بغداد… عاصمة التسويف الدستوري وفن الاحتيال السياسي

بغداد… عاصمة التسويف الدستوري وفن الاحتيال السياسي
بغداد… عاصمة التسويف الدستوري وفن الاحتيال السياسي

منذ إقرار الدستور العراقي عام 2005، لم تُختبر جدية الدولة في احترام نصوصها كما اختُبرت في المادة 140. كان النص واضحاً، محدد السقف الزمني، لا يحتمل التأويل: تطبيع، إحصاء، استفتاء، قبل نهاية عام 2007. لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن تعثراً إدارياً، بل نموذجاً صارخاً في المماطلة المنظمة.

عشرون عاماً مرت، وتعاقبت الحكومات في بغداد، وكل واحدة منها تعهدت “بالمضي قدماً”، ثم سلّمت الملف لمن بعدها مثقلاً بذرائع جديدة. مرةً بحجة التعقيد الأمني، ومرةً بحجة الأولويات الوطنية، ومرةً بذريعة التوازنات السياسية. أما النتيجة فواحدة: النص باقٍ… والتنفيذ مؤجل.

لم يكن العجز مالياً، فقد خُصصت تريليونات الدنانير خلال سنوات متفرقة. ولم يكن العجز قضائياً، إذ أكدت المحكمة الاتحادية عام 2019 استمرار سريان المادة دستورياً. ولم يكن النص غامضاً، فهو من أوضح مواد الدستور من حيث الآلية والغاية. المشكلة كانت ـ وما زالت ـ في إرادة سياسية تتقن إدارة الوقت أكثر مما تتقن احترام الالتزامات.

بعد أحداث 16 أكتوبر 2017، دخل الملف مرحلة جديدة. بدل أن يُعاد ضبط المسار وفق الدستور، أصبح الواقع الميداني ذريعة إضافية للتجميد. تغييرات إدارية، صراعات نفوذ، وعودة خطاب “الظرف الاستثنائي”. وهكذا، تحولت المادة 140 من استحقاق دستوري إلى ورقة ضغط سياسية.

بغداد، عبر هذا المسار، لم تؤجل مادة دستورية فحسب؛ بل كرّست ثقافة سياسية تقوم على إفراغ النصوص من مضمونها دون إعلان إلغائها. إنها سياسة “التنفيذ الشكلي” و”اللجان المفتوحة” و”القرارات المؤجلة”. فنّ الإبقاء على الملف حياً كي لا يُتهم أحد بإلغائه، وميتاً كي لا يُفرض تنفيذه.

حين تصبح المواعيد الدستورية حبراً بلا أثر، تتحول الدولة من كيان قانوني إلى مساحة تفاوض دائم. وحين يُدار النص الدستوري بمنطق المساومة، يفقد الدستور قدسيته كعقد ملزم.

المادة 140 اليوم ليست خلافاً إدارياً حول كركوك أو غيرها، بل اختبار لمدى احترام بغداد لدولتها نفسها. فإما أن تكون النصوص الدستورية ملزمة للجميع، أو تتحول إلى أدوات تجميل سياسي.

بعد عقدين من الزمن، لم يعد السؤال: لماذا لم تُنفذ المادة 140؟

بل: هل ما زال الدستور في العراق مرجعاً حاكماً، أم مجرد وثيقة تُفتح عند الحاجة وتُغلق عند الاستحقاق؟

التاريخ لا يسجل الأعذار… بل يسجل النتائج.