علاء الدين آل رشي
مدير المركز التعليمي لحقوق الإنسان
جمال سليمان والثورة.. بين الإنصاف والتخوين
في مسار كل ثورة، يبرز السؤال الأخلاقي قبل أي اعتبار سياسي، هل يمكن لحركة تطمح إلى الحرية والعدالة أن تؤسس مشروعها على التضليل والافتراء؟ أم أنها بذلك تفقد شرعيتها وتتحول إلى انعكاس جديد للطغيان الذي ثارت عليه؟
إن الشائعات والتخوين لم يكونا يومًا أدوات بناء، بل معاول هدم تفتك بالمشروع الثوري قبل أن تصيب خصومه. الثورة التي تتغذى على الاتهامات الباطلة تفقد مبرر وجودها، لأن البناء على الأكاذيب يفضي إلى الانهيار.
جمال سليمان بين الالتزام الوطني وحملات التشويه
التشكيك في وطنية شخصيات بارزة دعمت الثورة منذ بداياتها هو انزلاق خطير نحو منطق الإقصاء الذي لطالما مارسه النظام. جمال سليمان، أحد أبرز الأسماء الثقافية والفنية التي أعلنت موقفها المؤيد للثورة السورية منذ أيامها الأولى، لم يسلم من موجات التشويه التي استندت إلى صورة التُقطت في سياق غير واضح، قبل تأسيس منظمة ذات طابع طائفي، لتصبح لاحقًا ذريعة للطعن في مواقفه. ومع أن سليمان طلب حذف الصورة وأعلن رفضه لأي اصطفاف طائفي، إلا أن الحملة ضده لم تتوقف.
منذ اندلاع الثورة، كان صوته واضحًا ضد الطائفية، داعيًا إلى وطن يتسع لجميع السوريين، ونقل معاناة شعبه إلى المحافل الدولية. فكيف يمكن لمن تصدّى لهذه المهمة أن يُتهم بما يناقض مسيرته؟ إن استهدافه بمثل هذه الاتهامات يعكس أزمة فكرية داخل بعض أوساط الثورة، حيث يتحول التخوين إلى أداة لتصفية الحسابات بدل أن يكون هناك نقاش عقلاني يستند إلى الحقائق.
هذه الأزمة ليست جديدة، فقد شهد التاريخ الثوري في العالم كله أنماطًا مشابهة من التشكيك والإقصاء. في الثورة الفرنسية، كانت الاتهامات بالخيانة تُلقى جزافًا، فتحولت الثورة إلى محرقة داخلية أتت على كثير من قادتها قبل أن تتمكن القوى المضادة للثورة من استعادة زمام الأمور. الأمر ذاته تكرر في العديد من حركات التحرر، حيث قُضي على رموز وطنية ليس بسبب أخطاء حقيقية، بل نتيجة أجواء من الشك والاتهام المتبادل.
الثورة ليست ساحة لمحاكم التفتيش
من الطبيعي ألا يتفق الجميع مع مواقف جمال سليمان أو غيره، لكن من غير المقبول أن يصبح الاختلاف مبررًا للشيطنة والإقصاء. الثورات التي تقوم على التلاعب بالحقائق والانقياد وراء حملات الافتراء لا تبني مجتمعات جديدة، بل تعيد إنتاج الاستبداد بأشكال أخرى.
العقلية التي تلجأ إلى التخوين بغير دليل هي نفسها التي كرّست الطغيان لعقود، وعندما يعيد الثائر إنتاج هذه الذهنية، فإنه يخسر قضيته قبل أن ينتصر. فمن سار على نهج الظالم في أساليبه فقد شرعيته، مهما كانت قضيته عادلة. الثورة الحقيقية لا تقوم على الإلغاء بل على الاحتواء، ولا تبني نفسها على الهدم بل على الإصلاح، ولا تستمد قوتها من الإقصاء بل من القدرة على الجمع والتآلف.
كما أن الاستمرار في سياسة التشكيك العشوائي يخلق حالة من الخوف والعداء داخل الصفوف الثورية نفسها، مما يجعلها في حالة استنزاف دائم بدلًا من أن تتقدم نحو تحقيق أهدافها. لا يمكن بناء مستقبل مشترك إذا كان الحاضر مثقلًا بالافتراءات والتهم الجاهزة التي تطال كل من لا يوافق تيارًا معينًا في تفاصيل رؤيته.
