هويتنا كوردية

هويتنا كوردية
هويتنا كوردية

   يُعدُّ الكوردُ من أعرق شعوب منطقة الشرق الأوسط، إذ سكنوا أرض كوردستان منذ فجر التاريخ، واتّسموا بالوفاء وصدق النية واحترام الآخر، بصرف النظر عن انتمائه الجنسي أو القومي أو الديني. ولم يكن للكرد يوماً أطماعا توسّعية أو نوايا احتلال أو نهب لممتلكات الآخرين، فقط انهم أرادوا  أن يعيشوا في وطنهم بأمانٍ وحريةٍ وكرامة.

   يمتلك الكورد جميع مقوّمات القومية وعناصر بناء الدولة، ويتميّزون عن سائر الشعوب بخصائص جغرافية وبشرية ولغوية وثقافية وسلوكية راسخة، فضلاً عن كونهم شعباً مرناً يتعامل بإيجابية مع مختلف المكوّنات والأطراف الاجتماعية.

    وقد كتب الرئيس البارزاني في كتابه للتاريخ: (للشعب الكوردي تاريخٌ وجغرافيا ولغةٌ وثقافةٌ وعاداتٌ وتقاليدُ خاصة، يعيش منذ آلاف السنين على أرضه، وطوال التاريخ التزم بمبادئ التسامح والتعايش. وثقافة التعايش مع القوميات والأديان الأخرى المتجذّرة في أعماق تاريخه هي محلُّ الفخر والاعتزاز. وخلال السنوات الخمسمائة الماضية تعرّض هذا الشعب لمحاولات إصهار وإبادة عديدة، ولكنه استطاع النجاة من جميعها.

    قبل خمسة قرون تم تقسيم بلاد الكرد بين الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية، وعقب الحرب العالمية الأولى وُزِّعت دون إرادة أبنائها، على أربع دول. وقد خلّف هذا التقسيم أوضاعاً جيوسياسية بالغة التعقيد، ولم تُعترف بالحقوق المشروعة للكرد في أيٍّ من هذه الأجزاء، بل أُنكر وجودهم أصلاً. وقد أفضت تلك السياسات الخاطئة إلى صراعات مديدة لم تستطع الحكومات فيها إنهاء الكرد، ولم يستطع الكرد إسقاط تلك الحكومات، فسالت دماءٌ غزيرة، وكانت شعوب المنطقة والسلامُ والاستقرارُ الضحيةَ الأولى.

   هذا الواقع المأساوي يستوجب من الطرفين مراجعة الذات، والتفكير في حلول ديمقراطية سلمية بدلاً من الحروب والإنكار. وبحكم ما فرضه هذا الواقع على مدار القرن الماضي، اكتسب كلُّ جزء من كوردستان خصوصيات بعينها، لا يجوز أن تصبح مشكلات أيٍّ منها حلاً مثالياً للأجزاء الأخرى، بل يجب أن تُعالَج مشكلات كل جزء وفق خصوصيته الموضوعية وأوضاعه الذاتية، في إطار الحوار والأساليب السلمية الديمقراطية)

   وقد ألقى هذا التقسيم بظلاله الثقيلة على الحركة التحررية القومية الكوردستانية طوال القرن الماضي، وعلى ما شهدته أجزاؤها الأربعة من حركات سياسية وثورات مسلحة و نكبات جسيمة. ولم يتمكّن الكرد إلا في جنوب كوردستان الملحق بالعراق من تأسيس إقليم كوردستان كياناً قومياً دستورياً معترفاً بها دولياً، يحمل في طياته إمكانات التطوير والتنمية. 

   أما في غرب كوردستان فثمة منطقة محرّرة تخضع لسلطة محلية، غير أنها تعيش في حالة من الـضبابية المستمرة وتواجه تهديدات من حكومة دمشق والدول المجاورة. وفي شمال كوردستان، أفضت تضحيات نصف قرن من النضال إلى قبول مسار سلام هشٍّ متذبذب، خلا من أي إشارة إلى الحقوق القومية الكردستانية. أما في شرق كوردستان فقد طغت السياسات القمعية على المشهد برمّته وأسدلت الصمت على حقوق الكورد هناك.

  ومع كل ذلك فحلم الكورد واضح و هدفه ساطع و مقاومته صامدة و ارادته قوية، و الامة التي حافظت على وجودها بكل ركائزها لا بد أن يحقق اهدافها.

