المخرج الكبير علي بدرخان: فيلم البارزاني عن قصة أمة لها تاريخ.. والشعب الكوردي ليس له ذنب في كل تلك الحروب
في لقاء خاص عن مشروعه المؤجل ، وعن ما يحدث حاليا في العالم من حروب قال المخرج الكبير علي بدرخان ذو الجذور الكوردية ونجل المخرج الكبير الراحل علي بدرخان سلسل العائلة البدرخانية الكوردية قال عندما أتحدث عن نفسي وعن تجربتي في السينما، لا أستطيع أن أفصل الفن عن الإنسان، ولا أستطيع أن أفصل المخرج عن القضايا التي عاش معها وتأثر بها.
أنا دائمًا كنت متابعًا لما يحدث في العالم كله، لأن الفنان لا يعيش في فراغ. ما يحدث في العالم ينعكس علينا جميعًا، ويؤثر في وعينا وفي نظرتنا للحياة. ومن بين القضايا التي شغلتني طويلًا قضية الشعب الكوردي، ربما لأنني أنتمي من ناحية والدي إلى جذور كوردية، لكن اهتمامي لم يكن بدافع الانتماء فقط، بل لأنني أرى في هذه القضية جانبًا إنسانيًا وتاريخيًا عميقًا.
وأضاف :يهمنى من هذه الحرب الدائرة سلامة الإنسان ،وليس ذنب أي انسان كوردي أن يكون ضحية لظروف سياسية محيطة به ، فما يحدث في المحيط العالمي أثر بشكل سلبي على شعوب كثيرة ليس لها علاقة بتلك الحروب شعوب تعيش في سلام منها الكورد . أنا زرت كوردستان أكثر من مرة، وذهبت إلى أربيل والسليمانية، وكانت هذه الزيارات بالنسبة لي تجربة إنسانية وثقافية مهمة.
عندما التقيت هناك بالمثقفين والباحثين والناس العاديين شعرت بأنني قريب منهم، وكأنني أزور أهلي وناسي. كان هناك إحساس واضح بأن هذا الشعب لديه قصة كبيرة يريد أن يرويها للعالم، وأن هناك تاريخًا طويلًا من النضال لم يصل بعد إلى الوعي العالمي بالشكل الكافي.
فيلم الملا مصطفى بارزاني حلم لازال قائما
من هنا جاءت فكرة أن أقدم فيلمًا سينمائيًا عن الكورد، وتحديدًا عن الزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني. بالنسبة لي كانت حياة البارزاني تصلح لأن تكون فيلمًا سينمائيًا كبيرًا، لأن هذه الحياة مليئة بالأحداث والتحولات والصراعات. عندما درست سيرته وتاريخه شعرت بأننا أمام دراما إنسانية وسياسية غنية جدًا، يمكن أن تتحول إلى عمل سينمائي مهم.
لكنني كنت واضحًا دائمًا في تفسير دافعي لهذا المشروع. قلت أكثر من مرة إن أصولي الكوردية ليست السبب الأساسي وراء الفكرة. نعم، أنا أنتمي إلى جذور كوردية من ناحية الأب، لكن الدافع الحقيقي بالنسبة لي هو أن هذه قضية إنسانية عادلة. الكورد شعب عانى طويلًا من القهر والظلم، ومن حقه أن تُروى قصته وأن يتعرف العالم إلى تاريخه وثقافته ونضاله.
لذلك عندما بدأت التفكير في الفيلم لم أتعامل معه كفكرة عاطفية أو مجرد حماس شخصي، بل تعاملت معه كمشروع سينمائي يحتاج إلى بحث دقيق. سافرت إلى كوردستان من أجل جمع المادة التاريخية، والتقيت بعدد كبير من المؤرخين والباحثين الكورد، لأنني كنت مقتنعًا أن أي فيلم تاريخي يجب أن يقوم على أساس معرفي قوي. السينما ليست مجرد صورة جميلة، بل هي أيضًا مسؤولية تجاه التاريخ والحقيقة.
خلال هذه الرحلة شعرت بأن السينما يمكن أن تلعب دورًا كبيرًا في تعريف العالم بتاريخ الشعوب. أنا دائمًا أقول إن الفن ليس شيئًا تكميليًا أو ترفيهيًا فقط، بل هو عنصر أساسي في تشكيل الوعي. من خلال الفن يمكن للناس أن يتعرفوا إلى تاريخ الشعوب وثقافتها وتراثها بطريقة بسيطة ومؤثرة في الوقت نفسه. لهذا كنت أؤكد دائمًا أن على الكورد، مثل غيرهم من الشعوب، أن يستخدموا الفن والسينما للتعريف بتاريخهم وقضيتهم.
ليس فيلما محليا
الفكرة التي كنت أطمح إليها لم تكن مجرد فيلم محلي محدود، بل كنت أتمنى أن يكون الفيلم مشروعًا دوليًا كبيرًا. كنت أفكر في أن يُعرض الفيلم عالميًا، وأن يشارك فيه فنانون من دول مختلفة، وأن يُقدم بأكثر من لغة حتى يصل إلى جمهور واسع في العالم. لأن القضية الكوردية ليست قضية محلية فقط، بل هي جزء من تاريخ المنطقة كلها.
خلال زيارتي لكوردستان التقيت أيضًا بعدد من المسؤولين هناك، وكان هناك اهتمام بالفكرة. كان واضحًا أن هناك رغبة في دعم المشروع، خاصة إذا كان الفيلم سيُصور في مناطق كوردستان نفسها، لأن ذلك يعطيه مصداقية أكبر ويجعله قريبًا من الواقع التاريخي والجغرافي للأحداث.
