انحني أيها البوق ...للأسطورة
عن أي معارضة تتحدث يا من تعيش على فتات السلطة؟
من المضحك، وشر البلية ما يضحك، أن يخرج علينا من يفتقد لأدنى مقومات القاعدة الشعبية ليوزع دروساً في "الصدق السياسي" و"المعارضة". تصريح عضو حركة بابليون "دريد جميل" تجاه الحزب الديمقراطي الكوردستاني ليس سوى محاولة يائسة للقفز فوق الحقائق التاريخية والجغرافية التي صاغها نضال شعب كوردستان.
أولاً: المعارضة شرف.. وليست لمن جاءت بهم "الكوطة"
المعارضة هي خيار القوي الذي يمتلك شارعاً حقيقياً، وليست ملجأً لمن لا يملك من أمره شيئاً إلا تبعية الأجندات الخارجية. الحزب الديمقراطي الكوردستاني لم يستمد سلطته من "توازنات الصدفة" أو "المناصب الممنوحة"، بل من جبال وعرة وتضحيات عقود بذلها بيشمركة كوردستان، ومن صناديق اقتراع تشهد بنتائجها الملايين من أبناء شعب الكورد.
ثانياً: من يعيش في زجاج السلطة لا يرمي الحجر
تطالبون "البارتي" بترك السلطة وتجربة المعارضة؟ الحقيقة هي أنكم أنتم من ترتعون في خيرات السلطة التي لم تتعبوا في بنائها، بل جئتم إليها كظلال لقوى أخرى. حركة بابليون، التي تدعي تمثيل المكون المسيحي بينما الشارع المسيحي في كوردستان والعراق يتبرأ من نهجها، هي آخر من يحق لها الحديث عن "ترك المناصب"؛ لأن وجودها السياسي مرهون بالبقاء تحت مظلة القوى التي أوجدتها، لا بإرادة الشعب.
ثالثاً: الفرق بين الثابت والمتحرك
البارتي ليس مجرد سلطة لكي "يتركها"، بل هو هوية سياسية واجتماعية وتاريخية لشعب الكورد. أما أنتم، فمجرد عارض في طريق العملية السياسية، ستنتهي أدواركم بانتهاء المهمة الموكلة إليكم. الصدق الذي تتحدث عنه يتطلب أولاً الشجاعة للوقوف أمام المسيحيين في كوردستان ومواجهة حقيقة من تمثلون فعلياً.
الخلاصة:
بدلاً من توجيه السهام نحو قلاع كوردستان الحصينة، كان الأجدر بـ "دريد جميل" أن يتساءل: لو رفعت يد الدعم الخارجي عن حركته، هل سيبقى له ولأمثاله أثر في المعارضة أو السلطة؟ الإجابة يعرفها القاصي والداني؛ فمن يصعد على أكتاف الآخرين سيسقط بمجرد أن يقرر هؤلاء الآخرون الانحناء، أما من جذوره في تراب كوردستان، فلا تهزه رياح التصريحات العابرة.
الآن إلى هذه الرؤوس التي أثارها دريد جميل، دعنا نفتحها قليلاً لنرى ما تخبئه من عار:
أولاً: مليون صوت مقابل لا شيء.
البارتي حصل على مليون صوت في الانتخابات الأخيرة، بل هو أكبر حزب في العراق كله، وليس فقط في كوردستان. مليون مواطن كوردي وعربي وتركماني ومسيحي وضعوا ثقتهم بالبارتي، بينما حركتكم – يا سيد دريد – بالكاد تستطيع جمع أصوات عائلتك وأقاربك. كم حصلت حركتكم؟ الجواب يعرفه الجميع: أصفار على اليسار، وأرقام لا تُذكر حتى في بلدية نائية. فكيف يجرؤ من لا يمثل نفسه على مطالبة من يمثل الملايين بترك السلطة؟
ثانياً: قرن من القيادة مقابل لحظة عابرة على المسرح.
