النصيرية والعلوية بين اجتهاد الفتوى وحدود الدولة: قراءة هادئة في سياق فتوى ابن تيمية

النصيرية والعلوية بين اجتهاد الفتوى وحدود الدولة: قراءة هادئة في سياق فتوى ابن تيمية
النصيرية والعلوية بين اجتهاد الفتوى وحدود الدولة: قراءة هادئة في سياق فتوى ابن تيمية

هل أفتى ابن تيمية بقتل العلويين؟


من أبرز الإشكاليات التي ترسّخت في الذهنية الإسلامية المعاصرة، تلك المرتبطة بإسقاط الفتاوى التاريخية على وقائع الحاضر، دون وعي بتحوّلات السياقات أو تطوّر المفاهيم. ويظهر ذلك بوضوح في استدعاء بعض فتاوى الإمام ابن تيمية رحمه الله، في شأن ما عُرف في زمانه بالطائفة النصيرية، لتُوظّف اليوم وكأنها حكم نهائي على الطائفة العلوية المعاصرة، فتُعمَّم الاتهامات، ويُنسَب إلى جماعة بأكملها إرث لم تكن طرفًا فيه، ولا ساهمت في صناعته، ولا تقرّه واقعًا.

لقد كُتبت تلك الفتاوى في سياقٍ تاريخي بالغ الحساسية، تزامن مع الاجتياح التتري لبلاد الشام، وتورط جماعات باطنية – بحسب بعض الروايات – في التواطؤ مع الغزاة وتسليم الحصون والمدن، مثل حلب ودمشق. وقد خاض ابن تيمية رحمه الله هذا التحدي لا بصفته قاضيًا أو صاحب سلطة تنفيذية، بل باعتباره فقيهًا ومجاهدًا يستجيب لخطر وجودي داهم، فكانت فتواه جزءًا من موقف تعبوي في سياق حرب دفاعية، لا تقعيدًا شرعيًا عامًا يُسقط على سائر الأزمان والأحوال.

وتوصيفه للنصيرية آنذاك بأنهم "أكفر من أهل الكتاب"، ثم دعوته إلى قتالهم، لا يمكن فصله عن الظرف العسكري–الأمني الذي صدر فيه، ولا يصحّ حمله على جميع الأجيال والبيئات اللاحقة، أو اعتماده أساسًا لحكم نهائي على فئة بشرية ذات وجود معقّد ومتحوّل. وهنا لا بد من التمييز بين اجتهاد الفتوى – الذي ينشأ من سياق محدد وزمان معين – وبين القضاء الذي يتطلب معايير موضوعية، وسياقات قانونية واضحة، وقرائن إثبات دامغة. الخلط بين هذين المجالين يُفضي إلى فوضى في الفهم، وعبث في التوظيف.

بل إنّ كثيرًا من الدراسات التاريخية الحديثة تشير إلى أن الفئة التي قصدها ابن تيمية رحمه الله لم تكن النصيرية بالمفهوم المتداول اليوم، بل كانت أقرب إلى بعض جماعات الإسماعيلية الباطنية، مثل الحشاشين، الذين اندثرت حركتهم لاحقًا، وتحولت طائفتهم إلى واحدة من أكثر الطوائف سلمًا وإسهامًا في مشاريع التنمية، كما في مؤسسة "الآغا خان" وغيرها من المبادرات ذات البعد الإنساني والتنموي.

ولا ينبغي أن نغفل عن أن ابن تيمية رحمه الله، رغم شدّة لهجته في بعض فتاواه، كان فقيهًا نَبَّه إلى فقه المآلات، وكتب في السياسة الشرعية ما يُظهر وعيه بالضرورات ومتغيرات الواقع. ولهذا فإن القراءة الجزئية لموروثه تمثل خطرًا مضاعفًا: خطرًا على تراثه نفسه، وخطرًا على المجتمع المعاصر الذي يُستعمل فيه النص خارج سياقه الزماني والمكاني. وهذا النمط من التوظيف الجزئي يتكرر في تعامل بعض الحركات الإسلامية مع نصوص فقهية، إذ يُستل الحكم بمعزل عن مقاصده، ثم يُرفع إلى مقام العقيدة أو الهوية، وهذا خطأ منهجي فادح.

غير أن المعضلة اليوم تكمن في الاجتزاء المنهجي لتلك الفتاوى من سياقها التاريخي، وإعادة توظيفها ضمن صراعات سياسية–طائفية معاصرة، كما في الحالة السورية ما بعد 2011، حيث أُعيد إنتاج خطاب ديني متصلّب، وتمّت أسطرة الفتوى وتحويلها إلى وثيقة اتهام دائمة، بل ذريعة لتبرير العداء، والإقصاء، وربما التصفية، تحت عناوين من قبيل "الحق العقدي"، و"النقاء الطائفي"، و"التاريخ المظلم". وغالبًا ما تُقرن هذه التوصيفات بخطاب عاطفي تعبوي، يوهم المستمعين بأنهم في صراع كوني يتطلب الاصطفاف المطلق، دون تمييز أو مساءلة.

هذا الاستخدام الأيديولوجي للنصوص التراثية لا يكشف فقط عن اختلال في فهم أدوات الفقه، بل يعكس أيضًا عجزًا عن إدراك تحوّلات الاجتماع السياسي، وضرورات الدولة الحديثة. فالعلويون في سورية، ومنذ بدايات القرن العشرين، انخرطوا في مشروع الدولة الوطنية، وشاركوا في بناء مؤسساتها. وقد برز منهم ضباط ومثقفون وسياسيون، كما برز منهم معارضون للحكم، ومنشقون عنه، ومن دفعوا أثمانًا باهظة نتيجة مواقفهم. والتعامل مع الطائفة على أنها "وحدة متجانسة" أو "كتلة متآمرة" هو تسطيح للواقع، وارتكاس إلى خطاب طائفي مضاد، لا يقلّ خطورة عن الطغيان الذي يدّعي مقاومته.

