كتاب مصر والأزهر والدبلوماسية.. إدانة كاملة للإعتداءات الإيرانية على أقليم كوردستان العراق
تجاوزت الحرب الإيرانية الخطوط الحمراء لتستهدف المدنيين في الدول العربية وأقليم كوردستان ، فمع امتداد الهجمات إلى دول الخليج العربي، ووصولها إلى مناطق عراقية حساسة، بينها إقليم كوردستان ومدن مثل أربيل والسليمانية، برزت مصر، سياسيًا ودينيًا، باعتبارها طرفًا يسعى إلى احتواء التصعيد، دون التنازل عن ثوابت تتعلق برفض انتهاك سيادة الدول العربية. هذا الموقف لم يكن معزولًا عن المزاج العام للنخبة الفكرية، بل جاء متقاطعًا إلى حد كبير مع ما عبّر عنه عدد من الكُتّاب والمفكرين، في مشهد يعكس حالة من التوافق النادر بين الدولة والمجال العام.
قلق دبلوماسي مصري
منذ الساعات الأولى للتصعيد، عبّر عبد الفتاح السيسي عن قلق واضح من تطورات المشهد، مؤكدًا في اتصالاته مع قادة دوليين أن استهداف دول عربية لم تكن طرفًا في الحرب يمثل انحرافًا خطيرًا في مسار الصراع. هذا الطرح لم يكن مجرد توصيف دبلوماسي، بل حمل في طياته تحذيرًا مبكرًا من أن توسيع رقعة المواجهة سيؤدي إلى نتائج يصعب احتواؤها، خاصة في منطقة تعاني بالفعل من هشاشة سياسية وأمنية في أكثر من ساحة.
ومع تصاعد الأحداث، ارتفع سقف الخطاب المصري تدريجيًا، إلى أن بلغ ذروته في الإدانة الصريحة للهجمات الإيرانية على دول الخليج والعراق والأردن. هنا، لم تعد القاهرة تكتفي بلغة التحذير، بل انتقلت إلى تحميل مباشر لمسؤولية التصعيد، مع التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للهجمات واحترام قواعد القانون الدولي. هذا التحول يعكس إدراكًا بأن استمرار الصمت أو الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية قد يُفهم بوصفه قبولًا ضمنيًا بتغيير قواعد الاشتباك في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، تحركت وزارة الخارجية المصرية عبر بيانات رسمية وجولات دبلوماسية، لتأكيد تضامن مصر الكامل مع الدول المتضررة، خاصة في الخليج. وقد شددت الخارجية على أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وهو مبدأ ثابت في السياسة المصرية، يعكس ترابط المصالح والتحديات في الإقليم. كما أكدت أن اللجوء إلى القوة العسكرية لن يؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد، داعية إلى العودة الفورية إلى طاولة المفاوضات باعتبارها الخيار الوحيد القادر على تجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
ورغم هذه الإدانة الواضحة، حافظت القاهرة على خيط رفيع من التوازن، إذ لم تغلق باب الدبلوماسية، بل سعت إلى طرح نفسها كوسيط محتمل، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف. هذا النهج يعكس خبرة مصرية طويلة في إدارة الأزمات، تقوم على الجمع بين الحزم في الموقف، والمرونة في أدوات التحرك، إدراكًا بأن الحروب في المنطقة لم تعد قابلة للحسم العسكري، وأن كلفتها الإنسانية والاقتصادية باتت تفوق أي مكاسب سياسية محتملة.
الأزهر يندد
على الجانب الديني، جاء موقف الأزهر الشريف ليكمل هذه الصورة، مضيفًا بعدًا أخلاقيًا وإنسانيًا إلى الموقف السياسي. فقد أدان الأزهر استهداف المدنيين والأراضي الآمنة، مؤكدًا أن الاعتداء على الأبرياء يتنافى مع تعاليم الإسلام، التي تحرم سفك الدماء دون حق، وتدعو إلى السلم والحوار. هذا الخطاب لم يكن منفصلًا عن الواقع، بل جاء متسقًا مع طبيعة الدور التاريخي للأزهر كمرجعية دينية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، ومواجهة محاولات توظيف الدين في الصراعات السياسية.
أربيل والسليمانية خطوط حمراء
ومع انتقال الهجمات إلى إقليم كوردستان، وخصوصًا مدن مثل أربيل والسليمانية، دخلت الأزمة مرحلة أكثر تعقيدًا. فاستهداف هذه المناطق لا يحمل فقط دلالات عسكرية، بل يفتح الباب أمام احتمالات متعددة، من بينها انخراط أطراف جديدة في المواجهة، أو تصاعد التوتر داخل العراق نفسه. هذه التطورات عززت من القلق المصري، الذي ظهر في التحذيرات المتكررة من اتساع رقعة الصراع، وما قد يترتب عليه من تداعيات تتجاوز حدود الدول المعنية.
في هذا السياق، أكدت القاهرة رفضها التام لأي اعتداء على إقليم كوردستان، بوصفه جزءًا من الدولة العراقية، وفي الوقت نفسه إقليمًا صديقًا يتمتع بخصوصية سياسية وإدارية. كما شددت على رفض استهداف السفارات والمؤسسات المدنية، في إشارة إلى ما تعرضت له سفارة دولة الإمارات ومقار مدنية داخل الإقليم، معتبرة أن مثل هذه الأفعال تمثل انتهاكًا صارخًا للأعراف الدولية، وتهديدًا مباشرًا للاستقرار.
