علي الحجار لـ”كوردستان 24”: غنيت بالكوردية عشقًا في هذا الشعب وأتمنى الغناء في كوردستان
يُعد علي الحجار امتدادًا حقيقيًا للفن العربي الأصيل، وواحدًا من أبرز حَمَلة راية الطرب الكلاسيكي والمعاصر، إذ يمثل حالة فنية خاصة جمعت بين الأصالة والتجريب، وبين الالتزام بالجذور والانفتاح على آفاق جديدة. وعلى مدار مسيرته الطويلة، تعاون الحجار مع كبار الملحنين، من بليغ حمدي ومحمد الموجي، وصولًا إلى عمار الشريعي، كما تعامل مع معظم الأجيال الموسيقية اللاحقة، محتفظًا بخصوصية صوته وهويته الفنية التي تميّزه عن غيره.
ولا يقتصر حضور الحجار على كونه مطربًا فقط، بل هو فنان متعدد المواهب؛ فهو ممثل وشاعر وملحن، فضلًا عن كونه رسامًا وكاتبًا، ما يجعله نموذجًا للفنان الشامل القادر على التعبير بأكثر من وسيط فني. وقد مكّنته هذه التعددية من الغناء بالفصحى والعامية، والانتقال بين المسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة، دون أن يفقد صوته صدقه أو تأثيره.
شغف بالموسيقى الكوردية
بعد سنوات من التجربة الفنية التي جمعته بالمطربة الكوردية ليلى فريقي، سندريلا الشاشة الكوردية والملحن الكوردي هلكوت زاهر، يعود الحجار للحديث عن شغفه بالموسيقى الكوردية، مؤكدًا أنه منذ بداياته كان على دراية بأن مقام “كورد” أحد المقامات الأساسية في الموسيقى الشرقية، وقد جاء من كوردستان، وهو ما فتح أمامه باب الفضول والتأمل في هذا التراث الغني.
ويشير إلى أن كثرة حفلاته في عدد من الدول العربية، ومنها العراق، أسهمت في تعرّفه بشكل أعمق على الموسيقى الكوردية، التي وجد فيها روحًا شرقية قريبة من وجدانه، تتسم بالعذوبة والشجن والقدرة على التعبير عن مشاعر إنسانية عميقة. ومن هنا بدأ انجذابه الحقيقي إلى هذا اللون الغنائي، حتى تحوّل إلى حالة من العشق الفني.
"رجعنا لبعضينا"… ديو عابر للثقافات
تُوِّج هذا الشغف بتجربة فنية مميزة تمثّلت في ديو “رجعنا لبعضينا”، الذي جمع بين الحجار وليلى فريقي، من ألحان هلكوت زاهر، وتوزيع يحيى الموجي، وكلمات عربية للشاعر هاني الصغير. وقد أُنتجت الأغنية عام 2007، لتصبح واحدة من أبرز التجارب الغنائية التي جمعت بين فنانين من ثقافتين مختلفتين في عمل واحد.
لم يكن هذا الديو مجرد تعاون عابر، بل مثّل رؤية فنية تقوم على المزج بين خصوصيتين موسيقيتين؛ المصرية والكردية، بكل ما تحمله كل منهما من إرث غني وتعبيرات وجدانية. فقد استطاع الحجار، بصوته الدافئ وخبرته الطويلة، أن يندمج مع الروح اللحنية الكوردية بسلاسة، بينما أضافت ليلى فريقي بُعدًا صوتيًا مختلفًا، جعل من الأغنية مساحة حوار فني بين لغتين وثقافتين.
وقد تميّز العمل بتوازن دقيق بين الحفاظ على هوية كل طرف، والبحث عن منطقة مشتركة يمكن من خلالها إنتاج خطاب موسيقي قادر على الوصول إلى جمهور واسع. فالموسيقى الكوردية بطابعها الشجي، والموسيقى المصرية بثقلها التعبيري، اجتمعتا دون أن تطغى إحداهما على الأخرى، وهو ما يُحسب لرؤية الملحن ووعي المطرب.
أستطيع أن أقول إن تجربة “رجعنا لبعضينا” بالنسبة لي لم تكن مجرد أغنية ضمن مشواري، بل كانت حالة خاصة جدًا، خرجت من حدود الموسيقى لتدخل في مساحة إنسانية وثقافية أعمق بكثير مما توقعت في بدايتها.
بداية التعاون
بدأت الحكاية بمكالمة هاتفية من الموزع يحيى الموجي، أخبرني خلالها أنه يتعاون مع ملحن كوردي شاب يُدعى هلكوت زاهر، وأن هذا الشاب يحمل شغفًا كبيرًا بالموسيقى المصرية، ويتأثر بأعمال بليغ حمدي، كما يتابعني ويقدّر صوتي وتجربتي. في البداية، تعاملت مع الأمر بفضول طبيعي، لكن ما إن التقيت بهلكوت حتى تحوّل الفضول إلى دهشة حقيقية، فقد وجدت أمامي فنانًا موهوبًا، وإنسانًا شديد الرقي والبساطة في الوقت نفسه، وسرعان ما تحوّل اللقاء المهني إلى صداقة قائمة على الاحترام والتفاهم.
