التدين الشامي الأصيل بين فقه التراحم وعقل الدعوة

بلاغ إلى سماحة المفتي  الشيخ أسامة الرفاعي بمناسبة تعيينه المفتي العام  في سوريا الجديدة

التدين الشامي الأصيل بين فقه التراحم وعقل الدعوة
التدين الشامي الأصيل بين فقه التراحم وعقل الدعوة

بلاغ إلى سماحة المفتي  الشيخ أسامة الرفاعي بمناسبة تعيينه المفتي العام  في سوريا الجديدة.

إن من أعظم ما ابتُليت به الأمة الإسلامية في عصور الضعف والشتات، أن غُيّبت عن وعيها جملة من المبادئ الربانية التي بها قِوام الدين، وعلى ضوئها يتشكل الفهم السليم لرسالة الإسلام.

تلك المبادئ التي تنقل الأمة من غياهب التبعية والتقليد الأعمى، إلى آفاق التحرر الواعي، والكرامة المسؤولة، والعبودية الصافية لله تعالى وحده.

ولقد اقتضت رحمة الله بهذه الأمة أن يُقيّض لها، في كل زمان، من يذكّرها بهذه الأصول، ويوقظها من رقدة التكرار العقيم والخلاف العقيم، ويبعث فيها روح الاجتهاد والتجدد في إطار النص الثابت.

وكان من أولئك الذين حملوا هذا النور، واستمسكوا بميزان الشريعة، الشيخ الجليل أحمد معاذ الخطيب، الذي جمع السياسي المفكر  و حرقة الداعية، وحكمة الفقيه، وبصيرة المصلح. ومرونة المقاصدي.

وليس غريبًا على رجل تفتّح وعيه في أفياء دمشق، ورضع من لبان مدارسها الروحية والفقهية، أن يُخرج للناس خطابًا يلامس القلوب، ويخاطب العقول، ويعيد إلى الإسلام صورته الأولى: دين الرحمة، لا سيف القهر؛ ودعوة المحبة، لا حلبة الصراع؛ ونظامًا للعدل، لا أداة للتسلط أو الحصار.

لقد تميّز التدين الشامي، عبر قرون من الزمان، بطبعه الوسطي، وروحه الجامعة، وتفاعله الحيوي مع المدارس الفقهية والعقدية والسلوكية، دون أن يقع في فخ التنافر، أو هاوية الإلغاء المتبادل. 

كان يُدرك أن الاختلاف في الفروع لا يوجب العداوة، وأن التنوع في طرائق السلوك لا يلغي وحدة المقصد، وأن جمع الأمة أولى من تفتيتها، وأن خدمة الناس مقدّمة على إرضاء فئة أو جهة.

تديُّنٌ اجتمع فيه فقه أبي حنيفة، وروح مالك، ونَفَس الشافعي، وصرامة أحمد، وتزكية الجنيد، وعقل الغزالي، وذوق ابن عطاء الله، ورمزية ابن العربي ولم يشعر أحد في رحابه أنه دخيل أو مرفوض أو منبوذ. 

وفي هذا التدين تربّى رجال لم تفتنهم الشهرة، ولم تفسدهم المناصب، بل ظلوا على عهدهم مع الله، يحملون الرسالة بأدب، ويبلغون الكلمة بأمانة.

وفي هذا السياق، يبرز أستاذي  أحمد معاذ الخطيب لا كخطيب منبر وحسب، كما يحلو للزملاء العلمانيين أن ينعتوه بغية محاصرته بل كنموذج لفقه الدعوة في زمن الاضطراب، ومهندس خطابٍ ديني يستند إلى الأصول، ويتجه نحو المستقبل، دون أن يقع في الحنين العقيم، أو التحلل المريب.

لقد تتلمذت  على يديه ورأيت أن دعوته ليست نقيضًا للعقيدة، ولا خرقًا للموروث، بل هي امتداد نقي له، بعد أن زالت عنه أغبرة التعصب، وشوائب الانغلاق.

واليوم، إذ نستقبل مشهدًا سوريًا جديدًا يلوح في الأفق، فإننا نتوجه بهذا البلاغ إلى سماحتكم ومجلس الإفتاء  في الحكومة السورية القادمة، لا من باب الادعاء، ولا بتوهم النيابة عن أحد، ولكن من باب النصح الذي هو قوام الدين، والصدق الذي به تُقام الحجة.

أذكر لكم تلك المبادئ العظيمة التي غرسها في نفوسنا في فترة الشباب..

إن الإسلام، كما علمنا القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين، أوسع من كل الرايات التي تُرفع باسمه، وأقدس من أن يُختزل في جماعة، أو يُحبس في طريقة. الرسالة التي ختم الله بها الشرائع، لا يمكن أن تُختصر في بيان رسمي، ولا أن تُدار بعقل بيروقراطي، ولا أن تُساق بمنطق التبعية. لقد آن الأوان لفهمٍ أعمق، يعيد الإسلام إلى ساحات الناس، لا بوصفه هوية صلبة تُستخدم ضد الآخر، بل هُدىً ورحمة ونظامًا أخلاقيًا يضبط الحياة كلها.

احترام العلماء والدعاة والمربين من أصحاب الاختصاص، ليس ترفًا فكريًا، ولا مجاملة نُزكية بها القلوب، بل هو واجب شرعي، وسنة نبوية، وعنوانٌ من عناوين الفلاح.

الأمة لا تنهض إذا أُقصي علماؤها، ولا تستقر إن أُبعد الصادقون منها عن مواطن الشورى والتوجيه. ومن واجب المؤسسة الدينية أن تصون هؤلاء، وتستمع إليهم، وتضعهم في مكانهم الطبيعي، لا أن تستعين بهم لتجميل الواجهة، ثم تُقصيهم عن دوائر القرار.