ما يحدث مع جمال سليمان يتكرر في صور متعددة، إذ يتم استهداف شخصيات معارضة بأساليب لا تختلف عن تلك التي يستخدمها النظام. هذه العقلية الاستئصالية تجعل من الصعب بناء تحالفات وطنية واسعة، وتزيد من عزلة الثورة عن شرائح واسعة من المجتمع السوري، خاصة تلك التي تبحث عن خطاب عقلاني بعيد عن المزايدات والتخوين العشوائي.
إلى أين يأخذنا هذا المسار؟
اعتماد التخوين كسلاح سياسي يعكس غياب مشروع وطني جامع. حين تتحول الثورة إلى فضاء للتهم الجاهزة، فإنها تفقد قدرتها على استقطاب الشرائح الصامتة، وتتحول إلى دوائر مغلقة تستهلك نفسها بنفسها. لكن الثورة الحقيقية هي التي تحوّل الحياد السلبي إلى حياد إيجابي، ثم تنقله إلى موقف فعّال، ومن الفاعلية إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى رؤية واضحة لمستقبل البلاد.
أما الانشغال بالمعارك الجانبية والتشويه، فهو ما يريده النظام بالضبط، أن يصبح معارضوه انعكاسًا له، فيخسرون تفوقهم الأخلاقي ويتحولون إلى مجرد صورة معكوسة لقسوته بدل أن يكونوا نقيضًا له. فحين تتحول الثورة إلى حالة من النبذ المتبادل، تغلق الأبواب أمام أي محاولات لبناء مشروع مشترك.
إن العمل السياسي الناضج يستوجب الاعتراف بتعدد الآراء والاتفاق على الحد الأدنى من القيم الجامعة، أما سياسة النفي المتبادل، فلن تنتج سوى المزيد من الانقسامات التي يستغلها أعداء الثورة لتعزيز سلطتهم وإطالة أمد معاناة السوريين.
لقد أثبتت التجارب في دول عديدة أن الثورات الناجحة لا تبنى على الكراهية المتبادلة، بل على رؤية مشتركة تجمع مختلف الأطراف. جنوب إفريقيا مثال حي على ذلك، حيث استطاع نيلسون مانديلا قيادة عملية مصالحة وطنية رغم عقود طويلة من التمييز العنصري.
لو كان مانديلا قد تبنى سياسة التخوين والإقصاء، لما تمكنت بلاده من تجاوز ماضيها الدموي.
الكلمة مسؤولية والموقف أمانة
الهجوم على جمال سليمان لا يقتصر على استهداف شخصه، بل هو إساءة للثورة نفسها. فإذا كان يمكن لشخصية بحجمه ومكانته أن تتعرض لهذه الموجة من التشويه، فكيف يمكن إقناع شخصيات مستقلة أو مؤثرة أخرى بالانخراط في العمل الوطني دون خوف من المصير نفسه؟ لا يمكن بناء مشروع وطني دون التمسك بشرف الكلمة، ولا يمكن لثورة أن تنهض وهي تطيح برموزها بدل أن تحميهم.
إن انتشار الافتراءات بهذا الشكل العشوائي يوجه رسالة خطيرة إلى كل من يفكر في الانضمام إلى الصفوف الثورية، مفادها أن أي شخص قد يصبح عرضة للحملات الظالمة، بغض النظر عن تاريخه ومواقفه. هذه البيئة لا تُشجع على العمل المشترك، بل تدفع نحو العزلة والانكفاء، وهو ما يصب في مصلحة خصوم الثورة.
نحن بحاجة إلى إعادة النظر في طريقة التعاطي مع الاختلاف، وإدراك أن الوطن لا يُبنى على التصفيات المعنوية، بل على احترام التعددية والاحتكام إلى الحقائق. لدينا ما يكفي من المعارك الحقيقية، ولا نحتاج إلى مزيد من الصراعات الداخلية القائمة على الافتراءات.
