صمت بغداد الدامي... عندما يصبح التواطؤ الرسمي غطاءً للإبادة المنهجية ضد كوردستان

صمت بغداد الدامي... عندما يصبح التواطؤ الرسمي غطاءً للإبادة المنهجية ضد كوردستان
صمت بغداد الدامي... عندما يصبح التواطؤ الرسمي غطاءً للإبادة المنهجية ضد كوردستان

في غضون أقل من 48 ساعة، تحولت سماء إقليم كوردستان إلى جحيم مفتوح. أكثر من 50 طائرة مسيرة وصاروخاً، انهالت كالسيل الجارف على قرى ومدن آمنة في أربيل والسليمانية ودهوك، لتخلّف وراءها شهداء وجرحى من المدنيين الأبرياء والعسكريين، وتهدد بتقويض صرح من الأمان والازدهار استغرق بناؤه سنوات من الكفاح والتضحية. هذه ليست مجرد "خروقات أمنية" عابرة يمكن تمريرها أو التغاضي عنها، بل هي حملة تصفية جسدية ممنهجة، وإبادة جماعية بطيئة، تستهدف الوجود الكوردي وإنجازاته التي تشكل، ببساطة، استثناءً مضيئاً في محيط من الفوضى والدمار.

إن الذرائع الواهية التي يلوح بها المعتدون، من "وجود قوات أجنبية" أو "قواعد للتحالف الدولي"، ما هي إلا ستار من الدخان الكثيف يحجب الحقيقة الأكثر قسوة ووضوحاً. لقد أعلن إقليم كوردستان موقفه الحيادي والمبدئي مراراً وتكراراً، ورفض بشكل قاطع أن يكون منصة لتصفية الحسابات الإقليمية أو الدولي. غير أن الجريمة الحقيقية التي لا تغتفر، في نظر أعداء الكورد، هي نجاح هذه البقعة الجغرافية في تحقيق ما عجزت عنه الدولة العراقية الاتحادية على مدى أكثر من عقدين:

· في كوردستان، يُبنى الاقتصاد ويُستثمر في المستقبل، بينما تتبخر ثروات العراق في صفقات الفساد.
· في كوردستان، يُكتب دستور التعايش السلمي بين كل المكونات، بينما في باقي العراق، تُكتب الفتنة الطائفية والتصفية السياسية.
· في كوردستان، تبنى المدارس والمستشفيات والجامعات، بينما في بغداد، تُبنى الميليشيات وتحصيناتها.

هذا النجاح المدوي هو "الخطيئة" الكبرى التي تستوجب العقاب. بدلاً من أن يكون الإقليم نموذجاً يُحتذى به، أصبح هدفاً للصواريخ والمسيّرات، لأنه بوجوده القوي والمستقر، يفضح عجز وفشل وفساد المنظومة الحاكمة في الوسط والجنوب.

لقد تجاوزت تداعيات هذا الحقد الأعمى الحدود الكوردية لتطال الشركاء الدوليين. سقوط الجندي الفرنسي "أرنو فريون" وإصابة آخرين في قاعدة مشتركة للبيشمركة والقوات الفرنسية، ليس مجرد خبر عابر، بل هو دليل دامغ على أن هذه الهجمات لا تستثني أحداً. وقد جاء وصف الرئيس ماكرون لها بأنها "غير مقبولة ولا مبرر لها" ليؤكد أن استهداف القوات الصديقة التي تقاتل الإرهاب (داعش) هو ضربة للتحالف الدولي بأسره. كما أن استهداف القاعدة الإيطالية في أربيل، وسحب روما لقواتها مؤقتاً، يمثل رسالة إنذار للعالم: أن هذا الإرهاب لا يهدد الكورد فحسب، بل يهدد الأمن والسلم الدوليين، ويضعف الجهود العالمية لمحاربة التنظيمات المتطرفة.

أما الموقف من بغداد، فهو الأكثر إدانة وإيلاماً.
إنه صمت مطبق، متواطئ، ومخزٍ. صمت لا يمكن تفسيره بالعجز، بل هو موقف سياسي بامتياز. إن الحكومة الاتحادية، التي تتلقى الميليشيات المهاجمة رواتبها وتسليحها وشرعيتها من تحت عباءتها، تلتزم الصمت. إنها تمارس دور "الغطاء السياسي" لهذه الجرائم. هي تضع "العراق" في قفص الاتهام كدولة راعية للإرهاب ضد جزء من أراضيها وشعبها.

إنها جريمة نكراء أن تبقى الحكومة في بغداد متفرجة، تتلقى التقارير الاستخباراتية عن تحركات الميليشيات في الموصل وكركوك، وتعلم علم اليقين أنها تمول وتُسلح وتُأمر من فصائل "الحشد الشعبي" المندمجة رسمياً في أجهزة الدولة، ومع ذلك لا تتحرك. بل الأفظع أن نسمع بين الفينة والأخرى تصريحات مسيئة ومستفزة تصف البيشمركة بـ"الميليشيا"، في انعكاس صارخ للحقيقة، وتطابق مخزٍ مع السردية الإيرانية التي تسعى لتقسيم العراق وإضعافه.

إن إقليم كوردستان يدفع اليوم ثمن نجاحه الباهظ: دماء أطفاله ونسائه ورجاله، ومستقبل أجياله. لكن هذا الدم لن يذهب هدراً. إنه يكتب بحروف من نار فصلًا جديدًا في ملحمة النضال الكوردي من أجل الحرية والكرامة.

حان الوقت ليكسر المجتمع الدولي صمته المخزي، ويتحول من الإدانة الشفهية إلى الضغط الفعلي على بغداد لوقف هذا الإرهاب الممنهج. حان الوقت لتتحمل الحكومة الاتحادية مسؤوليتها القانونية والأخلاقية والتاريخية، وأن تختار: إما أن تكون جزءاً من بناء الدولة العراقية الموحدة القائمة على المواطنة، أو أن تظل شريكاً في جريمة إبادة شعبها.

كفى صمتاً... كفى تواطؤاً... كفى دماء. فالتاريخ لن يرحم المتواطئين كما لن يرحم الجلادين، وكوردستان، رغم الجراح، ستظل صامدة، شاهقة، وشوكة في حلق كل من يحلم بإخضاعها أو محوها.