الشوفينية الدستورية تحت قبة بغداد

الشوفينية الدستورية تحت قبة بغداد
الشوفينية الدستورية تحت قبة بغداد

في مشهد يعيد إلى الأذهان أيام المركزية القمعية البعثية، وقف النائب بهاء الأعرجي – أحد رموز كتلة "الإعمار والتنمية" المنضوية تحت راية الإطار التنسيقي الشيعي – داخل مجلس النواب العراقي يوم الجمعة 20 آذار 2026، ليطلق تصريحات تُصنف رئيس وزراء إقليم كوردستان بـ"درجة محافظ" ووزير ثرواته بـ"مدير عام". لم يكن هذا مجرد زلة لسان أو اختلاف سياسي عابر، بل خطاب مسموم يعكس روحًا شوفينية عنصرية متجذرة في عقول بعض النواب الشيعة الحاكمين في بغداد، يعاملون إقليم كوردستان كـ"ولاية تابعة" وشعبه كـ"موظفين" تحت رحمة أمزجة بغداد المتقلبة.


ردت كتلة الحزب الديمقراطي الكوردستاني ببيان حاد ومفصل، استنكرت فيه هذا "التجاوز الصارخ على الدستور" و"الانحدار غير المقبول" في الخطاب البرلماني. وأكدت أن ما صدر ليس اختلاف رأي، بل "خطاب مسموم يستخف بالمرتكزات الدستورية" ويحاول "تقزيم إقليم كوردستان ومؤسساته السيادية". ثم سردت المواد الدستورية التي تم خرقها: 112، 114، 115، 116، 117، 121. وأدانت تقاعس رئاسة المجلس عن اتخاذ موقف حازم، معتبرة ذلك إخلالاً بواجبها الدستوري.
الدستور العراقي لعام 2005: اتفاقية شراكة اتحادية، لا وصاية مركزية


صدر الدستور كحل توفيقي بين مكونات العراق، ليضمن "وحدة العراق" عبر "نظام اتحادي" (المادة 1). اعترف صراحة بإقليم كوردستان ككيان اتحادي قائم (المادة 117 أولاً)، ومنحه سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية كاملة. المادة 116 حددت النظام الاتحادي، والمادة 121 أعطت الأقاليم الحق في ممارسة سلطاتها دون تدخل مركزي إلا في الاختصاصات الحصرية. أما المادة 115 فهي الضمانة الذهبية: "في حال التنازع في الاختصاصات غير الحصرية، يُعطى الأولوية لقانون الإقليم". والمادة 112 نظمت إدارة النفط والغاز بـ"الشراكة" بين المركز والأقاليم، لا بـ"الأوامر" من بغداد.


هذا الدستور ليس "ورقة" يمكن طيها عند الرغبة، بل "القانون الأعلى". لكن كتل الإطار الشيعي الحاكمة تتعامل معه كـ"حبر على ورق" عندما يتعلق الأمر بالكورد، وتريد مركزية قمعية جديدة.


الخروقات المتعمدة: من المادة 140 إلى الرواتب والميزانية والهجمات المسلحة


أبرز مثال: المادة 140 التي نصت على حل قضية المناطق المتنازع عليها (كركوك وأجزاء من نينوى وديالى وصلاح الدين) عبر التطبيع ثم الإحصاء ثم الاستفتاء قبل نهاية 2007. معلقة منذ 18 عاماً بسبب رفض الأحزاب الشيعية تطبيقها، خوفاً من عودة الكورد إلى أرضهم وثرواتها.


ثم الخنق الاقتصادي: قطع رواتب الموظفين والمتقاعدين، التلاعب بالميزانية (رغم استحقاق الإقليم 17% أو 12.67%)، ورفض تمرير حصة الإقليم رغم قرارات المحكمة الاتحادية. هذا عقاب سياسي يستهدف الشعب الكوردي مباشرة، وخرق صارخ للمادتين 112 و115.


والأخطر: الهجمات المتكررة. منذ بداية 2026، تعرض إقليم كوردستان لأكثر من 50 هجوماً بالطائرات المسيرة والصواريخ استهدفت قواعد التحالف، منشآت الطاقة، فنادق، وقنصليات. المنفذون: ميليشيات عراقية موالية لإيران مدعومة مالياً ولوجستياً من الحكومة الاتحادية في بغداد. يدّعون أنها "مقاومة ضد أمريكا وإسرائيل"، لكن الضحايا هم أبرياء كوردستان: مدنيون، أطفال، بنية تحتية. حكومة الإقليم اتهمت هذه الميليشيات بأنها "ممولة من الحكومة العراقية"، وبغداد تكتفي بالصمت أو التصريحات الشكلية. هذا ليس فشلاً أمنياً، بل سياسة متعمدة للضغط على الكورد.


