علاء الدين آل رشي
مدير المركز التعليمي لحقوق الإنسان
التأصيل القانوني لمفهوم "حكم الأقلية" في السياق السوري
وصف وزير الخارجية السوري، أسعد حسن الشيباني، لنظام الأسد بأنه "حكم الأقلية" يثير إشكالية قانونية وسياسية تحتاج إلى تحليل معمّق يتجاوز البعد الديمغرافي ليصل إلى المعايير القانونية للحكم والشرعية. فهل يمكن تصنيف النظام السوري قانونيًا كـ"حكم أقلية"؟
1. تعريف "حكم الأقلية" في القانون الدولي
يُعرَّف "حكم الأقلية" (Minority Rule) في القانون الدستوري والسياسي بأنه نظام تحكم فيه مجموعة صغيرة من السكان—عرقيًا، طائفيًا، أو اقتصاديًا—باقي المجتمع، دون استناد إلى شرعية ديمقراطية حقيقية. وغالبًا ما يرتبط هذا النموذج بنظم حكم استبدادية تستخدم القمع لضمان استمراريتها.
2. النظام السوري بين "حكم الأقلية" والسلطوية
رغم أن الطائفة العلوية، التي ينتمي إليها بشار الأسد، تُشكِّل أقلية ديمغرافية في سوريا (حوالي 10-15٪ من السكان)، إلا أن تصنيف النظام بأنه "حكم أقلية" وفق المعايير القانونية الصرفة قد يكون تبسيطيًا للأسباب التالية:
بنية السلطة الفعلية: لا يُدار النظام السوري بشكل حصري من قبل العلويين، بل يعتمد على تحالف واسع يشمل شخصيات سياسية وعسكرية وأمنية من مختلف الطوائف، إضافة إلى طبقة رجال أعمال سنية نافذة. ومع ذلك، عمل النظام، خلال سنوات سيطرته، على تعزيز حكم طائفي محكم، مما ضمن له الصمود العسكري وعدم حدوث انشقاقات كبيرة داخل طائفته. يظهر ذلك بوضوح في تركيبة القيادات الأمنية والعسكرية، حيث تتركز المناصب العليا في يد شخصيات من الطائفة العلوية، مع بعض التعيينات من الطوائف الأخرى، ولكن ضمن إطار ضيق.
وفقًا لعبد الحليم خدام، كان حافظ الأسد شخصية متناقضة، تتداخل فيها الواقعية والمثالية والفساد والطائفية. يدعم هذا الوصف فكرة أن نواياه وأهدافه لا يمكن تفسيرها بعامل واحد فقط. فقد كان الأسد مؤمنًا بالعلمانية وسعى إلى تطبيقها عمليًا في السياسة السورية، لكنه في الوقت ذاته لم يتوانَ عن دعم طائفته بشكل لا يمكن وصفه إلا بالطائفية. ورغم أن توجهاته العلمانية تتناقض مع الطائفية، إلا أنه لم يتمكن من ترسيخ سلطته وسط اضطرابات السياسة السورية إلا بالاعتماد على أبناء طائفته، أو حسب تعبير ابن خلدون: "إعلم أن صاحب الدولة إنما يتم أمره كما قلناه بقومه، فهم عصابته وظهراؤه."
العلويون في سورية
تشكل النظام السوري تحت حكم الأسد على أساس مركزي قوي، حيث تمحورت قمته حول مجموعة ضباط من إثنية محددة،
القيادات الأمنية:
رئاسة شعبة المخابرات العامة وأمن الدولة: اللواء علي مملوك (علوي)، ومعه نواب مثل العميد زهير الحمد (شيعي)، العميد نزيه حسون (علوي)، العميد غسان خليل (علوي)، العميد حافظ مخلوف (علوي)، العميد أنيس سلامة (علوي)، العميد ثائر العمر (شيعي).
رئاسة شعبة المخابرات العسكرية: اللواء عبد الفتاح قدسية (علوي)، ونوابه العميد علي يونس (علوي) والعميد عدنان عاصي (علوي).
رئاسة الأمن الخارجي: العميد فؤاد فاضل (علوي).
رئاسة شعبة المخابرات الجوية: اللواء جميل حسن (علوي)، ونائبه العميد أديب سلامة (علوي).
الحرس الجمهوري: اللواء محمد شعيب علي سليمان (علوي)، ونائبه العميد محمد قاسم (علوي).
المستشارون الأمنيون: شخصيات مثل اللواء محمد ناصيف خير بيك (علوي)، العميد عز الدين إسماعيل (علوي).
المستشارون العسكريون من الجنرالات السابقين: من بينهم علي دوبا، محمد الخولي، إبراهيم حويجة، إبراهيم صافي، شفيق فياض، حسن خليل.
القيادات العسكرية:
وزارة الدفاع: الوزير السابق علي حبيب محمود (علوي).
رئاسة الأركان العامة: منذ عقود يتولاها علويون.
نائب رئيس الأركان: اللواء علي أيوب (علوي)، واللواء آصف شوكت (علوي).
قادة الأفرع والوحدات الرئيسية: قائد سلاح الهندسة جهاد شحادة (علوي)، مدير المكتب الأمني والعسكري لبشار الأسد بسام مرهج (علوي)، قائد القوات الخاصة جمعة الأحمد (علوي).
