قرنان من تغيير الأنظمة في أميركا اللاتينية تحت المظلّة الأميركية

قرنان من تغيير الأنظمة في أميركا اللاتينية تحت المظلّة الأميركية
قرنان من تغيير الأنظمة في أميركا اللاتينية تحت المظلّة الأميركية

في إعلان صادم، قال الرئيس الأمریکي دونالد ترامب إن القوات الأميركية نفذت عملية واسعة في فنزويلا انتهت بإلقاء القبض على الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى خارج البلاد، تمهيداً لمحاكمته في الولايات المتحدة. وبينما وصفت واشنطن العملية بأنها “فجر جديد” لفنزويلا، التزمت كاراكاس الغموض، مؤكدة المضي في خططها الدفاعية وسط غياب أي دليل علني على مصير رئيسها. 

هذا الحدث يعيد إلى الواجهة تاريخاً يمتد قرنين من تدخلات وتغييرات الأنظمة في أميركا اللاتينية، غالباً تحت المظلة الأميركية وبشعارات تتبدل بين الأمن والديمقراطية ومحاربة المخدرات

فمنذ مطلع القرن التاسع عشر، لم تنظر الولايات المتحدة إلى أميركا اللاتينية بوصفها فضاءً جغرافياً مستقلاً، بل باعتبارها امتداداً حيوياً لأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. 

هذه النظرة، التي تكرّست مبكراً فيما عُرف بـ«مبدأ مونرو»، شكّلت الأساس النظري والسياسي لسلسلة طويلة من التدخلات الأميركية الهادفة إلى إعادة تشكيل أنظمة الحكم في المنطقة، بوسائل تراوحت بين الغزو العسكري الصريح والانقلابات الناعمة.

ورغم تغيّر الخطاب الأميركي عبر العقود، من منع التوسع الأوروبي إلى محاربة الشيوعية ثم «تعزيز الديمقراطية»، فإن جوهر السياسة ظل ثابتاً وهو منع بروز أنظمة لا تتوافق مع المصالح الأميركية السياسية والاقتصادية.

أُعلن «مبدأ مونرو» عام 1823 باعتباره تحذيرا موجها للقوى الأوروبية من التدخل في شؤون الأميركتين. غير أن هذا المبدأ تحوّل عملياً إلى أداة تمنح واشنطن حق الوصاية على دول أميركا اللاتينية، تحت ذريعة الحماية من الاستعمار الخارجي.

وخلال القرن التاسع عشر، رافق هذا المبدأ توسّع إقليمي عدواني، بلغ ذروته في الحرب الأميركية–المكسيكية (1846–1848)، التي انتهت باستيلاء الولايات المتحدة على أكثر من نصف الأراضي المكسيكية، في سابقة جسّدت مبكرا منطق القوة في إدارة العلاقة مع الجوار الجنوبي.

وفي عام 1904، أعاد الرئيس ثيودور روزفلت إحياء مبدأ مونرو عبر ما عُرف بـ«مبدأ روزفلت»، الذي منح الولايات المتحدة حق التدخل المباشر في شؤون دول نصف الكرة الغربي، بزعم «ضعفها» أو «سوء إدارتها».

في ظل هذا التفسير الموسّع، شهدت أميركا اللاتينية موجة احتلالات عسكرية مباشرة شملت نيكاراغوا وهايتي والدومينيكان وكوبا وبورتوريكو، وأسّست لنمط من الهيمنة العسكرية والسياسية استمر لعقود.

ومع اندلاع الحرب الباردة، أصبحت أميركا اللاتينية إحدى ساحات الصراع الأيديولوجي بين واشنطن وموسكو. وتحت شعار «احتواء الشيوعية»، دعمت الولايات المتحدة أو نفذت عشرات الانقلابات التي أطاحت بحكومات منتخبة ديمقراطيا، واستبدلتها بأنظمة عسكرية قمعية موالية لها. تشمل هذه المرحلة انقلابات مفصلية مثل، غواتيمالا (1954) ، البرازيل  (1964)،  تشيلي (1973)،  الأرجنتين  (1976)والیوم فنزویلا بعد الإطاحة بالرئیس مادورو. 

وبانتهاء الحرب الباردة، لم تتخلّ واشنطن عن هدفها في ضبط التوازنات السياسية في أميركا اللاتينية، لكنها غيّرت أدواتها. فحلّت الانقلابات الناعمة محل الجيوش، عبر منظومة معقّدة تشمل، العقوبات الاقتصادية، الحرب الإعلامية، تمويل منظمات المجتمع المدني والأحزاب المعارضة، توظيف شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان

وتُعد فنزويلا، إلى جانب كوبا ونيكاراغوا، من أبرز النماذج المعاصرة لمحاولات تغيير الأنظمة عبر هذا النمط من التدخل، حيث أُخضعت لحصار اقتصادي طويل الأمد ساهم في تأزيم أوضاعها الداخلية، ضمن إستراتيجية تستهدف إنهاك الدولة ودفع الشارع إلى الانقلاب على السلطة. 

تشير الدراسات الأكاديمية، ومنها دراسة جامعة أكسفورد (2019)، إلى أن عدد التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية منذ عام 1800 بلغ آلاف الحالات، فيما وثّق تقرير «ريفيستا» بجامعة هارفارد ما لا يقل عن 41 عملية تغيير ناجحة للأنظمة بين 1898 و1994 وحدها. وتُظهر هذه المعطيات أن الدوافع الأميركية كانت مركّبة، منها حماية المصالح الاقتصادية والسيطرة على الموارد والأسواق و اعتبارات السياسة الداخلية الأميركية، فضلا عن هواجس التفوق الأيديولوجي والثقافي

وهكذا، فإن ما يجري اليوم في فنزويلا، بغضّ النظر عن دقّة تفاصيله أو مآلاته، لا يمكن فصله عن هذا المسار التاريخي الطويل من التدخل الأميركي في أميركا اللاتينية، حيث ختاما: تتبدل الأدوات والذرائع بينما يبقى الهدف واحداً: إعادة تشكيل السلطة بما ينسجم مع المصالح الأميركية. فبين «مبدأ مونرو» و«الحرب على المخدرات» و«تعزيز الديمقراطية»، تتكرر الحلقة ذاتها، وتُعاد إنتاج منطق الوصاية بأشكال جديدة. 

وفي ظل هذا الإرث الثقيل، لا يبدو أن أميركا اللاتينية تقف اليوم على أعتاب استعادة سيادتها بقدر ما تجد نفسها عالقة في دائرة تاريخية مغلقة، تُعاد فيها صياغة الهيمنة بأدوات جديدة. فبعد قرنين من التدخلات المباشرة وغير المباشرة، باتت بنية القرار السياسي في كثير من دول المنطقة شديدة الارتهان للخارج، بما يجعل الحديث عن استقلال سياسي كامل أقرب إلى الطموح النظري منه إلى الواقع الممكن.