لكنني كنت أيضًا صريحًا عندما تحدثت عن الصعوبات التي تواجه مثل هذا المشروع. الفيلم التاريخي يحتاج إلى إنتاج ضخم وميزانية كبيرة، لأنه يتناول أحداثًا واسعة تمتد عبر سنوات طويلة وفي أماكن متعددة. لذلك قلت إن تنفيذ هذا المشروع يحتاج إلى دعم من مؤسسات إنتاجية كبيرة أو من دول، لأن إمكانات الإنتاج الخاصة وحدها لا تكفي لتنفيذ فيلم بهذا الحجم.
ورغم أن الفيلم لم يُنفذ حتى الآن، فإن الحلم ما زال قائمًا بالنسبة لي. مازلت أؤمن بأن هذه القصة تستحق أن تُروى، وأن السينما يمكن أن تقدمها بطريقة إنسانية مؤثرة. فالملا مصطفى البارزاني لم يكن مجرد قائد سياسي، بل كان رمزًا لنضال شعب كامل من أجل حريته وحقوقه.
إلى جانب اهتمامي بالقضية الكوردية، كانت هناك قضية أخرى احتلت مكانًا كبيرًا في حياتي، وهي القضية الفلسطينية. أنا كنت ولا أزال من أكثر المخرجين اهتمامًا بفلسطين، ليس فقط من زاوية سياسية، بل من زاوية إنسانية وثقافية أيضًا. علاقتي بالشعب الفلسطيني كانت دائمًا علاقة قريبة، وكانت تربطني علاقة شخصية قوية بالرئيس الراحل ياسر عرفات.
كنت صديقا لعرفات
أتذكر جيدًا زياراتي إلى فلسطين، فقد ذهبت أكثر من مرة إلى هناك، وزرت مدنًا عديدة مثل بيت لحم والخليل وغزة. كانت تلك الزيارات مؤثرة جدًا بالنسبة لي، لأنني رأيت عن قرب حياة الناس ومعاناتهم اليومية. الفن عندما يقترب من الواقع الإنساني يصبح أكثر صدقًا، وهذا ما كنت أشعر به دائمًا عندما أزور فلسطين.
في إحدى المرات التقيت ياسر عرفات، وكانت بيننا لحظة طريفة لا أنساها. قلت له مازحًا إن لدي طلبًا، وأخبرته أنني أريد جواز سفر فلسطيني. ابتسم وقال لي إن الجميع يتمنى ذلك، وكأننا كنا نتحدث عن حلم أكبر من مجرد وثيقة سفر. كانت تلك اللحظة تعبيرًا عن العلاقة الإنسانية العميقة التي شعرت بها تجاه القضية الفلسطينية.
أنا أيضًا عملت لفترة مستشارًا فنيًا وإعلاميًا للهلال الأحمر الفلسطيني، وكان ذلك بالتعاون مع الدكتور فتحي عرفات، رحمه الله. هذه التجربة جعلتني أكثر قربًا من الواقع الفلسطيني، وأكثر إدراكًا لحجم المعاناة التي يعيشها الناس هناك.
وعندما كنت أتابع ما يحدث في غزة ولا زال حتى اليوم كنت أشعر بألم كبير. المشاهد التي نراها ليست مجرد أخبار أو صور عابرة، بل هي مأساة إنسانية حقيقية. لذلك يبقى اهتمامي بفلسطين جزءًا أساسيًا من موقفي كفنان وكإنسان.
لكن عندما أتحدث عن الفن نفسه وعن عملي كمخرج، فإنني أؤمن دائمًا بأن السينما عمل جماعي. المخرج ليس شخصًا يعمل وحده، بل هو جزء من فريق كبير. في أي فيلم هناك مدير تصوير، ومهندس ديكور، ومؤلف موسيقى، وممثلون، وكل واحد منهم يضيف شيئًا للعمل. شطارة المخرج الحقيقية هي أن يختار المبدعين المناسبين وأن يخلق بينهم حالة من الانسجام.
عندما عملت مع ممثلين كبار مثل أحمد زكي كنت أؤمن بأن الممثل المبدع يجب أن يُمنح مساحة للتعبير عن موهبته. أحمد زكي كان فنانًا استثنائيًا، ومن الطبيعي أن أترك له مساحة ليضيف من عنده. الفيلم في النهاية ليس ملكًا لشخص واحد، بل هو نتيجة تعاون بين جميع أفراد الفريق.
الأمر نفسه كان ينطبق على تعاوني مع سعاد حسني. كان بيننا تفاهم إنساني وفني عميق. كنت أفهم قدراتها جيدًا وأعرف إمكاناتها الكبيرة كممثلة، ولذلك كنت أحاول أن أوجهها بالشكل الذي يسمح لها بأن تقدم أفضل ما لديها. عندما يكون هناك فهم إنساني بين المخرج والممثل ينعكس ذلك مباشرة على العمل الفني.
في النهاية أؤمن بأن السينما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي أيضًا وسيلة لحفظ الذاكرة الإنسانية والتاريخية للشعوب. يمكن للفيلم أن يقدم قصة شعب، أو يروي تجربة إنسانية، أو يفتح نافذة لفهم ثقافات مختلفة.
لهذا السبب ما زلت أقول إن حلمي أن أقدم فيلمًا عن القضية الكردية وعن الملا مصطفى البرزاني. ليس فقط لأنه قائد تاريخي مهم، بل لأن قصته تمثل قصة شعب كامل ناضل طويلًا من أجل الحرية. وإذا تحقق هذا الفيلم يومًا، أتمنى أن يكون عملًا يعرّف العالم بهذه التجربة الإنسانية العميقة، ويجعل الناس يرون تاريخ هذا الشعب بعين الفن والإنسانية.