وفي الحديث عن المرأة، لا بد من تأكيد الأصل الذي لطالما جهلته فئامٌ من الناس، وهو أن كرامة المرأة والرجل سواء، ومكانتهما في التكليف والتشريف سواء، وأن أي تحقير لها باسم الدين، هو اعتداء على كرامة الدين نفسه. إن المرأة ليست تابعًا ثقافيًا، ولا ملحقًا اجتماعيًا، بل هي نصف المجتمع، وشريكٌ في حمل الرسالة، وأي تعطيل لدورها هو خيانة للأمانة التي أوكلها الله إلينا.

أما المنبر، فقد أصبح –في بعض البيئات– وظيفةً روتينية، أو وسيلةً لتهدئة الجمهور، بعد أن كان، في عصور القوة، مصدراً لتكوين الوعي، وتشكيل الرأي، وشحذ الهمم. لا بد من إعادة الاعتبار للمنبر، لا بوصفه وسيلة وعظ، بل بوصفه مسؤولية كبرى، لا يصعده إلا من يعلم ما يقول، ويعني ما يقول، ويحتسب عند الله كل كلمة ينطق بها.

وليعلم القائمون على الأمر، أن الدعوة لا تستقيم إلا بالتضحية، وأن التبليغ لا يكون فاعلًا ما لم يتخلّص من الخوف، وما لم يُرفع من فوقه غبار التردد. وقد قيل: من سكت عن الحق شيطان أخرس، فإذا سكت العالم تقية، وجهل الجاهل جهلًا، فمن يضيء للناس دروبهم؟ ومن يُقيم الموازين إذا تعطلت؟

ومهما غلت ضريبة الحرية، فإن ضريبة الذل أشد وأقسى. واللين في الأسلوب لا يعني التنازل عن الحق، بل هو في كمال البيان، لا في مسخ المضمون. والدين الحق لا يُبلّغ بالمداهنة، ولا يُصان بالخوف، ولا يُتداول كأداة للترويض أو التسلية.

ولا يجوز أن يُقال: الأمة هلكت، أو الجيل ضاع، فإن في هذه الأمة خيرًا كثيرًا، وفي شبابها بذورُ نهضة، وفي فطرتها قابليةُ النهوض، وإن لم نرها اليوم جليةً للعيان. إنما وظيفة العالم والمصلح أن يُبصّر الناس بهذا الخير، لا أن يُطفئ ما بقي في قلوبهم من رجاء.

ولا ريب أن السياسة في الإسلام وسيلة لا غاية، ومتى انقلبت إلى غاية فقدت نقاءها، وسقطت في فخ الهيمنة والصراع. أن يصل الإيمان إلى الكراسي خيرٌ من أن يسعى أصحاب الكراسي إلى إلباس الدين لباسًا يناسب مصالحهم. فإن استُخدم الدين لتبرير الاستبداد، خسرنا الدين والسياسة معًا.

والمطالبة بالحريات، وإطلاق سراح الأبرياء، ومحاربة الفساد، وإلغاء القوانين الجائرة، ليست مطالب علمانية أو حزبية، بل هي من صلب مقاصد الشريعة، ومن لوازم الإيمان بالله واليوم الآخر. السكوت عنها يعني تزييفًا للإسلام، ومشاركة في ظلم لا يغتفر.

وأما الاحتلال، بكل صوره العسكرية والاقتصادية والثقافية، فلا بد من مقاومته، لا بالشعارات وحدها، بل بمنظومة تحرر شاملة، تبدأ من تحرير العقول، وتصل إلى تحرير الإرادة. وكل تساهل في هذا الباب خيانة للرسالة، وغفلة عن سنن الله في التاريخ.

كذلك، فإن الحفاظ على البيئة، ومحاربة المخدرات، والتصدي للانحرافات الاجتماعية، ليست قضايا ثانوية، بل هي من فرائض العصر، التي إن سُكِت عنها، فُقِد التوازن، وضاعت معاني الاستخلاف.

ولا خلاص لهذه الأمة من التيه، إلا بمرجعية علمية راشدة، تُخرجها من الجدل العقيم، وتربطها بجوهر الرسالة، وتُعيد ترتيب أولوياتها: لا في صراعات التمذهب، بل في وحدة المشروع، ولا في الانغلاق، بل في فقه الانفتاح، ولا في الخوف، بل في فقه الرجاء والعمل.

إن الرسالة الخاتمة رسالةُ رحمة للعالمين، لا أداةُ قتالٍ للناس أجمعين. والتواصل مع مختلف الشعوب، لا بد أن يكون من منطلق هداية، لا خصومة، ومن منطلق إنصاف، لا إقصاء. وهذه هي سنة الأنبياء، وهذه هي وظيفة المسلم في الأرض.

ولا يمكن لعالِم أن يهب الناس حريتهم، ما لم يكن هو نفسه حرًّا من عبودية الشهوات، وضغوط الأنظمة، وإغراءات المناصب. ومن لم يتحرر، لن يحرر، ومن لم يُخلص، لن يُثمر.

إن وزارة الأوقاف، وقد وُضعت على أعتاب مرحلة جديدة، عليها أن تختار: إما أن تبقى جهازًا إداريًا تقليديًا يُدير الشعائر، أو تتحول إلى مؤسسة هادفة تبث الوعي، وتصنع الإنسان، وتُحيي الروح، وتنهض بالمجتمع.

نسأل الله أن يعينكم على حمل الأمانة، وأن يجعل من هذه اللحظة التاريخية بدايةً لتحول عميق في الخطاب الديني، يعيد الثقة، ويزرع الطمأنينة، ويُبصر الناس بطريق الحق، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله من وراء القصد.