  تُمثّل اللغةُ ركيزةً أساسية للوجود القومي، وهي في حساب الكورد —على تنوّع لهجاتها— مقدّسة، إذ يفخر الكرد في كل مكان بكورديتهم ولغتهم وثقافتهم.

  وبمناسبة اليوم العالمي للغة الأم، أكّد الرئيس بارزاني في رسالته أن (لغة الأم أساس الأصالة والهوية والوعي، وهي الصوت الجامع للقومية، وحمايتها مهمة وطنية ومسؤولية الجميع). 

  كما جاء في كلمة السيد نيجيرفان بارزاني بهذه المناسبة (أن حماية لغة الأم حمايةٌ للهوية والتاريخ الثري ومستقبل كوردستان).     وبهذه المناسبة أشار السيد مسرور بارزاني إلى (أن اللغة الركيزة الأساسية لوجودنا وهويتنا القومية والوطنية، ومن هذا المنطلق تجدّد حكومة إقليم كوردستان التزامها الثابت بالاهتمام باللغة الكوردية والارتقاء بها وبلغات المكوّنات كافة).

  ومن خلال هذه الرسائل الرفيعة تبدو أن المسألة القومية في جوهرها مسألة لغة، وأن اللغة هي ما يميّزنا عن الآخرين. لذا بات من الضروري الاهتمام باللغة الكردية اهتماماً جدياً.

   وعلى سلطات الدول التي تضم إجراءاً من كوردستان أن تترك سياسة الاحتلال، وأن تُشرك الكردَ كشريك حقيقي في إدارة الدولة وفق مبدأ الشراكة والتوازن و التوافق و أن تعترف باللغة الكردية لغةً رسمية للدولة، ليتحقق السلم والأمن والاستقرار.

   ومن المؤسف ان بعض هذه الـدول مازالت تتبعوا نهج الاحتلال تجاه الكورد، و ترفض الوجود القومي الكوردستاني، و يلجأ بعض الإعلاميين إلى طرح أسئلة مقصودة على مسؤولي كوردستان و بالاخص إلى السيد مسرور بارزاني، و الذي يتصدّى لهم بجدارة واقتدار. ففي لقاء مع قناة سكاي نيوز العربية في الثامن من فبراير عام ٢٠٢٦، على هامش القمة العالمية للحكومات في دبي، وجّه الإعلامي عماد الدين أديب سؤالاً استفزازياً مفاده: “إذا كانت الدولة تمنحك كامل حقوقك، فما المشكلة في أن تكون عراقياً؟” فردّ السيد بارزاني بثقة: “لا أعتقد أن كونك كوردياً مشكلة؛ إنما أولئك الذين يرفضون التعددية واحترام القوميات الأخرى هم من يرون في الهوية الكوردية  مشكلة. لقد خلقني الله كوردياً ولا أستطيع إنكار ذلك، وأنا فخور بكورديتي سواء عشت في العراق أو في أي مكان آخر. أنا كوردي ولن أُغيّر هذه الهوية أبداً، وإذا شعر الكورد بالمساواة المنصفة في هذه الدول فلن يُضطرّوا إلى البحث عن حلول أخرى. وكما تعلمون، ظلّ التاريخ غير منصف حين يتعلق الأمر بالقضية الكوردية.”

وعلى ذات السياق، كان سؤال الصحفي البريطاني مارتن شولوف إلى السيد مسرور بارزاني في منتدى السلم والأمن في الشرق الأوسط المنعقد في دهوك في الأيام السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر من نوفمبر ٢٠٢١ حينما سأله الصحفي، اسمح لي ان أوجه لكم سؤالا كرئيس وزراء كوردستان، هل أنت كردي أولاً أم عراقي أولاً؟، جاء الرد فورياً وقاطعاً: (أنا كوردي).

   رسالةٌ من كلمتين، بسيطة في مبناها، عميقة في معناها، تنطوي على حقيقة تاريخية وجغرافية وإنسانية ساطعة كضوء الشمس، وكانت صاعقةً أذهلت العقول الشوفينية والطائفية المتحجّرة.

نعم، نحن كوردٌ ونفخر بكورديتنا. نحن كوردٌ أينما أقمنا وحللنا. لغتنا كوردية وهويتنا كوردية، وسنظل كورداً إلى الأبد. وحماية هذه الهوية واجبٌ قومي ووطني وإنساني.