صوت كوردستان العالي: زيارة مسرور بارزاني إلى أمريكا ومعركة الحقوق العادلة

رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو
رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو

شعب كوردستان، بتاريخه العريق وتضحياته الجسيمة، يمثل ركيزة أساسية في بناء العراق الجديد منذ سقوط النظام البعثي عام 2003. لكن، وعلى الرغم من دوره المحوري في مقاومة الإرهاب ودعم الديمقراطية، واجه الشعب الكوردي تمييزًا منهجيًا من قبل الحكومات الاتحادية المتعاقبة في بغداد. 

هذا التمييز تجلى في حرمان إقليم كوردستان من حصته العادلة في الموازنة، التدخل في إدارة موارده الطبيعية، وتجاهل التزامات الحكومة العراقية تجاه تعويض ضحايا جرائم الأنفال وحلبجة والقرى المدمرة. في الوقت نفسه، أهدرت بغداد مليارات الدولارات في صفقات مشبوهة ودعمت مليشيات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، مما زاد من عدم الاستقرار. 

زيارة السيد مسرور بارزاني، رئيس حكومة إقليم كوردستان، إلى الولايات المتحدة في مايو 2025، تمثل خطوة حاسمة للدفاع عن حقوق شعب كوردستان، تعزيز الشراكات الدولية، والتأكيد على حقه في تقرير المصير وحياة كريمة.

منذ تأسيس العراق الحديث، عانى الشعب الكوردي من ظلم ممنهج، بلغ ذروته في جرائم النظام البعثي:

حملات الأنفال (1986-1989): أدت هذه الحملات إلى إبادة جماعية استهدفت الكورد، حيث قُتل عشرات الآلاف، ودُمرت آلاف القرى، وشُرد مئات الآلاف من العائلات.

هجوم حلبجة الكيميائي (1988): استخدم النظام البعثي الأسلحة الكيميائية ضد مدنيين كورد في حلبجة، مما أسفر عن مقتل حوالي 5000 شخص وإصابة الآلاف.

تدمير القرى الكوردية: دُمرت أكثر من 4000 قرية كوردية، مع تهجير قسري للسكان وتغيير ديموغرافي للمناطق الكوردية.

على الرغم من إسقاط النظام البعثي، فشلت الحكومات العراقية المتعاقبة في الوفاء بالتزاماتها تجاه تعويض ضحايا هذه الجرائم. لم يتم تقديم تعويضات كافية للمتضررين، ولم تُنفذ برامج إعادة إعمار شاملة للمناطق المتضررة، مما يعكس استمرار سياسة الإهمال والتمييز ضد الكورد.

التمييز العنصري ضد الكورد في المناطق المتنازع عليها

المناطق المتنازع عليها، مثل كركوك وسنجار وديالى، هي جزء لا يتجزأ من إقليم كوردستان تاريخيًا وثقافيًا، لكنها ظلت موضع نزاع بسبب عدم تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي. الكورد في هذه المناطق يواجهون تمييزًا منهجيًا، بما في ذلك:

التهجير القسري: استمرار سياسات تغيير ديموغرافي في مناطق مثل كركوك، مع محاولات لتقليل النفوذ الكوردي.

الحرمان من الخدمات: تُهمل هذه المناطق في توزيع الموازنة الاتحادية، مما يؤثر على البنية التحتية والخدمات الأساسية.

الانتهاكات الأمنية: تعرض الكورد لهجمات من مليشيات مسلحة، دون تدخل فعال من القوات الاتحادية لحمايتهم.

هذا التمييز يناقض مبادئ الدستور ويعرقل تحقيق المساواة والشراكة الحقيقية بين مكونات العراق.

انتهاكات الدستور العراقي من قبل الأحزاب الشيعية الحاكمة

الدستور العراقي لعام 2005، الذي صوت عليه الشعب العراقي، كفل نظامًا فيدراليًا يضمن حقوق الأقاليم والمحافظات. ومع ذلك، يتهم قادة كوردستان الأحزاب الشيعية الحاكمة بانتهاك الدستور بشكل منهجي لخدمة مصالحها ومصالح أطراف خارجية، خصوصًا إيران. تشمل الانتهاكات:

المادة 112: تمنح الأقاليم حق المشاركة في إدارة النفط والغاز، لكن الحكومة الاتحادية فرضت سيطرة مركزية، محرومة إقليم كوردستان من حقه في تصدير النفط.

المادة 140: لم تُنفذ هذه المادة، التي تنص على إجراء استفتاء لحل النزاعات حول المناطق المتنازع عليها، مما يعكس تجاهلًا متعمدًا.

المادة 115: تمنح الأقاليم سلطات واسعة، لكن الحكومة الاتحادية قوّضت هذه السلطات من خلال قرارات المحكمة الاتحادية، التي يرى الكورد أنها تخضع لنفوذ الأحزاب الحاكمة.