اللافت أن هذه الرؤية الرسمية وجدت صداها بوضوح في كتابات عدد من المثقفين والصحفيين المصريين، الذين تناولوا الأزمة من زوايا متعددة، لكنها التقت جميعًا عند جوهر واحد: رفض التصعيد، والتحذير من تداعياته. فقد رأى عبد الله السناوي أن المنطقة لا تحتمل مغامرات عسكرية جديدة، خاصة عندما تمتد إلى كيانات لم تكن طرفًا في الصراع، معتبرًا أن استهداف كردستان يمثل رسالة خاطئة في توقيت شديد الحساسية، وقد يؤدي إلى إعادة إنتاج الفوضى في منطقة تعاني أصلًا من اضطرابات مزمنة.
أديب : الإعتداء على كورد العراق محاولة لفرض واقع
وفي السياق ذاته، حذّر عماد الدين أديب من خطورة توسيع نطاق العمليات العسكرية خارج حدود الاشتباك المباشر، مؤكدًا أن ضرب مناطق كوردية داخل العراق يعكس محاولة لفرض معادلات جديدة بالقوة، وهو ما وصفه بأنه رهان خاسر على المدى الطويل، في ظل تجارب سابقة أثبتت أن كل صراع يتمدد جغرافيًا يفقد السيطرة عليه سياسيًا.
أما جلال عارف فقد تناول القضية من زاوية الأمن القومي في المنطقة، معتبرًا أن أي اعتداء على جزء من أراضي دولة صديقة، بما في ذلك كوردستان العراق، يمثل مساسًا مباشرًا بهذا الأمن، ويشكل سابقة خطيرة تستدعي موقفًا عربيًا موحدًا. هذا الطرح يتقاطع بوضوح مع الموقف الرسمي المصري.
د.الفقى: إختلال ميزان الردع
ومن زاوية دبلوماسية، أشار مصطفى الفقي إلى أن ما يحدث يعكس اختلالًا في ميزان الردع السياسي، حيث تلجأ بعض القوى إلى القوة العسكرية بدلًا من أدوات التفاوض، مؤكدًا أن استهداف كوردستان لا يخدم حتى المصالح الإيرانية، بل يزيد من تعقيد علاقاتها مع محيطها الإقليمي، داعيًا إلى إعادة الاعتبار للدبلوماسية كخيار استراتيجي.
وفي نبرة تحذيرية، كتب سليمان جودة أن استهداف أربيل والسليمانية ليس حدثًا عابرًا، بل مؤشر على تحول في طبيعة الصراع، حيث يتم نقل المعركة إلى مناطق كانت تُعد حتى وقت قريب خارج نطاق المواجهة، وهو ما يهدد بإسقاط آخر خطوط الأمان في الإقليم، ويفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا.
تساؤلات أخلاقية
أما محمد أمين فقد ركز على البعد الإنساني، معتبرًا أن المدنيين هم الضحية الأولى لأي تصعيد، وأن جرّ مناطق مستقرة نسبيًا إلى ساحة الحرب يطرح تساؤلات أخلاقية قبل أن يكون قضية سياسية، وهو ما يتلاقى مع خطاب الأزهر الذي وضع حماية الإنسان في قلب موقفه.
ولا تقف هذه الكتابات عند حدود التحليل، بل تكشف عن إدراك عميق لطبيعة المرحلة، حيث لم يعد الصراع مجرد مواجهة بين أطراف محددة، بل شبكة معقدة من التداخلات الإقليمية والدولية، تجعل أي تصعيد في نقطة ما قابلًا للامتداد إلى نقاط أخرى. ومن هنا، جاء التركيز على كوردستان بوصفها نقطة حساسة، قد تتحول إلى بؤرة صراع إذا لم يتم احتواء الموقف بسرعة.
كما أشار بعض الكُتّاب إلى أن ما يحدث يعكس نمطًا أوسع من السياسات الإقليمية، يقوم على تصدير الأزمات الداخلية إلى الخارج، وهو ما يؤدي إلى توسيع دوائر التوتر بدلًا من احتوائها. وفي هذا السياق، شددوا على أن استقرار العراق، بما في ذلك إقليم كردستان، يمثل عنصرًا أساسيًا في استقرار المنطقة، وأن أي مساس به يفتح الباب أمام سيناريوهات غير محسوبة.
الموقف المصري
الموقف المصري، مدعومًا بخطاب الأزهر وتحليلات النخبة، بوصفه معادلة دقيقة تجمع بين الإدانة الصريحة للتصعيد، والدعم الكامل للدول والإقاليم المستهدفة، والانفتاح على الحلول الدبلوماسية. هذه المعادلة لا تنحاز إلى الحرب، لكنها في الوقت ذاته ترفض فرض الأمر الواقع بالقوة، وتسعى إلى الحفاظ على ما تبقى من توازنات في منطقة تتجه بخطى متسارعة نحو المجهول.
وبينما تتواصل التوترات، تبدو مصر، سياسيًا ودينيًا وثقافيًا، كأحد الأصوات القليلة التي تحاول إعادة التوازن إلى خطاب إقليمي يميل بشكل متزايد إلى التصعيد. وهو دور قد لا يكون كافيًا بمفرده لوقف الحرب، لكنه يظل ضروريًا لمنع انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة، قد يكون الخروج منها أكثر كلفة وتعقيدًا مما يتخيله الجميع.