علاء الدين آل رشي
مدير المركز التعليمي لحقوق الإنسان
أخلاق الثورة وموقفنا من أحمد حسون: الكلمة أقوى من الصفعة
منذ انطلاقة الثورة السورية، تعلّم السوريون، ربما أكثر من غيرهم، أن الأخلاق ليست ترفًا، بل هي جوهر المعركة. فما الذي يميز ثورة شعب عن تمرد غوغاء؟ وما الذي يجعل حراكًا سياسيًا مشروعًا يختلف عن انتقام فوضوي؟ الجواب دوماً في الميزان الأخلاقي، في المبدأ الذي لا يُفرط به تحت ضغط الدم، ولا يذوب في مرارة الألم.
في هذا السياق، نُعيد قراءة موقفنا من رجل مثل الشيخ أحمد حسون. توقيفه في أحد المطارات، والاحتفاء السريع بإهانته من بعض المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، يفتح الباب من جديد لأسئلة جوهرية: من هو أحمد حسون حقًا؟ وما الذي مثّله؟ وهل في إذلاله اليوم نصر للثورة أم سقوط لها في فخّ الانحدار الأخلاقي؟ هل من مصلحةٍ وطنية أو أخلاقية أو سياسية في أن نعيد تفعيل "ملف" حسون، في وقتٍ بات فيه خارج كل الملفات؟
من حيث الواقع، لا يمكن اعتبار أحمد حسون فاعلًا سياسيًا أو دينيًا مستقلًا. الرجل كان مهرّجًا في سيرك السلطة، يُملى عليه ما يقول، ويقرأ من ورق كُتب له لا به. لم يكن صاحب فتوى، ولا مرجعية علمية، ولا تأثير اجتماعي حقيقي. وجوده في المشهد الديني لم يكن سوى ديكور وضعه النظام لتجميل وجهه القبيح، وجهٌ لم تفلح مئات الخطب والمواعظ المنمقة في طمس معالمه الدموية.
لقد اختار النظام أن يستخدم حسون، مثلما استخدم غيره، كأداة. لكن هذه الأداة، بعد أن أدت وظيفتها، تم رميها إلى الهامش. ليس طردًا دراماتيكيًا ولا محاكمة علنية، بل نسيان مقصود، يُشبه الإعدام الرمزيّ. أُعفي حسون من منصبه بهدوء، بعد حادثة مقتل ابنه – الذي قيل إنه كان مناهضًا للنظام – وبات صوته لا يُسمع إلا في حفلات التكريم الباهتة أو المؤتمرات الهامشية.
إن أصغر ضابط في جهاز المخابرات، أو حتى عنصر في الحواجز الأمنية المنتشرة في شوارع المدن السورية، كان أخطر من أحمد حسون، وأكثر قدرة على صناعة الألم وتكريس القهر. فهل يعقل أن نُلاحق الأدوات التافهة، ونترك الصانعين الحقيقيين للجرائم؟ ما القيمة الثورية في احتقار رجل لم يعد له وزن ولا جمهور؟ أي انتصار نحققه حين نُشبع رغبة التشفي من صورة صارت مشروخة، ممزقة، مهملة حتى من أسيادها؟
إن الثورة السورية، وهي من أكثر الثورات المعاصرة دموية وكلفة، تحتاج اليوم إلى أن تراجع خطابها تجاه الخصوم، لا من باب التنازل، بل من باب النضج السياسي والأخلاقي. وإن كان لا بد من محاسبة، فلتكن محاسبة عادلة، لا مهينة. وإن كان لا بد من موقف، فليكن موقفًا مبنيًا على الحق، لا على الانتقام.
أحمد حسون خان شرف الكلمة، صحيح. وارتدى عمامة لم يكن أهلًا لها، صحيح. لكنه لم يكن يومًا صانع قرار. لم يُحرّض على القتل بفتوى ذات وزن شرعي، بل بخطاب أجوف، كان أكثر ما يُثير فيه هو السخرية. سقط من عين الشارع منذ أن بات لسان حال الجلاد، لا صوت الضمير. نبذه العلماء، وابتعد عنه الخطباء، وضحك الناس من "موعظته" التي كانت تُذاع في نشرة الأخبار، لا في المنابر.
