علاء الدين آل رشي
مدير المركز التعليمي لحقوق الإنسان
الاتفاق السوري – السوري الكوردي: بين مخاوف التنازل وفرص المصالحة الوطنية.
جولات نقدية في خطاب الناطق الرسمي السابق باسم جماعة الاخوان المسلمين أ. زهير سالم.
شهدت الساحة السورية تطورًا لافتًا بإعلان الاتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع والجنرال مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وكما هو متوقع، أثار هذا الاتفاق جدلًا واسعًا بين مؤيديه ومعارضيه، حيث اعتبره البعض خطوة ضرورية نحو إعادة ترتيب المشهد السوري، بينما رآه آخرون تفريطًا أو تراجعًا عن مواقف سابقة.
ومن بين المواقف النقدية المهمة، ما كتبه الأستاذ زهير سالم، مدير مركز الشرق العربي، الذي طرح مجموعة من التساؤلات والمخاوف حول الاتفاق. في هذا المقال، سنعرض وجهة نظره كاملة، ثم نناقشها بتمعن، لنضع الأمور في سياقها الصحيح، ونبحث عن إجابات للمخاوف المشروعة التي أثارها.
كلام الأستاذ زهير سالم:
"إعلان الاتفاق المفاجئ مع مظلوم عبدي ومع من يمثله... أنا أعلم أن توقيع السيد أحمد الشرع الاتفاق مع مظلوم عبدي هو توقيع رئيس الجمهورية العربية السورية الذي يجب أن يمثل كل السوريين. الإعلان المفاجئ عن الاتفاق، وفي الظرف الخاص الذي تم الإعلان عنه، وببنود الاتفاق المعماة أو المعممة؛ كل ذلك يجعلنا نبلع ريقنا مرة ومرة قبل أن نتكلم… الكلمة مسؤولية، والموقف مسؤولية، والمعلومات المتوفرة لدينا لا تسمح لنا بإعلان موقف.."
الرد:
بداية، ليس خافيًا على أحد أن المشهد السوري مليء بالتعقيدات التي تجعل أي خطوة سياسية محفوفة بالمخاطر والتأويلات. ومع ذلك، فإن وصف الاتفاق بأنه "مفاجئ" قد لا يكون دقيقًا تمامًا، إذ إن الحاجة إلى حل شامل ينهي حالة التشرذم السياسي والعسكري كانت واضحة منذ سنوات. الاتفاق لم يُطرح كقرار أحادي الجانب، بل جاء بعد تطورات ميدانية وسياسية فرضت نفسها، ما يجعله نتيجة طبيعية لمسار طويل من التفاوض والتفاهمات، وليس مجرد إعلان طارئ غير مدروس.
أما الحديث عن "بنود الاتفاق المعماة أو المعممة"، فهو أمر يمكن تفهمه إذا كان هناك نقص في المعلومات المتاحة للعامة، لكنه لا يعني بالضرورة أن الاتفاق نفسه غامض أو أنه ينطوي على أجندة مخفية. هناك تفاصيل تنفيذية سيتم الكشف عنها لاحقًا، خاصة أن مثل هذه الاتفاقات تحتاج إلى وقت لضبط آليات تطبيقها.
كلام الأستاذ زهير سالم:
"وإذا كان موقفنا الأولي هو الدعاء لوطننا بخير، فإننا فاعلون: اللهم وفق سورية في أمورها، وسدد على طريق الحق خطاها. وإذا كان من حق أن نقول، نقول: فإننا نؤمن إيمانا راسخا بوحدة الشعب السوري، والأرض السورية، والدولة السورية، وأننا ندعم كل خطوة مبصرة، تؤكد هذه الوحدة."
الرد:
لا شك أن الدعاء للوطن بالخير واجب، ولكن المسؤولية تتطلب أيضًا التحليل الموضوعي لما يحدث. الاتفاق، وفق بنوده، لم ينص على أي شكل من أشكال التقسيم أو التفريط في وحدة سوريا، بل أكد على دمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، وإعادة المعابر والمطارات وحقول النفط والغاز إلى سيطرة الدولة.
إذا كنا نؤمن بوحدة الشعب السوري والدولة السورية، فالأولى أن نبحث عن خطوات عملية تحافظ على هذه الوحدة، وليس رفض أي مبادرة لمجرد أنها تتضمن تفاهمات مع أطراف كنا نختلف معها سابقًا.