هذه الانتهاكات، إلى جانب دعم الأحزاب الحاكمة لمليشيات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، أدت إلى ضياع فرصة بناء نظام فيدرالي عادل يحترم جميع مكونات العراق. هذا الدعم للمليشيات، التي تورطت في عمليات إرهابية وانتهاكات حقوقية، عزز عدم الاستقرار وأضعف مبدأ الشراكة الوطنية.

تهميش دور الكورد في قيادة العراق ومعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية

على الرغم من الدور التاريخي والمحوري للكورد في بناء العراق الجديد، بما في ذلك تضحيات قوات البيشمركة في مواجهة الإرهاب، فقد تم تهميشهم بشكل منهجي في قيادة الدولة. ينص الدستور العراقي على توزيع عادل للمناصب الحساسة بين مكونات الشعب العراقي، لكن الحكومة الاتحادية استولت على مناصب رئيسية مثل رئاسة الوزراء، الوزارات السيادية، وقيادات الأجهزة الأمنية، مع تقليص تمثيل الكورد فيها. هذا التهميش يعكس سياسة متعمدة للحد من نفوذ الكورد في صنع القرار الوطني.

علاوة على ذلك، تتعامل الحكومة العراقية مع مواطني إقليم كوردستان كمواطنين من الدرجة الثانية، حيث تتأخر عمدًا في إرسال رواتب موظفي الإقليم، مما يخلق أزمات اقتصادية تهدف إلى إضعاف الإقليم. رغم صدور قرار من المحكمة الاتحادية يلزم الحكومة الاتحادية بدفع رواتب موظفي إقليم كوردستان مناصفة مع موظفي باقي المناطق العراقية، إلا أن الحكومة تتجاهل هذا القرار بحجج واهية، مما يفاقم معاناة المواطنين الكورد ويعزز الشعور بالظلم والإقصاء.

 الحكومة العراقية تهدر مليارات الدولارات في صفقات مشبوهة، بما في ذلك عقود نفطية ومشاريع بنية تحتية فاشلة. في المقابل، تُخصص أموال طائلة لدعم مليشيات مسلحة تابعة للحرس الثوري الإيراني، والتي سببت بزعزعة استقرار العراق والمنطقة. 

هذا الدعم يأتي على حساب تمويل الخدمات الأساسية، تعويض ضحايا الجرائم البعثية، وتطوير الأقاليم مثل كوردستان، مما يعكس أولويات سياسية تخدم مصالح خارجية على حساب الشعب العراقي.

زيارة السيد مسرور بارزاني إلى الولايات المتحدة (مايو 2025)

في 19 مايو 2025، قام السيد مسرور بارزاني، رئيس حكومة إقليم كوردستان، بزيارة تاريخية إلى الولايات المتحدة، حيث أشرف على توقيع اتفاقيتين استراتيجيتين في قطاع الطاقة مع شركتي "HKN Energy" و"Western Zagros" الأمريكيتين في واشنطن. تستهدف الاتفاقيتان تطوير حقلي غاز ميران وتوبخانة-كردمير في السليمانية، باستثمارات تقدر بـ110 مليارات دولار. تهدف هذه الصفقات إلى تعزيز مكانة إقليم كوردستان كمركز عالمي للطاقة، وتأمين موارد اقتصادية تدعم استقلالية الإقليم الاقتصادية.

خلال الزيارة، التقى بارزاني بمسؤولين أمريكيين، بما في ذلك عضوي الكونغرس ماريو دياز بالارت وجو ويلسون، لبحث تعزيز العلاقات الثنائية، دعم قوات البيشمركة، وتشجيع الاستثمارات الأمريكية. أكد المسؤولون الأمريكيون على أهمية إقليم كوردستان كحليف استراتيجي، مشددين على دعمهم لاستقراره وازدهاره.

رد فعل الحكومة العراقية الفاشلة

أثارت الاتفاقيات النفطية رد فعل عنيف من وزارة النفط العراقية، التي رفضتها في 20 مايو 2025، معتبرة إياها غير قانونية ومخالفة لقرارات المحكمة الاتحادية. هذا الرفض يعكس، حسب قادة الإقليم، استمرار سياسة التمييز ضد كوردستان. دافع السيد بارزاني عن الاتفاقيات، مؤكدًا أنها تتماشى مع الحقوق الدستورية للإقليم وتخدم مصالح شعبه.

