الإعلان الدستوري السوري بين اشتراط الإسلام للرئيس والعروبة للدولة ومستقبل الجمهورية بعد الفترة الانتقالية

الإعلان الدستوري السوري بين اشتراط الإسلام للرئيس والعروبة للدولة ومستقبل الجمهورية بعد الفترة الانتقالية
الإعلان الدستوري السوري بين اشتراط الإسلام للرئيس والعروبة للدولة ومستقبل الجمهورية بعد الفترة الانتقالية

عند الحديث عن الفترة الانتقالية في الجمهورية العربية السورية، نجد أنفسنا أمام معادلة شديدة التعقيد تتشابك فيها ثلاثة محاور رئيسية: مدتها، ومدى شفافيتها، والقيود الدستورية التي قد تعيد إنتاج الأزمة بدلًا من حلها. فمن جهة، لا شك أن الانتقال السياسي يتطلب زمنًا كافيًا لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس عادلة ومتينة، ولكن من جهة أخرى، فإن إطالة المرحلة دون جدول زمني واضح قد تفتح الباب أمام الشكوك والتوجس، مما يجعلها عبئًا بدلًا من أن تكون وسيلة للوصول إلى الاستقرار.

وفي قلب هذه التعقيدات، يبرز سؤال محوري: ما هو شكل الجمهورية السورية القادمة؟ هل ستظل الدولة محكومة بالمنظومة الدستورية التي هيمنت على العقود الماضية، أم أن المرحلة الانتقالية ستكون فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها، بحيث تُبنى على مبدأ المواطنة المتساوية دون اعتبارات إقصائية؟ وهنا تبرز مسألة ديانة رئيس الجمهورية كإحدى القضايا الجدلية التي تعكس التداخل بين السياسة والدين في النظام الدستوري. فهل سيُبقي الدستور على شرط الإسلام دينًا للرئيس، أم أن سوريا الجديدة ستتجه نحو نموذج يتيح لجميع مواطنيها الترشح دون تمييز؟

هذه القضايا الثلاث – مدة المرحلة الانتقالية، وهوية الجمهورية، واشتراط ديانة الرئيس – ليست مجرد تفاصيل قانونية، بل مفاصل حاسمة ستحدد مستقبل سوريا، ومدى قدرتها على تجاوز أزماتها نحو استقرار حقيقي قائم على العدالة والشفافية.

 

الفترة الانتقالية بين الضرورة والتوجس

إن تحديد مدة المرحلة الانتقالية بخمس سنوات يستوجب نظرة متأنية في مآلاته؛ فإن كانت المصلحة تقتضي تثبيت أركان الدولة وإعادة بنائها، فإن الإطالة دون وضوح وشفافية قد تؤدي إلى حالة من التململ وانعدام الثقة، فتتحول المرحلة الانتقالية إلى عبء سياسي ومجتمعي بدلًا من أن تكون جسرًا نحو الاستقرار.

إن سوريا – وقد نزلت بها المحن وتتابعت عليها الخطوب – تستدعي تأنّيًا في الإصلاح، ولكن هذا التأنّي لا ينبغي أن يُتخذ ذريعة للمراوغة والتسويف، بل المطلوب هو أن تكون الإدارة الانتقالية واضحة وصريحة مع شعبها، فتُقدِّم جدولًا زمنيًا محددًا لصياغة الدستور النهائي، وتوضيح أسس المشاركة السياسية، ودور الأحزاب، وموعد الانتخابات، بحيث يدرك الناس إلى أين تسير الأمور، فلا يُتركون في حالة من القلق والريبة تجاه مستقبلهم.

وإذا كان من أبجديات العدل أن يُقطع الطريق على أي محاولة لتحويل المرحلة الانتقالية إلى وضع دائم يُمدد بحجج شتى، فإن الأمل معقود على أن تكون هذه المرحلة محطة تأسيسية حقيقية، تُبنى فيها المؤسسات على أسس عادلة، ويُعاد ضبط الموازين، ليخرج الناس من دوامة الفوضى إلى فضاء الاستقرار والأمان.

