أخلاقي وشرعي وإنساني، فالعقاب الجماعي هو ظلمٌ مضاعف، لا يقل خطورة عن الجرائم الأصلية التي ارتكبها النظام.
2- فقدان الثقة وأثره على مستقبل سوريا
واحدة من أخطر نتائج هذه المرحلة الدامية هي فقدان الثقة بين السوريين أنفسهم، وبين الشعب والمؤسسات. لم يعد المواطن السوري يثق في وعود العدالة، لأن التجارب السابقة أثبتت أن الكثير من الشعارات تبقى حبرًا على ورق، ولا تُترجم إلى أفعال.
ولإعادة بناء هذه الثقة، لا بد من خطوات ملموسة:
إجراء تحقيقات شفافة ومستقلة في جميع الانتهاكات.
عدم التستر على أي مجرم، سواء كان من النظام أو من القوى المعارضة له.
تعزيز دور القضاء المستقل بعيدًا عن الحسابات السياسية.
فالثقة لا يمكن استعادتها إلا عندما يرى الجميع أن العدالة لا تُطبق بشكل انتقائي، بل تشمل كل من تلطخت يداه بالدماء.
3- خطر التجييش الطائفي ودوره في تدمير سوريا
إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه السوريون هو الانجرار إلى معركة طائفية، لأنها ليست معركتهم الحقيقية، بل هي حرب يريدها النظام وأعداء سوريا لإغراق البلاد في مستنقع لا خروج منه.
وقد قال الأستاذ أحمد معاذ الخطيب محذرًا من هذا الخطر:
"التجييش الطائفي سيدمرنا جميعًا، ولحظة النشوة قد لا ترينا لحظة احتراقنا جميعًا."
وهذا تحذير عميق، لأن الحروب الطائفية ليست لها نهاية، بل تبقى مشتعلة لعقود، وتستهلك الأوطان والشعوب.
4- مسؤولية النظام في تحويل سوريا إلى برميل بارود
لا يمكن فهم ما حصل في الساحل أو غيره من المناطق دون الإشارة إلى السياسات التي انتهجها النظام البائد ، حيث حول البلاد إلى برميل بارود جاهز للانفجار، عبر تغذية الأحقاد، وافتعال الصراعات الطائفية والمناطقية.
وقد وصف الأستاذ أحمد معاذ الخطيب هذه الحقيقة بقوله:
"أحال النظام البائد سوريا إلى برميل بارود قابل للانفجار في أية لحظة، ودفع الجميع إلى مظلوميات ثأرية مخيفة."
وهذا يعني أن الثورة يجب أن تحذر من الوقوع في نفس الفخ، لأن التحول إلى أداة انتقام عشوائي يجعلها تفقد معناها، ويعطي مبررًا لمن يريد تشويهها.
5- الجيوش الإلكترونية وخطر الفوضى الإعلامية
أصبحت الحروب الإعلامية جزءًا من المشهد السوري، حيث تُستخدم الجيوش الإلكترونية لنشر الفتن، والتلاعب بالمعلومات، وتأجيج الصراعات.
وقد حذر الأستاذ أحمد معاذ الخطيب من هذه الظاهرة بقوله:
"هناك جيوش إلكترونية تشعل الحرائق، فلا تنقل عنها بل أغلقها."
وهذا يستوجب من الجميع عدم الانجرار وراء الأخبار غير الموثوقة، وعدم السماح لمنصات التواصل بأن تصبح أدوات لإشعال مزيد من الكراهية والفتنة.
6- لجنة تحقيق مستقلة لإنصاف الضحايا
قبل الحديث عن العدالة الانتقالية، لا بد من خطوة أولى ضرورية، وهي تشكيل لجنة تحقيق مستقلة وشفافة، تتولى التحقيق في كل الجرائم والانتهاكات التي حصلت، خاصة في الساحل وغيره من المناطق.
إن هذه اللجنة يجب أن تكون:
غير خاضعة لأي جهة سياسية أو عسكرية.
تضم شخصيات موثوقة وذات مصداقية.
تلتزم بمبدأ العدالة وعدم التمييز بين الجناة.
فلا يمكن بناء سوريا الجديدة إذا بقيت الانتهاكات بلا محاسبة، أو إذا جرى السكوت عن جرائم تحت مبررات سياسية أو عاطفية.
7- توسيع مفهوم العدالة الانتقالية
العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمات، بل هي عملية متكاملة لإعادة بناء الدولة، تشمل:
كشف الحقيقة: لمعرفة كيف وقعت الجرائم، ومن المسؤول عنها.
محاسبة المجرمين: سواء كانوا في النظام الراهن أو من الفلول .
جبر الضرر: عبر تعويض الضحايا ماديًا ومعنويًا.إصلاح المؤسسات: لضمان عدم تكرار الجرائم، عبر بناء أجهزة قضائية وأمنية مستقلة.
8- دعوة إلى التكاتف لبناء سوريا الجديدة
لا يمكن لسوريا أن تنهض إلا إذا تجاوز السوريون هذه المرحلة بالعقل والحكمة، لا بالغضب والانتقام. ولهذا قال الأستاذ أحمد معاذ الخطيب:
"كفانا، ولنتعاون من أجل أن يبزغ فجر جديد يتحقق فيه العدل والأمان والكرامة لكل من يسكن هذا الوطن الجريح."
ما حصل في الساحل من انتهاكات يجب أن يكون نقطة تحول في وعي الثورة، وليس تكرارًا للأخطاء التي ارتكبها النظام. إن حماية الثورة لا تكون بتبرير الجرائم، بل بضمان العدالة للجميع.
إن صيحة الحكمة التي أطلقها الأستاذ أحمد معاذ الخطيب يجب أن تكون نداءً لكل السوريين، بأن لا يسمحوا للانتقام أن يُفسد ثورتهم، ولا للطائفية أن تُقسم بلدهم، ولا للظلم أن يُعيد إنتاج نفسه تحت أي مبرر.
فهل تكون هذه الأحداث درسًا للثورة، أم لحظة انحراف عن مسارها؟ هذا هو السؤال الذي سيحدد مستقبل سوريا.
رحم الله ابن تيمية الذي قال:
"فأما من يغضب لنفسه لا لربه، أو يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره، فهذا القسم شر الخلق، لا يصلح بهم دين ولا دنيا. كما أن الصالحين أرباب السياسة الكاملة هم الذين قاموا بالواجبات وتركوا المحرمات، وهم الذين يعطون ما يُصلح الدين بعطائه، ولا يأخذون إلا ما أُبيح لهم، ويغضبون لربهم إذا انتهكت محارمه، ويعفون عن حظوظهم، وهذه أخلاق رسول الله ﷺ في بذله ودفعه، وهي أكمل الأمور، وكلما كان إليها أقرب كان أفضل." (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ص 82).
لا مخرج في سوريا إلا بصيانة الدماء، وتجريم المساس بالآمنين، بغض النظر عن قومياتهم أو أديانهم. لعل هذا الدرس يكون المشهد الأخير لمأساة عشناها، ولا نريد إعادة إنتاجها، حتى لا تتخذ المأساة وجوهًا وأشكالًا جديدة.