الفرقة الرابعة: يقودها اللواء علي عمار (علوي)، وهي تحت سيطرة ماهر الأسد، ومعظم قادتها علويون مثل ملهم ميهوب، أحمد عبد الله، داوود أسبر، غسان بلال.
مديرية الدفاع الجوي: اللواء جميل بدر الحسن (علوي).
القوى الجوية: اللواء عصام حلاق (علوي).
الوحدات الخاصة في دمشق: تشمل سرية الشرطة العسكرية والمهام الخاصة بقيادة العميد هائل الأسد (علوي)، ولواء حماية العاصمة اللواء 90 بقيادة العميد زهير الأسد (علوي)، والوحدة 549 سرايا الصراع بقيادة اللواء غسان الأسد (علوي).
هذه التركيبة تعكس هيمنة الطائفة العلوية على مفاصل الجيش والأمن، مما يفسر تماسك النظام رغم التحديات، حيث تم بناء ولاء قائم على الحماية المتبادلة بين العائلة الحاكمة والدائرة الضيقة من القيادات العسكرية والأمنية
بينما ارتكزت قاعدته على ائتلاف واسع من قوى اجتماعية وسياسية دعمت النظام، وفقًا لوصف إيال زيسر البليغ.
أشار بعض الباحثين إلى مفهوم "الاستبداد الشعبوي" كإطار تحليلي لفهم طبيعة النظام في عهد الأسد، بينما ركز آخرون على مفهوم "الميراثية الجديدة"، مسلطين الضوء على كيفية ترسيخ النظام سلطته عبر شبكات زبائنية تحيط بالرئاسة. ومع ذلك، لا يوجد خلاف على مركزية الرئيس وسلطته المطلقة. فقد أوضح أحد كتاب سيرة حافظ الأسد، أن الأخير، بحلول الثمانينيات، بعدما رسخ سلطته، أصبح يعتمد على الهاتف كأداة أساسية للحكم.
إذ نادرًا ما كان يحضر الاجتماعات أو يلتقي الوزراء، لكنهم جميعًا كانوا يدركون هيمنته، والتي كان يعيد التأكيد عليها بين الفينة والأخرى عبر صوته القادم من الهاتف.
واجه الأسد معارضة شرسة شملت مختلف التيارات السياسية، من الناصريين إلى الإسلاميين والليبراليين. ويجادل الباحث "فكش" بأن المنافسة الداخلية المتزايدة داخل حزب البعث، والانقسامات الفئوية داخل الجيش، جعلت الانتماءات العلوية عاملًا مهمًا في الاصطفافات السياسية. ومع مرور الوقت، برزت طبقة علوية متعلمة داخل الجيش وحزب البعث، ما عزز إحساسًا جديدًا بالتماسك الاجتماعي بين العلويين، لم يكن موجودًا من قبل.
من ديمقراطية ولدت ميتة إلى حكم الأقلية
لم يكن استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963 نتيجة حراك شعبي تصاعدي، بل جاء عبر انقلاب عسكري نفذته مجموعة من الضباط، منهياً تجربة سورية القصيرة والفوضوية مع السياسات البرلمانية في مرحلة ما بعد الاستعمار.
3. التعامل مع فرضية "النظام الطائفي"
لنفترض جدلاً أن النظام السوري كان طائفياً بشكل كامل، وأن الطائفة العلوية بأكملها كانت شريكة له في كل جرائمه (مع أنني لا أتفق مع هذا الطرح)، فإن السؤال الأهم هو: كيف نتعامل مع هذه المسألة بما يخدم حاضر ومستقبل سوريا؟
إذا كنا نبحث عن وطن يتعافى من مآسيه، فإن التركيز على فكرة العقاب الجماعي لطائفة بأكملها سيؤدي إلى نتائج كارثية، وسيكرّس دورة الانتقام التي ستمنع أي استقرار مستقبلي. حاضر ومستقبل الوطن هو الهدف الذي يجب أن يوضع نصب أعيننا، ولا يجب أن نضيع البوصلة في متاهات الخطاب الإقصائي. المطلوب هو بناء دولة قائمة على العدالة، حيث يُحاسب المجرمون كأفراد وليس بناءً على انتماءاتهم الطائفية أو العرقية، وأن تتحقق المصالحة الوطنية ضمن إطار يحفظ حقوق الضحايا ويضمن عدم تكرار الجرائم.
✔ هل بالغ الشيباني في التوصيف؟
قانونيًا: نعم، لأنه لم يكن حكمًا طائفيًا صرفًا بل نظامًا سلطويًا يستخدم الطائفية كأداة.
سياسيًا: لا، لأن الواقع يعكس أن سلطة القرار كانت بيد أقلية تفرض إرادتها بالقوة.
✔ ما الأولوية في التعامل مع هذه القضية؟
بناء دولة العدالة التي تحاسب الأفراد على جرائمهم، لا الطوائف بأكملها.
تجنب خطاب الإقصاء والانتقام لضمان مستقبل سوريا كدولة لكل أبنائها.
التركيز على الحلول السياسية والقانونية التي تعزز المصالحة والعدالة الانتقالية.
بالتالي، يبقى تصريح الشيباني تعبيرًا عن موقف سياسي أكثر من كونه توصيفًا قانونيًا صارمًا، لكنه لا يخلو من أساس في الواقع السوري. ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس فقط في توصيف الماضي، بل في صياغة المستقبل بطريقة تمنع إعادة إنتاج الاستبداد تحت أي ذريعة.