اشتراط ديانة الرئيس: بين الاعتبارات القانونية والواقع السياسي
إن اشتراط الإسلام دينًا لرئيس الجمهورية مسألة أثارت جدلًا مستمرًا في سوريا، كما هو الحال في عدد من الدول التي تعتمد أنظمة دستورية مشابهة.
وإن من الحقائق التي ينبغي أن تُدرك أن التشريعات الوضعية في الدول الغربية لم تشترط في رؤسائها دينًا معينًا، ولم تجعل من الانتماء الديني قيدًا قانونيًا يحول دون تولي الحكم. ومع ذلك، فإن الواقع السياسي والاجتماعي لم يتحرر تمامًا من تأثير الهوية الدينية، بل ظل هذا التأثير قائمًا عبر الثقافة العامة والمزاج الانتخابي.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، لا نجد في الدستور ما يمنع غير المسيحيين من الترشح للرئاسة، لكن التوجه العام للناخبين يحمل قدرًا من التحفظ تجاه من يعلن إلحاده أو انتماءه إلى ديانات الأقليات.
أما في بريطانيا، فالدستور لا يشترط دينًا معينًا لرئيس الوزراء، لكنه يلزم الملك بأن يكون عضوًا في الكنيسة الإنجليكانية. وفي الدنمارك والنرويج، يُشترط أن يكون الملك مسيحيًا بروتستانتيًا، في حين أن السويد ألغت هذا الشرط عام 2000.
وفي سوريا، نجد أن الدستور يشترط أن يكون رئيس الجمهورية مسلمًا، وهذا ليس فقط عرفًا اجتماعيًا بل قيدًا قانونيًا صريحًا، يمنع أي شخص من غير المسلمين من الوصول إلى هذا المنصب مهما بلغت شعبيته أو كفاءته. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين النظم الغربية والعربية؛ ففي الأولى، يكون الانتماء الديني للرئيس انعكاسًا لاختيار الشعب وإرادته، بينما في الثانية يكون محكومًا بنص قانوني يفرض قيودًا مسبقة على إرادة الناخبين.


إشكالية الهوية الدستورية: بين "الجمهورية السورية" و"الجمهورية العربية السورية"
إنَّ اللغةَ أكبر من  مجردَ أداةٍ للتخاطبِ والتفاهمِ بينَ الناس، بل هي وعاءُ الفكرِ ومَعينُ الهويةِ وروحُ الانتماءِ. وإنَّا لنحيا في كنفِ العربيةِ، نُساجلُ بها الأفكارَ، ونُسطّرُ بها المعاني، ونُصغي إلى نبضِ الحياةِ من خلالها، فهي جزءٌ لا يتجزأُ من نسيجِ يومياتِنا. 
ولكنَّ الإشكالَ لا يكمنُ في اللغةِ ولا في ثقافتِها، بل في أولئكَ الذينَ يُصرّونَ على طمسِ الهُويةِ الأخرى  وفرضِ هويةٍ أخرى عليها، وكأنَّ من حقِّ أي  صاحب هوية  أن يعتزَّ بأصولِه، وليس من حقِّ الكُرديِّ مثلا أن يصونَ خصوصيتَهُ ويحافظَ على أصالةِ انتمائِه.
إنَّ منطقَ العدلِ والإنصافِ يقضي بأنَّ الاحترامَ المتبادلَ بينَ الشعوبِ لا يقومُ إلا على الاعترافِ الكاملِ بحقِّ كلِّ أمةٍ في الحفاظِ على هويّتِها بغيرِ إجحافٍ أو تهميشٍ، دونَ أن يُفرضَ عليها ما لا ترتضيهُ، أو تُدفعَ إلى التنكّرِ لذاتها باسمِ الوحدةِ أو التعايشِ. فليس في الاندماجِ طمسٌ، ولا في اللقاءِ انمحاء، بل إنما هو تفاعلٌ بينَ الهُوياتِ في إطارِ التكاملِ، حيثُ يبقى لكلٍّ خصوصيتُهُ التي لا يُرادُ بها إقصاءُ الآخرِ، بل التلاقي معهُ على أسسِ الاحترامِ والتقديرِ المتبادلِ.
منذ أن نالت سوريا استقلالها عام 1946، عُرفت رسميًا باسم "الجمهورية السورية"، وهو اسم يعكس ببساطته واقعًا اجتماعيًا وسياسيًا لا يحمل أبعادًا إيديولوجية صارمة. غير أن هذا الواقع تغيّر عندما شهدت سوريا اتحادها مع مصر عام 1958 تحت مسمى "الجمهورية العربية المتحدة"، وهو ما مثّل تحولًا من مفهوم الدولة الوطنية إلى الدولة القومية.
وعندما انفصلت سوريا عن مصر عام 1961، لم تستعد اسمها الأصلي، بل أصبحت "الجمهورية العربية السورية"، في تكريس لنهج قوميّ محدّد، لا يرى في تعدد الثقافات واللغات إلا عائقًا ينبغي تذويبه، بدلًا من أن يكون ثراءً ينبغي الاعتزاز به.
وهنا يبرز التساؤل: هل كان في تغيير اسم الدولة استجابة لحاجة وطنية جامعة، أم أنه كان انعكاسًا لمشروع أيديولوجي أراد صهر الجميع في بوتقة واحدة؟
إن الهوية الوطنية لا تُختزل في مسمى الدولة، بل في إحساس الناس بالانتماء إليها. فإذا كانت العروبة تعبيرًا عن ثقافة وهوية جامعة تتّسع لجميع من يختار الانتماء إليها، فهي قيمة مثرية للمجتمع. أما إذا تحوّلت إلى قيد إجباري، فقد أصبحت أداة تمييز بدلاً من أن تكون هوية جامعة.
وكما أن النبي ﷺ لم يجد في إسقاط وصف "رسول الله" من وثيقة صلح الحديبية ما ينقص من مقام النبوة، فإن تغيير اسم الدولة لا يُلغي العروبة، بل يحرّرها من أن تكون وسيلة للإقصاء، ويعيدها إلى سياقها الطبيعي بوصفها عنصرًا من الهوية، لا عنوانًا سياسيًا يُفرض على الجميع.