من أراد أن يختلف مع جمال سليمان، فليفعل ذلك بأدوات الإنصاف، أما حملات التشويه، فهي خروج عن روح الثورة قبل أن تكون خروجًا عن الحقيقة. فالثورة امتحان أخلاقي قبل أن تكون مشروعًا سياسيًا، ومن لم ينجح في هذا الامتحان، فإن خسارته أكبر من أي انتصار موهوم.
إن أخلاقيات الثورة هي التي تميزها عن الاستبداد، ومن لا يلتزم بها يفرّط بأحد أهم مقومات نجاحها. فإما أن نبني مشروعًا وطنيًا على أسس عادلة، أو نكرر الأخطاء التي جعلت هذا الوطن ساحة لصراعات عبثية لا تنتهي.
لقاء مع الأستاذ جمال سليمان.. وعيٌ وطني يتجاوز الانقسامات
في حوار جمعني بالأستاذ جمال سليمان في بيته، وجدتُ أمامي رجلًا يختلف عن الصورة النمطية التي ترسمها بعض التصورات المسبقة. لم يكن فنانا مرموقا، فحسب بل كان صاحب فكرٍ ناضجٍ ووعيٍ عميقٍ بالواقع السوري وتعقيداته، بعيدًا عن الشعارات الجوفاء أو الخطابات المستهلكة. بدا واضحًا أن انشغاله الأساسي لم يكن إلا الوطن، بوحدته وسلامته، لا بطائفةٍ أو فئةٍ بعينها.
كان حديثه يعكس إدراكًا دقيقًا لحساسية المرحلة وضرورة تجاوز الحسابات الضيقة التي تُضعف القضية السورية بدلًا من أن تخدمها. شدد على أهمية أن تدرك الطائفة العلوية، كجزء أصيل من النسيج السوري، خطورة المرحلة وتحولاتها، وأن لا تنساق وراء الخطابات التي تُصوّرها في مواجهة مكونات الشعب الأخرى. كان يؤكد على أن الانتماء الوطني يجب أن يكون الرابطة الأسمى، وأن أي محاولة لحصر الهويات ضمن قوالب طائفية لن تؤدي إلا إلى مزيد من التشرذم والضعف.
في هذا السياق، وجّه رسالة تقدير إلى الشيخ معاذ الخطيب، معتبرًا إياه رمزًا للخطاب الديني الوسطي الذي يُمثّل روح الإسلام الحقيقية، إسلام الرحمة والعدل، وليس الإسلام المُسيّس أو المُختزل في صراعاتٍ أيديولوجية. كما أبدى احترامه للرئيس الشرع، مُشيرًا إلى أهمية أن تبقى المؤسسات الوطنية قائمة على أسسٍ صحيحة، بعيدًا عن الشخصنة أو التجاذبات الفئوية.
لكن الأهم من كل ذلك، أنني وجدتُه يتحدث بلغةٍ تتجاوز ثنائية الأقلية والأكثرية التي لطالما استخدمها النظام لتكريس الانقسامات. كان يؤمن بأن المعركة الحقيقية ليست معركة طوائف، بل معركة وطن جريح وشعب مسحوق يبحث عن الخلاص. لم يكن ينظر إلى الثورة السورية على أنها مجرد صراعٍ سياسي، بل كان يراها امتحانًا أخلاقيًا للشعب السوري بأكمله: هل سنثبت أننا أهلٌ لهذه الثورة وقيمها في الحرية والعدالة والوحدة الوطنية؟ أم سننجر إلى تكرار أنماط التفكير الإقصائي التي زرعها النظام؟
في كل لقاء معه، كان يؤكد أن أخلاق الثورة الحقيقية لا تتجلى فقط في إسقاط الاستبداد، بل في بناء وطنٍ قائمٍ على العدالة، حيث لا يكون أحد ضحيةَ تخوينٍ أو انتقام، بل يكون الجميع شركاء في مستقبلٍ جديد. وهنا يبرز السؤال المصيري: هل سنتعلم من أخطاء الماضي ونبني دولةً تتسع للجميع، أم سنكرر دورة الإقصاء والتمييز، فنخسر كل شيء، ويعود الاستبداد بوجهٍ جديد؟