البارتي يقود الشعب الكوردستاني منذ ما يقارب ١٠٠ عام، منذ أيام الملا مصطفى البارزاني، مروراً بالثورات والانتفاضات، وصولاً إلى اليوم. أما أنتم، يا حركة بابليون، فمتى ظهرتم؟ لقد خرجتم من عباءة الاحتلال ومن تحت أجنحة قوى إقليمية، كفطر سام نبت بين ليلة وضحاها. هذا هو الفرق بين من بنى تاريخاً ومن استعار ظلاً.
ثالثاً: أسطورة النضال مقابل غموض الهوية.
البارتي والبارزاني هما أسطورة النضال المتجددة عبر الأجيال. كل كوردي يعرف من هو البارزاني، ويعرف معنى البارتي في قلبه. أما أنت، يا دريد جميل، فمن أنت؟ وما هي خلفيتك السياسية؟ هل لك أب أو جد ناضل؟ هل قدمت عائلتك شهيداً واحداً من أجل الكورد أو من أجل المسيحيين؟ لا، بل جئت على موجة المحاصصة لتقبض على منصب، ثم تفتح فمك لتؤدب أبطالاً صنعوا الوطن بدمائهم.
رابعاً: من قارع الديكتاتورية؟ ومن قارع ظلك؟
البارتي قارع الأنظمة الديكتاتورية منذ قرن: الأنظمة الملكية، والبعثية، والصدامية، والإيرانية، والتركية. وقف البارتي وحيداً في وجه الطاغية صدام حسين، ودفع الثمن من بيشمركته وشعبه. أما أنتم، فمن قارعتم؟ أتقصد تلك المشاجرات الكلامية على كراسي البرلمان؟ أم خنوعكم الدائم لمن وضعكم على كتفيه؟ الحقيقة أنكم لم تقارعوا أحداً، بل كنتم دائماً في حضن من يدفع الثمن عنكم.
خامساً: بنيتم إقليماً؟ أم بنيتم أوهاماً؟
البارتي والبارزاني بنيا إقليم كوردستان من تحت الأنقاض. اليوم، إقليم كوردستان هو أفضل منطقة في العراق بل وفي المنطقة من حيث الأمن والخدمات والاقتصاد، حتى أنه تفوق على بعض الدول المجاورة. أين إسهامكم؟ ماذا بنيتَ أنت يا دريد؟ مدرسة؟ مستشفى؟ طريقاً؟ أم أن كل ما تقدمه هو تصريحات إعلامية فارغة تخدم أجندة غيرك؟ أظهر لنا مشروعاً واحداً تبنته حركة بابليون دون أن يأتي من خزينة البارتي أو من دعم خارجي.
سادساً: الآلاف من الشهداء مقابل ماذا؟
البارتي قدم الآلاف من الشهداء عبر عقود النضال: شهداء الأنفال، شهداء الحروب، شهداء داعش. كل عائلة كوردية لديها شهيد أو أسير أو مفقود. أما أنتم، فماذا قدمتم؟ هل لديكم شهيد واحد؟ هل سقط لكم جريح واحد في معركة حقيقية؟ لا، لأنكم تفضلون التحدث من خلف المكاتب، بينما الآخرون يدفعون الإيجار بالدم.
سابعاً: من حرر سهل نينوى والموصل؟ ومن هرب؟
إقليم كوردستان بقيادة البارتي والبارزاني هو من حرر مناطقكم – الموصل، سهل نينوى، قرى وبلدات المسيحيين – من براثن داعش. البيشمركة سقط شهداؤها في تلك المناطق. أين كنتم أنتم؟ أين كان دريد جميل وأمثاله؟ هل كنتم في المقدمة تحررون؟ أم كنتم في الخارج تنتظرون انتهاء المعركة لتعودوا فتطالبوا بالمناصب؟ التاريخ لا ينسى، والناس لا تغفل.
أخيراً: الانحناء للأسطورة، لا خوفاً بل شتان بين الثرى والثريا.
عندما تتحدث عن البارتي والبارزاني، يا دريد، يجب أن تنحني لهما. ليس خوفاً من بطشهما، بل لأن الفرق بينك وبينهما كالفرق بين الثرى والثريا. هما قمم شامخة، وأنت حصى صغير على هامش الطريق. فإن كان لك أي بقية من عقل، فاخفض صوتك، واذهب لتعرف لمن تتحدث قبل أن يرد عليك التاريخ بنفسه.