إذا استمرت بغداد والأحزاب الحاكمة في عنصريتهم: الاستفتاء والاستقلال… خيار مشروع دستورياً وشعبياً


هنا يصل الأمر إلى نقطة اللاعودة. إذا استمرت بغداد والكتل الشيعية الحاكمة في سياساتها العنصرية المتعمدة – خرق المواد الدستورية، قطع الرواتب، التلاعب بالميزانية، رفض تطبيق المادة 140، وقصف الإقليم بالميليشيات المدعومة منها – فلن يبقى أمام الشعب الكوردي إلا خيار واحد: العودة إلى نتائج استفتاء استقلال كوردستان 25 أيلول 2017.


في ذلك اليوم التاريخي، صوّت أكثر من 92.7% من المشاركين (بمشاركة تجاوزت 72%) بـ"نعم" للاستقلال. لم يكن هذا الاستفتاء "مغامرة سياسية" أو "تحدياً للوحدة" كما يروّج البعض في بغداد، بل كان تعبيراً ديمقراطياً سلمياً ومشروعاً عن إرادة شعب عانى الإبادة والقمع والتهميش لعقود. كان صوتاً شعبياً جماعياً يقول: "لقد جرّبنا الاتحاد الطوعي، وإذا لم يُحترم الدستور الذي وافقنا عليه في 2005، فإن الاتحاد يصبح باطلاً".


وكما يضمن الدستور العراقي نفسه أن "العراق دولة فدرالية اتحادية" تتكون أساساً من المكونين الرئيسيين الكوردي والعربي (وغيرهما)، فإن هذا الاتحاد اختياري وليس إجبارياً. إنه عقد اجتماعي طوعي مبني على الشراكة الندية والاحترام المتبادل، لا على التبعية والقمع. الدستور لم يفرض "الوحدة الإجبارية"، بل أقر بنظام اتحادي يعتمد على التوافق والالتزام المشترك. عندما ينتهك أحد الأطراف هذا العقد – كما تفعل بغداد اليوم بانتظام – يصبح الطرف الآخر (الشعب الكوردي) حراً في إعادة النظر في الاتحاد كله.


الخيار الدستوري والشعبي واضح وبارد:


إما تطبيق الدستور كاملاً دون انتقاء (تنفيذ المادة 140، احترام الرواتب والميزانية، وقف الهجمات الميليشياوية، الشراكة الحقيقية في الثروة، الاعتراف بالإقليم كشريك سيادي لا "محافظة تابعة")،


أو الانفصال السلمي الذي يضمنه الحق الطبيعي في تقرير المصير، والذي أكده الشعب الكوردي بصوته في الاستفتاء.


هذا ليس تهديداً، بل تحذير واقعي. الكورد لم يطالبوا بالانفصال في 2005 عندما وافقوا على الدستور؛ بل قبلوا بالاتحاد الاختياري على أمل الشراكة. لكن بغداد خانت هذا الأمل مراراً. إذا استمرت الشوفينية والعنصرية، فإن إعلان الاستقلال لن يكون "تمرداً"، بل استرداداً لحق طبيعي ودستوري.


خاتمة: الدستور أو الانهيار


على هؤلاء النواب والكتل الشيعية الحاكمة أن يفهموا: زمن "المركزية القمعية" ولى إلى غير رجعة. الدستور ليس ملكاً لكتلة أو طائفة؛ هو الحكم والفيصل. إن استمر الخرق المتعمد – من المادة 140 إلى قصف الإقليم وقطع الرواتب – فلن يخدم إلا أعداء العراق الحقيقيين. الكورد لن يقبلوا أن يُعاملوا كـ"موظفين" في دولتهم الاتحادية.


الخيار اليوم بيد بغداد: تطبيق الدستور كاملاً، أو قبول نتائج استفتاء 2017 والبدء في مفاوضات انفصال سلمي يحفظ كرامة الجميع. أما الاستمرار في الشوفينية والعنصرية، فهو الطريق الأسرع إلى تفكك العراق نفسه.


الكوردستانيون يراقبون. والتاريخ لا ينسى. والشعب الكوردي لن ينسى.