لكن سقوطه الأخلاقي لا يبرّر سقوطنا الأخلاقي نحن. لا يجوز للثائر أن يتحول إلى خصم تافه، يستمدّ شعوره بالنصر من إذلال شيخٍ فقد منصبه وصوته. لا يصحّ أن تُقاس العدالة الثورية بمقدار الإهانة، بل بمقدار احترام الإنسان – حتى حين يكون خصمًا.
نحن نرفض العفو عن المجرمين الكبار الذين أمروا بالقتل والاعتقال والتعذيب. نطالب بمحاكمات دولية، وعدالة انتقالية، ووثائق، وشهادات، ومحاسبة قانونية. فلماذا نتحوّل مع الأصغر منهم إلى شتّامين وصانعي مشاهد إذلال؟
فلنتذكر أن محمد سعيد الصحّاف – وزير إعلام صدام حسين – كان أكثر تأثيرًا من حسون، وأكثر جرأة في تبرير القتل، وأكثر قدرة على صناعة خطاب التضليل. ومع ذلك، لم تُلاحقه واشنطن، ولم تُلقِ القبض عليه، بل تُرك في بيته يعيش تقاعده في الظلّ. لا لكرامته، بل لأن أحدًا لم يعد يراه خطرًا.
المعيار الأخلاقي والسياسي هو في أن نميّز بين من يملك السلطة ومن هو عبدٌ مأمور. بين من يأمر بالقتل ومن يردّد مديحًا أجوفًا. بين من يصوغ القرار ومن يُستخدم لتجميله.
نحن لا ندعو إلى التسامح مع من قتل، بل إلى عدم العبث برمزية الثورة حين تُقحم نفسها في مواقف لا تليق بها. لا قيمة في ملاحقة ظلّ حسون، بعد أن أصبح جسده السياسي ميتًا. لا مصلحة في تحويل الثورة إلى أداة شماتة، في وقت تحتاج فيه إلى استعادة صورتها النقية أمام الداخل والخارج.
إذا كان لا بد من فعل، فليكن فعلًا قانونيًا: إن كان لدى أحمد حسون ملف حقيقي فيه تحريض أو تواطؤ جنائي، فليُفتح، وليُحاكم، أمام قضاء عادل. أما غير ذلك، فمجرد عرض مسرحي لا يليق بثورة عظيمة كالثورة السورية.
إن من مهام الثورة في هذه المرحلة أن تبني وعيًا سياسيًا جديدًا، يؤمن بأن الكرامة ليست في صفعة، بل في كلمة حق تُقال في وجه سلطان جائر، أو تُكتب ضد الظلم، أو تُبنى بها مؤسسات قادرة على تجاوز الكراهية.
أحمد حسون ليس جزءًا من معركتنا اليوم، ولا من أولوياتنا، بل جزء من عبء ماضٍ ثقيل. والعبء لا يُرمى على الرؤوس، بل يُلقى من الذاكرة إلى الهامش، حيث يجب أن يبقى.
بهذا، ننتصر مرتين: مرة لأننا رفضنا النزول إلى مستوى النظام، ومرة لأننا ارتقينا إلى ما كانت تنشده الثورة منذ بدايتها: أن يكون الإنسان حرًا، حتى في خصومته، نبيلًا حتى في غضبه، عادلًا حتى مع من خذله.
وربما يكون الوجه الحقيقي للمحاسبة في حالة أحمد حسون ليس في سجنه أو إهانته، بل في تصنيفه ضمن ما يمكن أن نطلق عليه "الجرائم العقلية"، وهي الجرائم التي لا تُعالج بالاعتقال، بل بالفكر. جرائم تزييف الوعي، وتبرير الظلم، وتسويغ الطغيان باسم الدين، لا تُكافح بالحديد والنار، بل بالمواجهة العاقلة، وفضح التناقض، وبناء وعي بديل.
وهنا نحتاج إلى أمرين حاسمين:
أولًا: أن نرسم بوضوح حدود رجل الدين في الدولة والمجتمع. لا يمكن أن نُبقيه أداةً بيد السلطة، تنطقه متى شاءت وتسقطه متى أرادت. يجب أن نُؤمّن لرجل الدين حرية التعبير عن رأيه، شريطة ألا يُملى عليه من الحاكم، ولا يُستخدم مطيةً لتبرير الجرائم. حينها فقط، نستطيع أن نفرّق بين من خان ضميره ومن كان مجرّد ضحية للاستغلال.