كلام الأستاذ زهير سالم:
"وإن كان من حق أن نقول، فإننا نحن أصحاب المشروع الإسلامي الوطني في سورية، نعتقد في أساس رؤيتنا بخصوصية علاقتنا مع إخواننا الكرد والتركمان والشركس، خصوصية تواصل وإيثار وليس خصوصية استئثار أو إلغاء.."
الرد:
هذا الطرح يعكس مبدأ مهمًا في التعامل مع المكونات السورية المختلفة، ولكن السؤال الأهم: هل يمكن تحقيق هذه الخصوصية الإيجابية دون تفاهمات واتفاقات تضمن اندماج الجميع في مشروع وطني مشترك؟
الاتفاق لم يُبرم لتكريس سيطرة فئة معينة على حساب أخرى، بل لضمان أن يكون للأكراد – الذين هم جزء أصيل من سوريا – حقوقهم الدستورية والسياسية ضمن الدولة، وليس ضمن كيان مستقل كما تخشى بعض الأطراف.
كلام الأستاذ زهير سالم:
"ومع كل ما قدمنا من حقنا أن نتساءل: أين ذهب وعد السيد رئيس الجمهورية عندما أعلن منذ الأيام الأولى أنه لن يتعامل مع كيانات؟ والوعود وفاء!!"
الرد:
السياسة ليست علمًا جامدًا، بل هي فن الممكن، والتعامل مع الواقع يفرض أحيانًا مراجعة المواقف بما يخدم المصلحة الوطنية. الرئيس الشرع لم يتراجع عن مبدأ السيادة، لكنه يدرك أن الدمج التدريجي هو السبيل الوحيد لاستعادة وحدة الدولة دون الانزلاق إلى حرب جديدة.
إدماج قسد ضمن الدولة ليس اعترافًا بكيان مستقل، بل هو خطوة لإنهاء أي مظهر من مظاهر الحكم الموازي، وإعادة المؤسسات إلى سلطتها الشرعية.
كلام الأستاذ زهير سالم:
"ومن حقنا أن نتساءل، وأين ستقع حقوق إخواننا في المجلس الوطني الكردي الذين كانوا منا ومنهم، وكانت ثورتنا ثورتهم واحدة، على مدى أربعة عشر عامًا، وهل يعقل أن يلغي المحاربون حقوق الداعمين والمسالمين؟"
الرد:
المجلس الوطني الكردي كان – ولا يزال – جزءًا من المشهد السياسي السوري، ولكن لا يمكن إنكار أن "قسد" أصبحت الطرف المهيمن في شمال شرق سوريا. الحل لا يكمن في استبعاد أي طرف، بل في توسيع التفاهمات السياسية بحيث تشمل كل المكونات، بما فيها المجلس الوطني الكردي، وهو ما يمكن تحقيقه في المستقبل القريب من خلال استكمال مسار المصالحة السياسية.
كلام الأستاذ زهير سالم:
"وثالثًا، هؤلاء الذين تم الاتفاق معهم في أعناقهم دماء آلاف السوريين والسوريات، بل وفي أعناقهم مع الدماء أعراض!! وأنا أتكلم عن سوريين وسوريات بالمطلق ولا أتكلم عن أي ثنائيات أخرى.."
الرد:
لا أحد ينكر أن هناك ممارسات خاطئة حدثت خلال سنوات الصراع، ولكن العدالة لا تعني استمرار النزاع إلى الأبد. هناك آليات يمكن أن تضمن المحاسبة دون أن تكون حجر عثرة أمام استعادة وحدة الدولة.
سوريا لن تُبنى بالانتقام، بل بالمصالحة العادلة التي تأخذ بعين الاعتبار حقوق الضحايا دون أن تمنع البلاد من التقدم نحو المستقبل.
النقد مطلوب، ولكن الحلول أيضًا مسؤولية
الاتفاق بين الرئيس الشرع والجنرال عبدي ليس مثاليًا، لكنه خطوة يمكن البناء عليها. رفضه بالكامل دون تقديم بدائل واقعية لن يخدم سوريا، بل سيترك الوضع مفتوحًا أمام مزيد من الفوضى والتدخلات الخارجية.
إن كان هناك مخاوف، فلنضع آليات لضمان تنفيذ الاتفاق بعدالة، وإن كان هناك اعتراضات، فلنبحث عن حلول تجعل من الاتفاق أساسًا لمصالحة أوسع تشمل كل السوريين.
سوريا بحاجة إلى من يبني الجسور، لا من يعمّق الانقسامات. لننظر إلى المستقبل بعيون الحريصين على وحدة البلاد، لا من زاوية الحسابات الضيقة التي عطلت الحلول طيلة السنوات الماضية.