أي طريق ستسلكه سوريا بعد الفترة الانتقالية؟
إن مستقبل سوريا يتوقف على كيفية إدارة المرحلة الانتقالية، فمن غير المنطقي أن تتحول إلى وضع دائم يُمدد بحجج مختلفة، مما يفقدها معناها الحقيقي كجسر نحو الاستقرار. ولذلك، فإن تحديد مدة واضحة وواقعية لهذه الفترة هو ضرورة لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وفي الوقت ذاته، فإن إعادة تعريف شكل الدولة يقتضي إعادة النظر في أسس الحكم، بحيث لا تبقى البلاد أسيرة لقيود دستورية تفرض قيودًا دينية على منصب الرئيس. إن شرط ديانة الرئيس، وإن كان موروثًا دستورياً، يثير تساؤلات جدية حول مدى انسجامه مع قيم العدالة والمواطنة المتساوية.
إن هذا الإعلان الدستوري المؤقت،  يحمل في طياته إشارات طيبة تبعث على التفاؤل، فهو قد نص على إنشاء هيئة للعدالة الانتقالية، وأقرّ الاتفاقيات الدولية جزءًا من بنيانه، وحدّد مدة المرحلة الانتقالية، وأقرّ بضرورة وجود الأحزاب والجمعيات، وهذه كلها معالم تُرسي قواعد أولية لمسار أكثر استقرارًا.

ومع ذلك، لا يخلو الأمر من بعض الملاحظات التي تستدعي التوقف عندها، فقد اتسع نطاق الإعلان الدستوري ليشمل قضايا يفترض أن تكون محل نقاش مجتمعي واسع، إذ حدد اسم الجمهورية، ومصادر التشريع، وسلطات الرئيس، مما قد يُفهم على أنه توجيه مسبق لمسار الدستور الدائم، في حين أن هذه القضايا ينبغي أن تترك لإرادة الشعب ليقرر فيها عبر آليات دستورية متفق عليها.

كذلك، لم ينص الإعلان بوضوح على إشراك المجتمع المدني في تسمية أعضاء مجلس الشعب، كما لم يتطرق بشكل كافٍ إلى ضمان استقلال السلطة القضائية استقلالًا تامًا، خاصة فيما يتعلق بتعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا. إضافة إلى ذلك، فإن غياب آلية واضحة ومحددة لوضع الدستور الجديد قد يثير تساؤلات حول طبيعة المرحلة القادمة، وهو ما يستدعي توضيحًا أعمق يبعث على الطمأنينة ويعزز من ثقة الجميع في المسار الدستوري.

إن المرحلة الانتقالية ينبغي أن تُبنى على أسس واضحة ومتوازنة، بحيث تضمن مشاركة واسعة لمختلف الفئات، وترسّخ مبادئ العدالة والمؤسساتية، بما يمهّد لمرحلة دستورية أكثر رسوخًا واستقرارًا.
إن نجاح المرحلة الانتقالية لن يقاس فقط بإعادة بناء المؤسسات، بل بقدرة سوريا على تجاوز إرث وتركة وعقلية الماضي نحو نموذج سياسي يحقق الاستقرار دون المساس بالعدالة والمشاركة الحقيقية. فهل ستكون هذه المرحلة نقطة تحول نحو دولة قائمة على الكفاءة، ؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.