ثانيًا: أن نُعيد تعريف الردّ على "الجرائم العقلية" ليس على طريقة النظام – أي الإذلال أو الاعتقال أو الإقصاء – بل عبر النضال المعرفي: بالضحد، بالحوار، بإثبات حجم الخطأ والانحراف. أن نُعيد للمنطق مكانته، وللحقيقة سلاحها. أن لا نردّ على الفكر المُضلّل إلا بفكرٍ أكثر نورًا واتزانًا.
إن الثورة التي تريد بناء وطن جديد لا تكرّر أدوات القمع القديم. نحن لا نريد دولة تعتقل بسبب الرأي، حتى لو كان هذا الرأي مضلّلًا وخائنًا. نحن نريد دولة تحاسب بميزان العقل، لا بغريزة الانتقام. لهذا، فإن حسون وأمثاله لا يحتاجون إلى صفعة في مطار، بل إلى محكمة منطقية في الوعي العام، تقول لهم ولمن وراءهم: لقد أخطأتم، ونحن لا نُشبهكم.
ثمّة من يُخطئ حين يظن أن الرحمة ضعف، أو أن التسامح خيانة للدماء. كلا. بل إن أعظم المواقف الأخلاقية في التاريخ الإسلامي جاءت حين امتلك أصحابها القدرة على الانتقام، واختاروا العفو. والقدوة الأولى في ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي أوذي وضُرب وشُتم وكُذّب، ثم لما انتصر ودخل مكة فاتحًا، وأمامه من أساؤوا إليه أشدّ الإساءات، لم يهن أحدًا، لم يعاقبهم بالسجن أو الذل، بل قال كلمته الخالدة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
هذا ليس ترفًا أخلاقيًا، بل تأسيس لمعيار جديد في إدارة الخصومة، معيار يتعالى عن اللحظة، ويصنع المستقبل. فكيف بمن هو دون هؤلاء بكثير، كأمثال أحمد حسون، ممن لم يؤذِ بذاته، وإنما استخدمه النظام كأداة خطابية جوفاء؟
إننا، إذ نطالب بالتعامل الأخلاقي مع حسون، لا نُكافئه، بل نُثبت أننا أصحاب مشروع راقٍ، يستند إلى قيم النبوة لا إلى شهوة الانتقام. نحن لا ننسى الجرائم، ولكننا نُعيد تعريف طرق الردّ عليها، بما يحفظ كرامتنا ويميزنا عن من ظلمنا.
إن أبناء الثورة مدعوّون اليوم إلى عدم تكرار الأخطاء التي فُوّتت في لحظات كان يمكن أن تُخلّد رمزيًّا في التاريخ. حين تمكّن البعض من دخول مقابر الطغيان، لم يحسنوا استخدام رمزية النصر. فبدلًا من حرق ضريح المجرم حافظ الأسد – ذلك الفعل اللحظي العابر – كان الأجدر أن يُضرب طوق أخلاقي وثوري دائم حول قبره، وأن تُنصب لوحات تحكي جرائمه: صور من قتلهم، أسماء المعتقلين الذين غيّبهم، مشاهد من المجازر التي ارتكبت في عهده، وروايات عن القهر، كي يبقى قبره شاهدًا حيًّا على خطيئة كبرى اقترفت بحق شعب كامل.
هذه اللحظات الرمزية لا تُشترى ولا تُصنع كل يوم. لذلك، فإن التعامل مع أحمد حسون، لا يجب أن يكون بردّة فعل انفعالية، بل بخطوة واعية، ترسّخ عدالة الثورة لا نزق الغضب. ليس المطلوب أن نُطارد جسد الرجل، بل أن نتركه يمشي في الظل، يحمل على كتفيه وزر انحرافه. ويكفي أن نُشير إليه بإصبع الوعي، ونقول للأجيال: هذا هو من خان الكلمة، فخذوا العبرة.
العدالة ليست دائمًا في القيود، بل في التوثيق. في تربية الوعي على أن هذا الشيخ لم يكن على الصراط المستقيم، بل كان صورة للانحراف حين يتحوّل الدين إلى مِبخرة في يد الحاكم.
بهذا، لا نفوّت فرصة جديدة لنثبت أننا لم نقم بثورة لنشبه جلادينا، بل لنرتقي فوقهم، ونتركهم – كما حسون – يسقطون وحدهم في هامش التاريخ.