عندما استمعت إلى اللحن للمرة الأولى، شعرت بأنه مختلف، يحمل روحًا قريبة من قلبي رغم اختلاف خلفيته الثقافية، لكن المفاجأة الحقيقية كانت في فكرة العمل نفسه، إذ كان الديو يجمعني بالمطربة الكوردية ليلى فريقي، بحيث يؤدي كل منا الأغنية بلغته. هنا فقط بدأت أستوعب حجم التجربة التي سأخوضها، ليس لأنها صعبة فنيًا فقط، بل لأنها تتطلب أن أخرج من منطقة الأمان الخاصة بي إلى مساحة جديدة تمامًا.
تحدى مع هلكوت زاهر
التحدي الأكبر بالنسبة لي كان الغناء باللغة الكوردية. لم يكن الأمر مجرد حفظ كلمات، بل كان محاولة لفهم إيقاع لغة أخرى، وروحها الداخلية. قضيت وقتًا طويلًا في التدريب على النطق الصحيح، وكان هلكوت زاهر يرافقني داخل الاستوديو لساعات، يصحح لي، ويعيد عليّ الكلمات، حتى أصبحت أشعر أنني لا أنطقها كغريب، بل كمن يحاول أن ينتمي إليها صوتيًا على الأقل. ومع الوقت، لم يعد الأمر مجرد تدريب، بل أصبح نوعًا من الاكتشاف الداخلي لمعنى أن يغني الإنسان خارج لغته.
ومع اكتمال الجانب الموسيقي، جاءت مرحلة التصوير، وكانت هي الأخرى تجربة مختلفة تمامًا، لأننا لم نكن في مكان واحد. أنا صورت في مصر، وليلى فريقي صورت في كوردستان. وهنا اقترحت فكرة بسيطة لكنها كانت حاسمة في تشكيل روح العمل: أن يتحول البعد الجغرافي نفسه إلى جزء من القصة، بحيث يصبح العمل كله قائمًا على فكرة الرسالة المتبادلة. ظهرت في مشاهدي وأنا أكتب رسالة، بينما تظهر ليلى وهي تتلقاها وترد عليها، وكأن بيننا حوارًا صامتًا يتجاوز المسافات. وعند المونتاج في كوردستان، تم دمج المشاهد بطريقة جعلتني أشعر أننا في فضاء واحد رغم أننا لم نلتقِ أثناء التصوير.
تفاعل كوردي مصري عربي
بعد عرض الأغنية، فوجئت بمدى التفاعل الذي حققته، سواء في مصر أو في كوردستان. الناس لم تتعامل مع العمل باعتباره مجرد ديو غنائي، بل كحالة مختلفة تحمل صدقًا واضحًا، ربما لأن التجربة نفسها كانت صادقة من البداية. ومن اللحظات التي لا أنساها أن الدكتورة رتيبة الحفني أبدت إعجابًا كبيرًا بالأغنية، وطرحت فكرة تقديمها على خشبة مهرجان الموسيقى العربية، بحيث نقدمها أمام الجمهور بشكل حي، أنا وليلى، كل منا يقدم فقرته ثم نلتقي في الديو على المسرح. كانت فكرة جميلة جدًا بالنسبة لي، لأنها كانت ستمنح العمل بعدًا جديدًا أمام الجمهور مباشرة، لكن هذه الفكرة للأسف لم تُنفذ لأسباب لم تتضح لي، رغم الحماس الكبير الذي صاحبها.
ومع مرور الوقت، بدأت أرى هذه التجربة من زاوية أوسع من مجرد نجاح أغنية. أدركت أن ما حدث كان أقرب إلى حوار بين ثقافتين، بين صوتين، بين طريقتين في التعبير، اجتمعتا دون أن تلغي إحداهما الأخرى. كنت أغني بالكوردية، وليلى تغني بلغتها، ومع ذلك كنا نقول الشيء نفسه: أن الموسيقى قادرة على أن تكون لغة ثالثة يفهمها الجميع دون ترجمة. هذا الإدراك كان أهم ما خرجت به من التجربة.
روابط تاريخية
ولعل ما جعل هذا المعنى أكثر حضورًا في داخلي هو شعوري بأن هناك روابط تاريخية وإنسانية أعمق تجمع بين الشعوب، لا تقف عند حدود الجغرافيا أو اللغة، بل تمتد إلى ذاكرة مشتركة من التفاعل والتأثير المتبادل، منذ عصور بعيدة وحتى اليوم. ومن هنا، لم أعد أرى التجربة كعمل فني منفصل، بل كجزء من فكرة أكبر: أن الفن يمكن أن يكون مساحة لقاء لا مساحة اختلاف.
واليوم، عندما أسترجع هذه التجربة، أجد نفسي ممتنًا لها أكثر من مجرد إعجاب بنجاحها. فقد علمتني أن المغامرة الفنية ليست رفاهية، بل ضرورة، وأن الخروج من المألوف قد يفتح لك أبوابًا لم تكن تتخيلها. كما جعلتني أؤمن أكثر بأن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى لغة واحدة، بل إلى صدق واحد فقط، وما دام هذا الصدق موجودًا، فإن الموسيقى ستجد طريقها دائمًا إلى القلب، أيًا كانت اللغة التي تُغنى بها.