وقد أدرك بعض رجالات الطائفة العلوية هذه المعاني مبكرًا، ففي ثلاثينات القرن العشرين قدّموا مذكرة رسمية إلى وزارة الخارجية الفرنسية جاء فيها: "إن العلويين شيعة مسلمون، يحتفظون بشدة بعقيدتهم الإسلامية، والقرآن الكريم هو كتابهم، ومن كان القرآن كتابه، فهو مسلم، أحب أم كره، إلا أن يرتد عن الإسلام...". وهي شهادة دالة على وعي جمعي بأن الإسلام إطار جامع لا يُقصي المختلفين في التفاصيل، بل يحتويهم ضمن وحدة التنوع.

وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأن الفقه الإسلامي، منذ نشأته، تميز بمرونة الاجتهاد، وربط دائم بين الأحكام ومقاصدها، لا بمجرد ألفاظها. ولم يكن ابن تيمية رحمه الله أول من أصدر فتاوى ظرفية مرتبطة بضرورات الدفاع أو التماسك الاجتماعي. فالإمام مالك، مثلًا، رفض فرض الموطأ على الناس في زمن المنصور، إدراكًا لخصوصيات الأمصار. والإمام الشاطبي حذّر من استدعاء الأحكام دون نظر إلى المآلات. والنووي في "روضة الطالبين" ميّز بوضوح بين الفتوى والقضاء، بين الاجتهاد والتنزيل.

إن إسقاط فتوى على جماعة كاملة دون تبيّن أو تحقيق مناط هو نفيٌ لمبدأ العدالة ذاته. فليس كل من انتمى لطائفة بالضرورة يحمل مضمونها التاريخي أو اعتقاداتها المغلقة، ولا يصح أن تُعامل الانتماءات المذهبية كما لو كانت تهمًا قانونية. وقد أفرزت الحرب السورية نماذج صارخة لهذا الخلل، حيث جرى استهداف مدنيين على خلفية اسم عائلي أو انتماء جغرافي، تحت وهم "تاريخ الطائفة"، متجاهلين أن الظلم لا يبرره التاريخ، وأن التعايش لا يقوم على الغلبة.

ولا يُعقل لعقل سياسي رشيد، ولا لمشروع وطني مسؤول، أن يُبقي على فتاوى قروسطية لتُستخدم كمرجع في إدارة التنوع الديني أو رسم السياسات المعاصرة. فالدولة الحديثة لا تقوم على معيار المذهب أو الانتماء الطائفي، بل على مبدأ المواطنة، وسيادة القانون، والتعددية الدستورية. أما التيارات التي ترفض هذه الانتقالات الحتمية، فهي ما تزال رهينة خطاب ماضوي مأزوم، يتكئ على الفتوى، ويعجز عن صناعة التعايش، ولا يرى في الإنسان إلا مذهبه، وفي الوطن إلا غنيمة.

إن استمرار توظيف تلك الفتاوى في الصراع السوري، يجعل من الفقيه سلطة فوق الدولة، ويحوّل النص إلى أداة قتال، ويُنتج طغيانًا دينيًا لا يقل فتكًا عن الطغيان السياسي. وقد شهدنا في العقد الأخير ممارسات تكفير جماعي ضد الطائفة العلوية بأسرها، استنادًا إلى تأويل جامد لنصوص قديمة، دون اعتبار للتحولات الاجتماعية والسياسية، ولا للتباينات الداخلية داخل الطائفة نفسها، التي تضم طيفًا واسعًا من المواقف والانتماءات.

بل إن بعض الخطابات الإسلامية المعاصرة، في محاولتها لإعادة تأويل فتاوى ابن تيمية رحمه الله، لم تذهب باتجاه القراءة النقدية الواعية، بل باتجاه الانغلاق المذهبي، حتى صارت الفتوى تُستعاد كأنها "سيف عقائدي"، لا كاجتهاد ظرفي. وهذا الانزلاق في التوظيف يفتح الباب أمام فقه التصفية بدل فقه البناء، ويحوّل الدين إلى أداة تأبيد للانقسام، لا جسرًا للتلاقي.

وهنا تبرز الحاجة الملحّة لاستعادة أدوات الفقه الرشيد: فقه المقاصد، وفقه المآلات، وتحقيق المناط، بوصفها ضمانات شرعية لمنع الانزلاق نحو فوضى الفتوى، وردم الفجوة بين الفقيه والدولة، وبين النص والواقع. فالعدالة في الإسلام ليست حكمًا ينشأ عن تصنيف مذهبي، بل منظومة قانونية تقوم على الحق، والحرية، والمسؤولية، وإتاحة الفرصة للدفاع والبراءة حتى تثبت الإدانة.

إنّ مواجهة الظلم لا تكون بإعادة إنتاجه، ولا يكون النهوض السياسي بالعودة إلى فتاوى القتال، بل بإعادة بناء المفاهيم، واستعادة روح الشريعة لا نصوصها فحسب، وتغليب فقه الإنسان على فقه التصنيف، وسياسات التفاهم على سياسات الإلغاء.

وهذا هو التحدي الحقيقي في سورية المستقبل: أن تنهض دولة تتجاوز تراث الدم، وتكسر احتكار التأويل، وتؤسّس شرعيتها على قاعدة المواطنة المتساوية، لا على منطق العصبيات القديمة، ولا على فتاوى أُنتجت في زمن لا يشبه زمننا، ولا تخاطب مجتمعًا كالذي نعيشه اليوم.