رد فعل الجانب الأمريكي تجاه تصرفات الحكومة العراقية

أعربت الولايات المتحدة عن دعمها الكامل للاتفاقيات الموقعة بين حكومة إقليم كوردستان والشركات الأمريكية، مؤكدة أنها خطوة أساسية لتعزيز استقلال العراق في مجال الطاقة ودعم الاستقرار الاقتصادي لإقليم كوردستان. وفي تصريح للمتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، تامي بروس، في 23 مايو 2025، أشارت إلى أن هذه الاتفاقيات "تساعد العراق على الاستفادة من موارده الطبيعية" وتعزز الأمن القومي من خلال تحقيق الاكتفاء الذاتي في الطاقة. كما أكد وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، في شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب في 22 مايو 2025، أن "محور نهجنا تجاه العراق هو الحكم الذاتي للكورد، والسماح لهم بالشريان الاقتصادي الذي يسمح لهم بالازدهار". شددت الولايات المتحدة على ضرورة احترام الحكومة العراقية للنظام الاتحادي وللحقوق الدستورية لإقليم كوردستان، داعية إياها إلى تعزيز التعاون مع الإقليم بدلاً من عرقلة جهوده التنموية. كما أكدت الولايات المتحدة دعمها الدولي لتطلعات شعب كوردستان، مشيرة إلى أن إقليم كوردستان يُعد شريكًا موثوقًا في المنطقة، وأن استقراره يعزز الأمن الإقليمي.

إنجازات إقليم كوردستان: نموذج التعايش والتنمية

على الرغم من التحديات، حقق إقليم كوردستان إنجازات كبيرة في مجالات الاقتصاد، الإعمار، الأمن، والتعايش السلمي:

الاقتصاد: شهد الإقليم نموًا اقتصاديًا ملحوظًا، مع جذب استثمارات أجنبية في قطاعات النفط، الغاز، والبنية التحتية. الاتفاقيات الأخيرة مع الشركات الأمريكية تعزز هذا التوجه.

الإعمار: تم إعادة إعمار مدن وقرى الإقليم، مع تطوير البنية التحتية مثل الطرق، المستشفيات، والمدارس.

الأمن: قوات البيشمركة حافظت على استقرار الإقليم، وحمت حدوده من التهديدات الإرهابية، بما في ذلك داعش.

التعايش السلمي: يُعد إقليم كوردستان نموذجًا للتعايش بين مختلف المكونات، بما في ذلك الكورد، العرب، التركمان، المسيحيون، والإيزيديون. يتمتع الجميع بحقوق متساوية، مع حماية الأقليات الدينية والعرقية.

هذه الإنجازات تؤكد قدرة إقليم كوردستان على بناء مجتمع مزدهر، على عكس الفوضى التي تسود أجزاء أخرى من العراق بسبب سوء الإدارة وسيطرة المليشيات.

حق تقرير المصير وحياة كريمة

حق تقرير المصير هو طموح مشروع لشعب كوردستان، مدعوم بميثاق الأمم المتحدة. استفتاء 2017، الذي صوت فيه 92% من أبناء الإقليم لصالح الاستقلال، عكس إرادة شعبية واضحة. على الرغم من الرفض الدولي والعراقي، يستمر الشعب الكوردي في المطالبة بحقه في العيش بكرامة ضمن إطار فيدرالي عادل، أو من خلال خيارات أخرى إذا استمر التمييز. تحقيق حياة كريمة يتطلب:

احترام الحقوق الدستورية للإقليم.

تعويض ضحايا الأنفال وحلبجة والقرى المدمرة.

إنهاء التمييز ضد الكورد في المناطق المتنازع عليها.

بناء شراكة حقيقية تضمن المساواة بين مكونات العراق.

الخاتمة

زيارة السيد مسرور بارزاني إلى الولايات المتحدة في مايو 2025 هي خطوة وطنية شجاعة للدفاع عن حقوق شعب كوردستان في ظل ظلم مستمر من الحكومة العراقية. إن حرمان الإقليم من موارده، تجاهل تعويض ضحايا الأنفال وحلبجة، تهميش الكورد في قيادة الدولة، ودعم المليشيات المرتبطة بإيران، هي سياسات تهدد وحدة العراق واستقراره. إقليم كوردستان، بنموذجه في التنمية والتعايش السلمي، يثبت أنه شريك حقيقي لبناء عراق ديمقراطي. على المجتمع الدولي والحكومة العراقية احترام إرادة شعب كوردستان وحقوقه الدستورية، لضمان مستقبل يسوده العدل والمساواة.

على الحكومة العراقية تنفيذ التزاماتها تجاه تعويض ضحايا الأنفال، حلبجة، والقرى المدمرة، من خلال برامج مالية وعينية عاجلة.

تنفيذ المادة 140 لتسوية النزاعات حول المناطق المتنازع عليها، مع حماية حقوق الكورد في هذه المناطق.

إنهاء دعم المليشيات المسلحة والتحقيق في الصفقات المشبوهة لضمان شفافية إدارة الموارد.

احترام الدستور العراقي، خصوصًا المواد 112 و115، لضمان حقوق إقليم كوردستان.

ضمان توزيع عادل للمناصب الحساسة، مع إنهاء تهميش الكورد في قيادة الدولة.

الالتزام بقرار المحكمة الاتحادية بدفع رواتب موظفي إقليم كوردستان مناصفة مع باقي المناطق.

دعم المجتمع الدولي لتطلعات شعب كوردستان في تقرير المصير، مع تعزيز الاستثمارات في الإقليم.

مطالبة الحكومة العراقية بتعزيز التعاون مع إقليم كوردستان لتحقيق استقرار العراق والمنطقة.